وكان هذا الداء في الإسلام لوجهين: أحدهما: أن المجوس الذين قاموا بين أظهر (١١) المسلمين (١٢) بالجزية، وعندهم (١٣) هذا العقد الخبيث فهم بالمصاقبة (١٤) للمسلمين يبثونه فيهم فيتشككون (١٥) بتشكيكهم، ويرتدون (١٦) إليهم، كما أن لمقام (١٧) النصارى بين أظهرنا، ترددت نحلتهم (١٨) عندنا
_________________
(١) ب، ج: أخذ.
(٢) د: - وعيته.
(٣) د: يبينه.
(٤) د: فراره.
(٥) ب: منته بذلك ٠
(٦) د: عواره.
(٧) ب: بياض مكان: لكنه.
(٨) د: + ﷺ.
(٩) د: الإمام.
(١٠) كذا في جميع الأصول.
(١١) ب، ج، ز: أقاموا بين أظهر الإسلام.
(١٢) ج، د: للمسلمين.
(١٣) ج، ز: - وعندهم.
(١٤) ب; بالمنافثة، ج: بالمنابقة. ر: بالمثاققة. ومعنى المصاقبة التي أثبتت من د المجاورة وقرب الدار من صقب إذا دنت داره.
(١٥) ب، ج، ز: فيشككون.
(١٦) ب: وريدون. ج، ز: ويزيدون.
(١٧) ج: المقام، د: بمقام.
(١٨) د: نجلتهم.
[ ٦١ ]
وعلمناها، وكانوا مغمورين (١) بالحق مقهورين، إلى أن أنشأ الله بني برمك: يحيى بن خالد (٢)، ومحمد بن خالد، فملك الوالي أمر الدين إياهما، وجعل الخلافة بأيديهما، فكان محمد بن خالد حاجبها، ثم كان وزيرها، وصاحب أمرها كله يحيى بن خالد ثم ابنه جعفر بن يحيى (٣)، وكانوا باطنية يعتقدون رأي الفلاسفة، فكادوا الدين، وأحيوا (٤) المجوسية، واتخذوا البخور في المساجد، وإنما كانت تطيب بالخلوق، فزادوا التجمير ليعمروها [و٢٣ ب]، بالنار منقولة، حتى يجعلوها عند الإنس (٥) ببخورها (٦) ثابتة (٧)، وتمكن العجم من إفساد دولة العرب، والملحدة من الملة، والعبيد من الأحرار، وقد كان يضمرون لها (٨) حقدا، وينتظرون (٩) لفسادها (١٠) وقتا، فانتقوا كل ضيق العطن، مخلوع الرسن، وأظهروا الآراء الفلسفية بعد خفائها، وجلبوا الناس إلى أنفسهم بعظيم العطاء، وسعة الإفضال، والتمكن من الملك، والإدناء من مقار العز، فنفقت بعد كسادها، وعادت بعد نفادها، ولحظوا الخلق بعين التنفير (١١)، ليأخذوا من يوافقهم على هذا النظير (١٢)، فاعتاموا منهم من لا يهدي، ولا يهتدي وصح (١٣):
عن المرء لا تسل وسل عن قرينهفكل قرين بالمقارن يقتدي (١٤)
وعقدوا مجلسا للضلال باسم الهدى، ونصبوا على الإسلام لذلك موعدا، يحضر فيه من ينتحل علم الكلام من أصحابهم (١٥) المنتدبين للطعن على أهل الإسلام، أولى عقائد فاسدة ونحل مضلة، وكان من رؤوس
_________________
(١) د: مقمورين. وكتب على هامش ز: وقد ذكر المقريزي في خططه ما حاصله.
(٢) توفي سنة ١٩٠هـ / ٨٠٥م في سجن هارون الرشيد (العبر، ج ١ ص٣٠٦).
(٣) قتله هارون الرشيد سنة ١٨٧هـ/ ٨٠٢م (العبر، ج ١ ص٢٩٨م).
(٤) ج، ز: واحبوا.
(٥) ج، ز; الإنسان.
(٦) بخروها.
(٧) ج، ز: ثانية.
(٨) ب، ج، ز: لنا.
(٩) ب: ممتطرون.
(١٠) ب، ج، ز: إفسادها.
(١١) ج: التعبير.
(١٢) ب، ج، ز: كتب على الهامش: النكير. د: النكير.
(١٣) ب: - وصح. ج، ز: + شعر.
(١٤) ج، د ز: مقتدى.
(١٥) ج: - من أصحابهم.
[ ٦٢ ]
مجلسهم، وممن اختاروا للعون على ضلالتهم أربعة عشر رجلا (١) ثمانية (٢) من المعتزلة: أبو الهذيل محمد بن الهذيل العلاف (٣)، وإبراهيم بن سيار النظام (٤) البصريان، وبشر (٥) بن المعتمر البغدادي (٦)، وجعفر بن حرب (٧)، وجعفر بن مبشر (٨)، وثمامة بن أشرس (٩)، ومنهم الصباح (١٠) بن الوليد المرجي، شيخهم في زمانه، ومنهم أبو مالك الحضرمي (١١) شيخ الشروية.
ومن الإمامية هشام بن الحكم الجزار (١٢) الكوفي (١٣)، وصاحبه السكاك، وصاحباه أيضا (١٤) علي بن مقسم، وعلي بن منصور (١٥)، وإبراهيم بن مالك رجل من أهل البصرة، يتفقه في ظاهر أمره، ويصر في الباطن (١٦) على أمر
_________________
(١) ب، د: - رجلا.
(٢) د: خمسة.
(٣) محمد بن الهذيل بن عبد الله البحري توفي سنة ٢٣٥ هـ/ ٨٤٩ م وقال السعودي توفي سنة ٢٢٧هـ / ٨٤١ م (العبر، ج١ ص٤٢٢).
(٤) توفي، في حدود سنة ٢٣١ هـ/٨٤٥ م (الدكتور النشار، نشأة الفكر في الإسلام، الإسكندرية، ١٩٦٦ م، ج١ ص٥٧٨).
(٥) د: + معتمر.
(٦) تول في حدود سنة ٢١٠ هـ/ ٨٢٥ م (ريتر، فهرست مقالات الإسلاميين).
(٧) توفي سنة ٢٣٦م / ٨٥٠م (ريتر، فهرست مقالات الإسلاميين).
(٨) ب، ج، ز: بشر. توفي سنة ٢٣٤ هـ/٨٤٨ م (ريتر، فهرست مقالات الإسلاميين).
(٩) النمري توفي سنة ٢١٣ م / ٨٢٨ م (ريتر، فهرست مقالات الإسلاميين).
(١٠) ج: المصباح.
(١١) الضحاك الكوفي رئيس فرقة من فرق الرافضة (مقالات الإسلاميين للأشعري، ج١ ص٤٢).
(١٢) ب، د: الحرار.
(١٣) أبو محمد مول كندة وكانت له صلة وثيقة بيحيى بن خالد البرمكي وقد رد عل الزنادقة والمعتزلة. توفي سنة ١٩٩ هـ/ ٨١٤ م وقيل سنة ١٧٩ هـ/ ٧٩٥ م وذكر محمد جواد مشكور أنه توفي نحو ١٩٠ هـ/ ٨٠٥م (كتاب المقالات والفرق للقمي، ص ٢٣١. نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج ٢ ص٢٢٢ - ٢٦٠).
(١٤) ب، ج، ز: - أيضا.
(١٥) أما السكاك وعلي بن منصور فقد ذكرهما الأشعري في (المقالات، ج ١ ص ٦٣) باعتبارهما مؤلفي كتب الرافضة واسم السكاك محمد ين خليل أبو جعفر وذكرهما الشهرستاني أيضا باعتبارهما من مؤلفي الشيعة. إلا أنه وجد تغيير في اسم السكاك حيث كتب (الشكال) (الملل، ج ١ ص ١٩٠).
(١٦) ب، د: الباطل.
[ ٦٣ ]
عظيم، والموبذان قاضي المجوس، وكان هذا الموبذان المذكور خالصة القوم، وعيبتهم (١) وشعارهم، ومن ذكرناه (٢) [و٢٤ أ]، سواه دثارهم.
ولقد تكلموا في بعض مجالسهم في العشق، فقالوا ألفاظا صاغوها على مناقضة الشريعة، حتى قال أبو الهذيل فيه: إنه (٣) يختم على النواظر، ويطبع على الأفئدة، ويتعدى في الأجساد، ومشرعه (٤) في الأكباد، وصاحبه متصرف (٥) في (٦) الظنون متفتق (٧) الأوهام (٨)، وقال بقيتهم نحوه، وقال الموبذان: إنه نار تأجج في تامور (٩) القلب، بين الجوانح واللب، فيوجد بوجود الأشخاص، والتحام الأجرام، لأن منشأه عن حركات (١٠) حيوانية، وعلل هيولانية، ومصرفه (١١) الاستقصات، لأنها تولده، والنجوم تنتجه، والأسرار العلوية تصوره، وهو من كرم العناصر، وتداعي الضمائر، واتفاق الأهواء، ولا يكون إلا من اعتدال الصورة، وذكاء الفطنة، وصفاء المزاج، واستواء التركيب والتأليف.