أخبرني أبو القاسم بن المنفرج (١) بزقاق [و٧١ ب] القناديل أنه سمع ابن رضوان (٢) الفيلسوف يقول حين قرئت عليه صفة النبي - ﷺ - في حديث هند، وغيره: هذه الصفة لا تكون إلا لنبي، ولا يحتاج معها في الدلالة إلى غيرها فإن اعتدال الخلقة (٣) يدل على اعتدال الخلق، وإنها جميلة (٤) صدرت عن النور الساطع، والحق الذي ليس عنده باطل، وأنه لم يلق في طريقه ظلمة، ولا آفة (٥)، حتى خلص للوجود على نهاية الكمال في الصنع. وهذه نزعة (٦) القوم، فقد قال قبله ثمامة بن أشرس: إن النبوة لا تفتقر في دليلها إلى آية (٧) خارقة للعادة، ولا معجزة تبهر العباد، وإنما يكون دليل صدقه اتساق كلامه، وعدالته في نفسه، وجرى جميع (٨) ما يأتي به فعلا، أو يخبر به (٩) قولا، على استقامة (١٠)، مع إحكام ما يربطه من قانون، ويبلغه إلى الخلق من توظيف، وسلامته من التثبيج (١١) والتناقض.
قال القاضي أبو بكر (١٢) ﵁: أما قول ابن رضوان فغير مرضي عند أحد، ولا تكلم به قائل عندنا ولا عندهم، لأن اعتدال البدن الجسماني لا يتعلق بالروحانيات عندهم، وإنما يرتبط بها، ويكون في منوال معها، القلب، وإنما أراد ابن رضوان أن يجعلها عندنا دفعة، ونحن لا نقبلها
_________________
(١) ج، ز: المنفرخ. د: المنفوخ. وكتب على هامش ج، ز: المنفوخ. هو من أهل القرن الخامس. ولم نعثر له على ترجمة.
(٢) علي بن رضوان بن علي بن جعفر أو الحسن رئيس الأطباء في مصر ليس له أهمية فلسفية فيما يرى القفطي واعتبره تغري بردي من كبار فلاسفة الإسلام. توفي سنة ٤٥٣ هـ/ ١٠٦١ م (القفطي، تاريخ الحكماء، ص ٤٤٣، النجوم الزاهرة لتغري بردى، ج ٥ ص ٥٦٩ طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة، ص ٣٢٥).
(٣) ب: الخلق.
(٤) ب، ج: جملة. د: جبلة.
(٥) ب، ج، ز: + ولا نقص.
(٦) د: نزغة.
(٧) د: آلة.
(٨) د: - جميع.
(٩) ز، د: عنه.
(١٠) ز، د: الاستقامة.
(١١) ج، ذ، ز: التتبيح. ومعنى التتبيح اضطراب الكلام.
(١٢) د: قال أبي.
[ ١٩٢ ]
منه، ولا نحتاج (١) إليه فيه، ولا معنى لها في دينه، فصارت لغوا في حقه، وأما قول ثمامة، فلا يساوي ثمامة (٢)، وقد بينا في كتب الأصول أن هذا الذي ذكره (٣)، هو شرط النبوة، لا دليلها، وإنما بني (٤) كلامه البائس المخذول على مذهبهم، في أن النبوة مدركة بالاختيار، وأنه الذي يضع من قبل نفسه القوانين فيرتب (٥) الأمور.
وهذا مما يعلم بطلانه قطعا فإن من نظر إلى كلام محمد صلى الله [و٧٢ أ] عليه وسلم، وما أبان من المعاني، وأوضح من المقاصد، وأخبر عنه من الكوائن، ونظم من الترتيب، وقدر من التدبير، ودخول جميع (٦) المعاني من جميع الخلق، أفعالا وأقوالا، تحت ذلك النظام (٧)، علم قطعا أنه أمر يفوق طاقة (٨) البشر، وأنه لا يحصيه فيهم إلا موجدهم، ولا يرتبه لهم إلا عالمهم وخالفهم. وهذه غاية في العصمة، والحمد لله والمنة.