نبغت طائفة قالت: إن المعول المرجوع إليه، هو قول الله وحكمه، وإن الموصل له إلينا واسطته (٥)، وهم رسله الذين أولهم آدم، وآخرهم محمد - ﷺ -، وهذه كلها دعوى (٦)، فإن العقول ترشد إلى السياسة الأيالية (٧)، والقوانين الحكمية، وقانون التدبير الجامع للمصالح المنتظمة لعامة الخلق، وإصلاح (٨) الأخلاق، وتطهير الأبدان عن أوصاف النجاسات، والقلوب عن أخلاق الدناءات، حتى يطرد الاصلاح (٩) في الباطن والظاهر، ويستمر البقاء على العيش الطيب، واستقامة الخاصة والعامة، وهذه كتب الحكماء (١٠)، بسيرهم في أنفسهم، ووصاياهم لغيرهم، تتضمن جميع ذلك، فمن أراد النظر فيها فقد جليت له في منصتها. وكفى بعد ذلك بإيضاح العقول رسلا، وبمقتضياتها (١١) أدلة مادة (١٢) إلى الغني الذي لا يصحبه فقر، والنعيم الذي لا يقترن به كدر، والكمال الذي لا يتطرق إليه (١٣) نقصان، ولو عولنا في درك الحقائق على
_________________
(١) ج، ز: الخاطريات.
(٢) ج: والفعل.
(٣) ب، ج، ز: - به.
(٤) ج: والثواب.
(٥) ب: واسطته.
(٦) د: دعاو.
(٧) ج، ز: الإلهية. وكتب على الهامش: الإيالية.
(٨) د: صلاح.
(٩) د: الصلاح.
(١٠) د: العلماء. ج، ز: كتب على الهامش: العلماء.
(١١) ب، ج، ز: بمقتضاها.
(١٢) ب، ج، ز: قادة. وكتب على الهامش مادة.
(١٣) ب: لا يقترن به.
[ ١٦٧ ]
الأنبياء، ما كنا نقف على حقيقة أبدا، فإنهم يقولون نحن رسل الله، ويأتون بأفعال غريبة، تخرج عن حد العادة، فيتحدون (١) بها على صدقهم، بطريق أنها فوق طوق البشر، يأتي الله بها على جهة العضد لهم، والتصديق لقولهم، وتلك الأمور الغريبة التي يأتون بها، داخلة في طوق البشر، محمولة إما على خاصة أدركوها، أو على وجوه من الحيل [و٦٢ ب]، نظموها على بعد وجمعوها، حتى انتهمت إلى هذه (٢) الحالة (٣) التي أشهدوها (٤) للخلق وأبرزوها، ولو لم يكن في الدنيا إلا حجر المغناطيس الذي يجذب الحديد من بعد، ولا يجذب الذهب، ولا هدبة الثوب (٥)، ونحن نرى السحرة يأتون بالغرائب، حتى إن الواحد منهم ليهزم الجيش، ويرد الجم الغفير فلا (٦)، ويجري الماء على الأرض سيحا، وينزل المطر صيبا (٧)، ويريك الجدب خصبا (٨)، ولا يحسب (٩) في الحقائق فعله، ولا يقبل (١٠) قوله، هذا إلى ما في الوصول إلى حالة القبول من الرسول من العقاب التي لا (١١) يقطعها بازل، ولا يكون الفكر عنها أبدا إلا نازل، منها معرفة حقيقة النبوة (١٢)، وإثبات كلام الله تعالى الذي يترتب عليه إرسال الرسل، جواز بعثة الله الرسول، ومنها تعيين ما تأتي به، فإنها إن قالت ما يعلم (١٣) فلا يحتاج إليها، وإن قالت ما لا يعلم (١٤) فلا يقبل منها، مع أنا رأيناهم يقولون أشياء يردها العقل، وأكثر الخلق لا يقبلونها، وأي فائدة في مخاطبة من يعلم أنه لا يقبل. ومنها وجه المعرفة بأنه رسول، وقد بينا أن ذلك يعسر، لاشتباه الأفعال، لا سيما وأنتم تقولون: إنه جائز على الله أن
_________________
(١) د: يتحدون.
(٢) ج، ز: هاته.
(٣) د: الحال.
(٤) ب، ر، زت شهروها.
(٥) الكلام ينقصه الجواب. واقتراح ابن باديس أن يكون: لكفى في إثبات الخاصية.
(٦) ب، ج، ز: ويرد الجبل الصغير تلا. أما الفل فمعناه منهزم، يقال قوم فل أي منهمزمون.
(٧) ب، ج، ز: صبا.
(٨) علق ابن باديس على ذلك بقول: هذا كذب ومبالغة، فليس هذا من مقدور السحرة لا بالحقيقة ولا بالتخيل.
(٩) ب، ج، ز: تحسب.
(١٠) ب، ج، ز: تقبل.
(١١) ب: - لا.
(١٢) د: العبوه.
(١٣) ب: نعلم.
(١٤) ب: نعلم.
[ ١٦٨ ]
يعم الخلق بالضلال (١) فما يؤمنكم أن يكون ما يأتي (٢) به الرسول سببا لإضلال الخلق، وقد قلتم أن للمعجزة ستة شروط، وعلى كل شرط منها من الأشكال ما يملأ القراطيس فكيف يخلص من هذا؟ وهذا وأنتم بعد إلى الآن، لا تدرون هل دلالة المعجزة عقلية أو عادية، فمتى تقطع هذه العقاب العشرة (٣)، ويرتقي (٤) إلى يفاع (٥) المعرفة؟ والناس ضعفاء، والشعوب كثيرة، والعمر قصير، والذي يدعي أنه وصل قليل، والآلات معدومة، أو متعذرة، والسفر طويل، لقد أبعدتم النجعة على الخلق في المطلوب. والذي يمكن أن ينظر الإنسان في أمهات الفضائل [و٦٣ أ]، وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة (٦)، فإذا (٧) حصل عليها فما وراءها مرمى، ولا بعدها مطلب، ولا يحتاج في ذلك إلى رسالة قد أدركها خلق دون نبي.