وتبعته (٣) طائفة كادت الدين، وبهرجت على المسلمين، وأرادت التلفيق بين الفلسفة والملة، وحاولت الجمع بين الشرع المنقول، وقضيات العقول القاصرة، عن غاية الدليل بذواتها، وجزمت القول بأنه لم يأت رسول (٤) إلا بها، ولا دار إلا حولها، ورتب نظامه في سلكها، ودار كلامه وعلمه عليها، وجعلت تتبع ذلك فصلا فصلا، حتى عقدت أبوابا في شرح هذه المقاصد، ومن أعظم من انتدب لذلك (٥) القضاة الأربعة الذين لقبوا أنفسهم إخوان الصفاء فجمعوا الخمسين رسالة، في كل علم رسالة، ولم يبقوا من رسوم (٦) الإسلام أصلا إلا عقدوا فيه فصلا، وكانوا في علومهم مقدمن، وعلى [و٤٠ ب]، الفصاحة مقتدرين، وبدرك المدرك عارفين، وبالدولة معتضدين، ومن تمكن من تصريف لسانه وبنانه، لا ينبغي أن يستغرب ما جاء من بيانه، فكم قائل من الحكماء:
في فمي ماء وهل ينـ طق من في فيه ماء (٧)
وإنما يقصر بالقلوب الأصمعية (٨)، والألسنة اللوذعية، والنفوس الأحوذية، ما وراءها (٩) من انتقاد الحساد، وتشنيع الأعادي (١٠)، فترى العالم صامتا وما به عي، متماوتا وإنه لحي، ولما تمكنت هذه الطائفة كما قلنا، لم يبق فن (١١) من الحكم النبوية، والأغراض الفلسفية والأدلة الجلية والخفية،
_________________
(١) ب، ج، ز: الأهوية.
(٢) د: وإنما.
(٣) ج، ز: نبعت.
(٤) ب، ج، ز: + الله ﷺ.
(٥) د: إلى ذلك.
(٦) د: رسم، ز: كتب على الهامش: قف واحذر. وتحت ذلك: قف على رسائل إخوان الصفاء.
(٧) ج، د، ز: كتب في صورة نثر.
(٨) ب، ج، ز: الأسمعية.
(٩) ب: فأرواها. ج، ز: ما رواها.
(١٠) كتب على هامش ب، ز: الأحاد.
(١١) ب، ج، ز: - فن.
[ ١٠٩ ]
والإشارات بعبارات غلاة الصوفية، إلا وقد رصدت عليه (١) أبنية (٢)، ودست فيه (٣) بلايا، دع (٤) بلية فإذا قرأها (٥) من ليس من أهلها هلك فيها، وإذا قرأها عالم جردها عن فاسدها، وأقامها من مائدها، وعدلها عن حائدها، وردها إلى مالكها، وواجدها.