قد سبق أنه انقسم حال السامعين لكلام الله إلى من جعله كله باطنا، وآخر جعله كله ظاهرا، وأن الذي جعله ظاهرا، بدأ بالباريء وصفاته فقال (١١) فيها ما تقدم، وقمنا بفرض البيان فيه (١٢)، بما أمكن، وعصمنا البيان فيه (١٣)
_________________
(١) ب، ج، ز: الفرق.
(٢) ج، د، ز: بخلافه.
(٣) د: آفة.
(٤) ب: ملك. د: هلك.
(٥) ث: الأمر. ز: في نسخة: الأمر.
(٦) ب: لشيء.
(٧) د: يضر وينفع.
(٨) د: عظيم، ج، ز: عظم.
(٩) ب: إذا.
(١٠) د: تتوقع حولا. ج، ز: تتوقع حول.
(١١) د: وقال.
(١٢) د: من فرض فيه.
(١٣) د: - فيه.
[ ٢٤٨ ]
بما عصمناه به، وهنالك (١) من تعلق به في مسائل الأحكام خاصة وجعله الدليل على الأحكام وحده، وأسقط الاستنباط، لأنه مستغنى عنه، قال: لأن (٢) الله لم يبق حكما إلا نص عليه، ولا مشكلا إلا بينه وأرشد إليه، فلا يؤخذ حكم إلا منه ولا يوجد بيانه إلا فيه، والحكم بالرأي، والقول بالقياس ضلال (٣) في الدين، وعدول عن سنن المرسلين، ومشاقة لله ولرسوله (٤) وللمؤمنين، وهي أمة سخيفة، تسورت على مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لم تفهمه، تلقفوه من إخوانهم الخوارج، حين حكم علي، ﵁ (٥) يوم صفين فقالت: لاحكم إلا لله، وكان أول بدعة لقيت في رحلتي كما قلت لكم، القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر (٦) قد ملأ المغرب بسخيف (٧) كان من بادية إشبيلية يعرف بابن حزم (٨) نشأ وتعلق بمذهب الشافعي (٩) ثم انتسب [و٨٤ أ] إلى داود (١٠)، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة يضع ويرفع، ويحكم لنفسه، ويشرع (١١)، وينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول على (١٢) العلماء ما لم يقولوا، تنفيرا للقلوب (١٣) عنهم وتشنيعا عليهم (١٤)، وخرج (١٥) عن طريق الشبهة في (١٦) ذات الله وصفاته فجاء بطوام قد بيناها في رسالة "الغرة" واتفق له أن يكون بين أقوام لا نظر (١٧) لهم إلا المسائل (١٨)، فإذا طالبهم بالدليل، كاعوا،
_________________
(١) ج، ز: تهالك. وكتب في هامش ز في نسخة: هنالك.
(٢) ب: إن.
(٣) د: + كله، ب، ز: + كلها.
(٤) ب، ج، ز: رسوله.
(٥) د: - ﵁.
(٦) د: بالباطن.
(٧) ب، ج، ز: سحيف. وكتب على هامش ب، ز: في نسخة: بسخيف.
(٨) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ذو معرفة واسعة بالكتاب والسنة وبالعلوم العربية والفلسفية والديانات والملل، توفي سنة ٤٥٦ هـ/ ١٥٦٣ م.
(٩) أبو عبد الله محمد بن إدريس إمام الشافعية توفي بمصر سنة ٢٠٤ هـ/، ٨٢٠ م.
(١٠) داود بن علي أبو سليمان الأصبهاني فقيه ظاهري، توفي سنة ١٧٠ هـ/ ٧٨٧ م.
(١١) د: يتشرع.
(١٢) ب، ج، ز: عن.
(١٣) ب: ينفر القلوب.
(١٤) ج: عنهم.
(١٥) ب: خروجا.
(١٦) ب: + فيه. د: + به.
(١٧) د: بصر.
(١٨) د: بالمسائل.
[ ٢٤٩ ]
فتضاحك مع أصحابه منهم (١)، وعضدته الرياسة، بما كان عنده من أدب، وشبه (٢) كان يوردها على الملوك مع عامتهم (٣)، فكانوا يحملونه حفظا لقانون الملك (٤)، ويحمونه لما كان يلقى إليهم من شبه البدع والشرك. و(٥) حين عودتي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم (٦) و(٦) لافحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصار، إلى حساد يطأون عقبي، فيدوسون ذيلي، فإذا دنوا (٧) عدموا (٨) جانبي (٩)، فتارة تذهب لهم نفس (١٠)، وأخرى تنكسر لهم ضرس (١١)، وأنا ما بين إعراض أو تشغيب بهم، ولم يكن هنالك من يقف الأمر، على حد المناظرة، فينصر (١٢) الحق، ويظهر الصدق، فداريت (١٣) الأنام، ودارت الأيام، وقد كان جاءني بعض الأصحاب بجزء لابن حزم سماه "نكت الإسلام" فيه دواهي فجردت عليه نواهي، وجاءني برسالة "الدرة" في الاعتقاد، فنقضتها برسالة "الغرة" والأمر أفحش من أن ينقض، وأفسد (١٤) من أن يفسد، إذ ليس له ارتباط، ولا ينتهي إلى تحصيل، يقولون لا قول إلا ما قال الله، ولا نتبع (١٥) إلا رسول الله، فإن الله لم يأمر بالاقتداء بأحد، ولا بالاهتداء بهدي بشر، ولا بالانتقياد إلى أحد.