ثم نظرنا في طائفة نبغت يقال لهم أصحاب الإشارات، جاءوا بألفاظ الشريعة من بابها، وأقروها على نصابها، لكنهم زعموا أن وراءها معاني غامضة خفية، وقعت الإشارة إليها من ظواهر هذه الألفاظ، فعبروا إليها بالفكر، واعتبروا منها في سبيل الذكر، وزاحمتهم من الطوائف الأول زمرة، لبست لبستهم، وتكلمت كلمتهم، ونحن نجمع بين الطائفتين في مكان، لأنه أخصر في البيان، وإن اعترض غيرها لففناه فيها، وظاهر هذا القول أنهم قصدوا خيرا فأشادوا (١٠) علما، وربما تراقى الأمر بالتتبع له، وإدخال ما ليس
_________________
(١) ج، ز: لا نرتاح.
(٢) ج، ز: + ابن أشرس.
(٣) د: ذكروه.
(٤) ب: يبقى. ج، ز: يبنى.
(٥) د: ويرتب، ز: كتب على الهامش: ويرتب.
(٦) ب، ج: جمع.
(٧) ب: كتب على الهامش: هذا في نسخه.
(٨) ز، د: طوق.
(٩) أول الجزء الثاني في نشرة ابن باديس.
(١٠) ب: فأساءوا.
[ ١٩٣ ]
فيه إلى ما لا ينبغي منه، ومتعلقهم في ذلك أن السلف ما زالوا يبطنون (١) مثل هذا المعنى، ويجعلونه من باطن علم القرآن الذي قالوا فيه إن للقرآن ظاهرا وباطنا، وحدا ومطلعا حسبما قررناه في كتاب "قانون التأويل". ولقد صحبت منهم كثيرا، وفاوضتهم طويلا، وهم عصبة بتلك الديار ورؤوسها (٢) في العلم، وفاوضتهم، وطلبت منهم، وطالبتهم بالأدلة، فتعلقوا بما قدمته من آثار السلف، ومنهم من قال: هذا مقصود الشريعة من تأديب الخلق وإصلاحهم، بالتصريح تارة، وبالإشارة أخرى، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهذه سيرة العربية، وما من كلام إلا وهو في لسان العرب يحتمل وجوها، ويدل على معان [و٧٢ ب]، ولا يدرك حقيقتها إلا الكامل بنور العلم، أو لا ترف ما ورد في الحديث الصحيح، عن ابن عباس (٣) أنه قال: كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف (٤)، فبينا أنا معه (٥) في منزله بمنى وهو عند عمر (٦) في آخر حجة حجها إذ رجع عبد الرحمن بن عوف فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لبايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر (٧) إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، وقال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس، وغوغاءهم، وإنهم هم الذين يغلبون على قولك (٨) حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم (٩) فتقول مقالة يطيروها (١٠) عنك كل مطير (١١)، وأن لا يعوها،
_________________
(١) ج: يبصنون.
(٢) د: + ورؤساؤها. وكتب على هامش
(٣) عبد الله بن عباس توفي سنة ٦٨ هـ / ٦٨٧م.
(٤) عبد الرحمن بن عوف الزهري توفي سنة ٣٢م / ٦٥٣م.
(٥) ب، ج، ز: - معه.
(٦) عمر بن الخطاب توفي سنة ٢٣ هـ/ ٦٤٣م.
(٧) أبو بكر الصديق توفي سنة ١٣ هـ/ ٦٣٤م.
(٨) د: قربك. وكتب في هامش ز: قربك.
(٩) د: - وأنا أخشى أن تقوم.
(١٠) د: يطيرها.
(١١) ب، ج، ز: - أن.
[ ١٩٤ ]
ولا يضعوها على مواضعها، فامهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك فيضعونها (١) مواضعها (٢).
قال القاضي أبو بكر (٣) ﵁: فقد كان خوف سوء التأويل للقول، وحمله على غير وجهه، مخوفا في الصدر الأول. قالوا: (٤) ولم يكن لإشارة القول وعبارته، والتجاوز به إلى كثير من معانيه، إلا حال النوم (٥)، وهو معدن إبصار (٦) الحقائق، وفيه يبدي الملك غامض علمه، ويلقي الغيب على من يشاء (٧) الله من عباده. وقال لي محققهم الأكبر: هذه أمثال الله في كتابه، وإشاراته (٨) إلى علومه، وذكر أمثال (٩) الأنوار للهدي والإيمان، وكذلك أمثال النبات كقوله تعالى (١٠): ﴿وضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ [إبراهيم: ٢٤] وذكر أمثال الماء والنار في سورة الرعد، وما جرى على لسان النبي منها في حديث أبي موسى (١١) وغيره، وتشبيه العلم والإيمان فيه بالغيث [و٧٣ أ]، والسامعين له بأنواع الأرض، وأخذ القوم من ذلك أنموذجا، منه (١٢) قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها﴾ [البقرة: ١١٤] وقالوا: إن الله نبه بذلك على أنه لا أظلم
_________________
(١) ب، ج، ز: فيضعوها.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم ولفظه عند مسلم: "أن مثل ما بعثني الله ﷿ من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".
(٣) د: قال أبي.
(٤) د: + لو.
(٥) ب، ج، ز: حوار اليوم. وكتب على هامش ز: إلى حال.
(٦) ب: أنصار. ج، ز: أنصاب.
(٧) د: شاء.
(٨) ب، ج، ز: إشارته.
(٩) ز: في نسخة: مثال.
(١٠) د: - تعالى.
(١١) عبد الله بن قيس توفي سنة ٤٤ هـ/ ٦٦٤ م.
(١٢) ب، ز: - منه. وفي الهامش: في نسخة: منه.
[ ١٩٥ ]
ممن خرب أركان الإيمان بالشهوات، وهي قلوب المؤمنيين وعمرها بالمنى والشهوات، وشحنها بمحبة الدنيا، وفرغها (١) من محبة الله تعالى، ثم قال: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ [البقرة: ١١٥] وأشار بذلك إلى مشارق القلوب، وهي نجوم العلوم التي تطوف وتسير في ظلمات المنى والشهوات، وشموس المعارف فوقها، فإذا طلعت بعد ذلك شموس المعارف، خفيت النجوم الشارقة (٢) قبلها، وكل لله ومنه، وبعضها أنور من بعض، ومنه قول الخليل حين لاح له نجم العقل فعلم الحق فقال: ﴿هذا ربي﴾ [الأنعام: ٧٧] ثم أسفر الصبح، ومتع (٣) النهار، وطلع شمس العرفان، من برج مشرقها، فلم يبق للطلب (٤) مكان، ولا للتجويز حكم، ولا للتهمة قرار، فقال: ﴿إني بريء مما تشركون﴾ [الأنعام: ٧٨].