قال القاضي أبو بكم (٦) ﵁: إن الله تعالى وله الحمد، أنزل كتابه على نبيه نورا محكما، هدى تبيانا، لم يكن رموزا ولا كناية عما لا يتوصل به (٧) إليه سامعه، ولا يعلمه مخاطبه، وأقام عشرة أعوام، أو ثلاثة عشر عاما (٨)، أو خمسة عشر عاما، يجادل بالحجة جميع الكفرة، بألف (٩) من آي القرآن حسبما بيناه في "أنوار الفجر" فما بقي نوع من الأدلة، ولا وجه من وجوه الحجج، إلا وجاء بها على أوضح منهج، وتناولت كل حجة طائفة من الملحدة، وأصحاب الطبائع والصابئة بقدرها، واليهود والنصارى، والزائغين بقسطها، على نحو ما قالت كل طائفة من الشرك، ولو شاء ربنا لكفهم عن هذه المقالات، وإذ أطلقها على ألسنتهم، فقد نص كيف تنقض أقوالهم، حسبما تقرر من الأدلة، ومن كيفية استعمال، في كتابه، وعلى لسان رسوله، وذلك [و٤١ أ] كله بسابقة من المشيئة، ووجوه من الحكمة، ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ [هود: ١١٩] فأبان أنه خلقهم للاختلاف، وليرحم من شاء منهم فيخلصه عن شائبة الخلاف، وما استأثر الله برسوله - ﷺ -، إلا والدليل قد اتسق، والدين بالعلم قد استوسق، والحرس مبثوث (١٠) على جوانب الملة، لا يستطيع أحد خرقها (١١)، لا في السماء بسلم، ولا في الأرض بنفق، وإن
_________________
(١) ب، ج، ز: عليها.
(٢) ب: بليه. ج، ز: بنية.
(٣) ب، ج، ز: فيها. ب: عليها.
(٤) ب، ج، ز: نوع.
(٥) ب: أقرأها.
(٦) د: قال أبي.
(٧) د: - به.
(٨) ج، د، ز: - أو ثلاثة عشر عاما.
(٩) ب، ج، ز: بالآيات.
(١٠) ج: مثبوت.
(١١) د: خرمها.
[ ١١٠ ]
اشتجر (١) الخلق اشتجار (٢) أطباق الرأس، عقائد وأعمالا، وتفرقوا تعصبا واختلالا، فمدت البدع أعناقها، وأطلقت المبطلة (٣) ألسنتها، فإذا (٤) كانت الأمة على حاميتها، والولاية على حمايتها، خلع العذار الخلق في العاصي، وأخذوا في طرف من البدعة.
فلما جاء الوعد الصدق بأن الدين بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، ولج في الدين لصوص، من غير بابه، وتعلقوا (٥) بإهابه، ومشوا له الضراء، وأسروا حسوا في ارتغاء (٦)، وخاطبك كل واحد منهم بلسان القرابة، وهو من البعداء، وعاملك بالخلة وهو من الأعداء، وأتاك بالداء في صفة الدواء، ولم يخل الله قط أمته، ولا ضيع شريعته، عن ذاب (٧) عن حرمها، وحامل على مستقيمها، كما أخبرنا أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين (٨)، بالمعلق من مدينة السلام، تجاه دار الخلافة ثنا (٩) أبو بكر أحمد بن علي الحافظ (١٠) ثنا (١١) أبو بكر أحمد بن عمر الدلال (١٢) ثنا (١٣) جعفر بن محمد بن نصير الخلدي (١٤)، نا (١٥) خلف بن عمرو العسكري (١٦) حدثنا سعيد بن منصور (١٧)، نا عبد الرحمن بن
_________________
(١) ج، ز: اشتحر.
(٢) ج، ز: اشتحار.
(٣) ب: المبطلات.
(٤) ب، ج، ز: - فإذا.
(٥) د: تلففوا.
(٦) ج، د، ز: ارتقاء.
(٧) د: دأب.
(٨) هو السراج البغدادي صاحب مصارع العشاق توفي سنة ٥٠٠ هـ/ ١١٠٦ م وكان من الحفاظ، وعالما بالقراءات (العبر، ج ٣ ص ٣٥٩. ابن خلكان، ج١ ص ٣٥٩).
(٩) ج، ز: بنا. د: - أنا.
(١٠) ب: الحافظي. وهو أبو بكر أحمد بن علي ابن سعيد المروزي من حفاظ الحديث له مسانيد توفي قاضيا بدمشق سنة ٢٩٢ هـ/ ٩٥٤ م (العبر، ج ٢ ص ٩١).
(١١) ج، ز: بنا. د: نا.
(١٢) الدلال. لم نعثر له على ترجمة.
(١٣) ج، ز: بنا. د: أنا.
(١٤) الخلدي: جعفر بن محمد بن نصير البغدادي الزاهد. نسب إلى محلة الخلد على شاطئ دجلة. وهو شيخ الصوفية ومحدثهم. توقي سنة ٣٤٨ هـ/ ٩٥٩ م (العبر، ج ٢ ص ٢٧٩).
(١٥) د: أنا.
(١٦) د: العسكري: الصواب أنه العكبري خلف بن عمرو محدث ثقة توفي سنة ٢٩٦ هـ/ ٩٠٨ م (العبر، ج ٣ ص ١٠٦).
(١٧) أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني الحافظ توفي سنة ٢٢٧ هـ/ ٨٤٢ م.
[ ١١١ ]
زياد (١)، نا شعبة (٢) عن معاوية بن قرة (٣) عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، قال: "لا يزال (٤) ناس من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم، الساعة" (٥) قال القاضي أبو بكر (٦) ﵁ (٧): وبعد هذا فليس يخفى على ذي لب، أن العقل والشرع صنوان.