إن الباري في مخلوقاته يفعل ما يريد، ويغاير في مخلوقاته بين الأجناس، والأنواع، خلق الحيوان على أنواع، كما خلق النبات على أنواع (١٦) صارت بغيرها (١٧) أجناسا، فمن الحيوان ماش على رجلين، ومنهم على أربع، ومنهم على بطنه، والأصل ماء، أو ليقل (١٨) قائلهم ما شاء، فيلزمه (١٩) ذلك قرط
_________________
(١) ز: كتب على الهامش: قف على تباين الحيوانات.
(٢) ب: يتبين، د: تبين.
(٣) ز: كتب على الهامش: مبحث في تباين الحيوانات.
(٤) ج، ز: تتباين.
(٥) ج: - أنها.
(٦) ب: فما.
(٧) ب، ج، ز: + من.
(٨) ب، ج، ز: من.
(٩) ب، ج، ز: رجليه.
(١٠) د: هذا.
(١١) ج، ز: عضدا. د: عقد.
(١٢) د: إنسان.
(١٣) ج، د، ز: يسبح.
(١٤) ب، ج، ز: ونصر.
(١٥) د: - ومن.
(١٦) ج: - على أنواع.
(١٧) ب، ج، ز: بعدها.
(١٨) ب، د: وليقل.
(١٩) ب، ز: فليلزمه.
[ ٧٦ ]
أذن، وطوق جيد، ووشاح خصر (١)، وخدم (٢) قدم، وسوار ساعد، وقد جعل تعالى كل الحيوان بلسان واحد، وجعل للحية لسانين، وكذلك كل حيوان، إذا قطعت له رجل اندرج (٣) على الأخرى إلا النعام، وجميع الحيوان له كرش ورئة إلا الفرس، وكذلك الحوت ليست له (٤) رئة، وجميع حوت الماء له لسان، وحوت البحر له لسانان، وجميع بني آدم (٥) (ركبهم في أرجلهم والبهائم ركبها في أيديها، وقالوا: إن جميع بهائم الوحش كفوفها في أرجلها، إلا ابن آدم) (٦) والقرد، فإنها في الأيدي، وجميع الحيوان إذا نام أغلق (٧) عينيه إلا الأرنب، ومن أغرب ما قالوا عن الذئب أنه يغلق عينه الواحدة ينام بها، ويفتح الأخرى، يحترس (٨) بها، فإذا مضى نصف الليل داول بينهما، وقالوا: إن الأسد يفترس كل شيء [و٢٩ أ]، إلا المرأة الحاثض إذا رميت إليه أعرض عنها، والنطف يختلف (٩) بقاؤها في الأرحام مع اتحاد (١٠) الحيوانية والتوليد، فأقله شهران وأكثره للفيل سبع سنين، إلى أشياء غريبة، هم نقلوها وما عقلوها، ولا ردوا إلى المشيئة والآثار أمرها، ولا جواب لهم عنها.
قال القاضي أبو بكر ﵁: وقد جاء الله كما قدمنا بطائفة عاصمة (١١)، تجردت لهم وانتدبت بتسخير الله، وتأييده، للرد عليهم، ممن (١٢) قدمنا ذكره من أعيان الأيمة، إلا أنهم لم يكلموهم بلغتهم، ولا ردوا عليهم بطريقتهم، وإنما ردوا عليهم وعلى إخوانهم المبتدعة، بما ذكره الله في كتابه، وعلمه لنا على لسان رسوله، فلما لم يفهموا تلك الأغراض، بما استولى على قلوبهم من صدإ الباطل، طفقوا يهزأون من تلك العبارات، ويطعنون في تلك الدلالات، وينسبون قائلها إلى الجهالات، ويضحكون مع أقرانهم في الخلوات، فانتدب للرد عليهم بلغتهم، ومكافحتهم بسلاحهم، والنقض
_________________
(١) رباط السراويل عند أسفل رجل المرأة، وموضع الخلخال (القاموس المحيط).
(٢) ز: حزم.
(٣) ب: تدرج.
(٤) د: - له. وصحح على الهاش.
(٥) ب: سقط ما بين قوسين.
(٦) ج، ز: غلق.
(٧) ب، د: يحرس.
(٨) ب: تختلف.
(٩) د: إيجاد.
(١٠) قال أبي.
(١١) ب، ج، ز: - عاصمة.
(١٢) ج، ز: من.
[ ٧٧ ]
عليهم بأدلتهم، أبو حامد الغزالي، فأجاد فيما أفاد، وأبدع في ذلك ما أراد الله وأراد، وبلغ في فضيحتهم المراد، فأفسد قولهم من قولهم، وذبحهم بمداهم. فكان من جيد ما أتاه، وأحسن ما رواه، ورآه، وأفرد عليهم (١) فيما يختصون به دون مشاركة أهل البدع لهم، كتابا سماه "تهافت الفلاسفة" ظهرت (٢) فيه منته، ووضحت في درج المعارف مرتبته (٣)، وأبدع في استخراج الأدلة من القرآن، على رسم الترتيب في الوزن، الذي شرطوه على قوانين خمسة بديعة في كتاب سماه "القسطاس" (٤) ما شاء. وأخذ في "معيار العلم" عليهم طريق المنطق فرتبه (٥) [و٢٩ ب]، بالأمثلة الفقهية والكلامية، حتى محا فيه رسم الفلاسفة، ولم يترك لهم مثالا، ولا ممثلا، وأخرجه خالصا عن دسائسهم، بيد أنه أدخل فيه أغراضا صوفية، فيها غلو وإفراط، وتدآل (٦) على الشرع وانبساط.
وقد كان تعرض سخيف من بادية بلدنا يعرف بابن حزم (٧)، حين طالع شيئا من كلام الكندي إلى أن يصنف (٨) في المنطق، فجاء بما يشبه عقله، ويشاكل (٩) قدره (١٠)، وقد كان أبو حامد تاجا في هامة الليالي، وعقدا في لبة المعالي، حتى أوغل في التصوف، وأكثر معهم التصرف، فخرج على
_________________
(١) ب: - عليهم.
(٢) ب: ظهر، ج: وظهرت.
(٣) ب: وصحت في درجة العلم منزلته.
(٤) ز: كتب على الهامش: قف على مدح كتاب التهافت لحجة الإسلام والقسطاس له أيضا.
(٥) د: قريبه.
(٦) دأله: ختله، ودأل مشى مشية فيها ضعف، والمداءلة: المخاتلة. (القاموس المحيط). ب: تولد. ز: تداؤل.
(٧) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب يقال إنه فارسي الأصل ظاهري المذهب، حاد الذكاء له معرفه واسعة بالمذاهب والملل والنحل والآداب وقد وصل إلينا كتابه الذي ألفه في المنطق وهو: التقريب لحد المنطق يؤيد فيه منطق أرسطو ويدافع عنه ضد الفقهاء الذين عارضوه ولكنه لا يأخذ بالقياس فيه ويقول بالعلة الطبيعية وينفي العلة العقلية. (الذهبي، العبر، ج ٣ ص٢٣٩).
(٨) ج، ز: يصنف.
(٩) د: ويشاركه.
(١٠) ب: قد.
[ ٧٨ ]
الحقيقة، وحاد في أكثر أحواله عن الطريقة، وجاء بألفاظ لا تطاق، ومعان ليس لها مع الشريعة انتظام ولا اتساق (١)، فكان علماء بغداد يقولون: لقد أصابت الإسلام فيه عين، فإذا ذكروه جعلوه في حيز العدم، وقرعوا عليه (٢) السن من ندم، وقاموا في التأسف عليه على قدم، فإذا (٣) لقيته رأيت (٤) رجلا قد علا في نفسه، ابن وقته، لا يبالي بغده ولا أمسه، فواحسرتي (٥) عليه أي شخص أفسد من ذاته، وأي علم خلط (٦)، وخلط فيه مفرداته (٧)، ماذا ألأم من المحامد، وكم حايد عنه وحامد (٨)، وكان ممن (٩) ترجم عن الفلاسفة، ترتيب الأدلة الذي سموه حد (١٠) المنطق، قد ضرب فيه الأمثلة الهندسية، والطبائعية، والإلاهية، ليتدرب القارئ بذكرها، ويأنس بتكرارها، ويطمح إلى مطالعتها، ويتشوق (١١) ويستعد لاعتقادها، حتى يعلمها، وهي في كل ذلك تسدك (١٢) بقلبه، ويطمح إليه بطرفه، ويتعلق منها بأمنيته، فتزل (١٣) به (١٤) القدم.
_________________
(١) ج، ز: انتساق.
(٢) ج: عليه.
(٣) ب: فإن.
(٤) ب، ج، ز: لقيت.
(٥) ب: فواحسرتاه.
(٦) د: خاط.
(٧) ز: كتب على الهامش: يغفر الله لابن العربي (العالم الفاضل النحرير) (مضافة بقلم آخر) في إكثاره من الانتقاد على حجة الإسلام من جهة علم التصوف ومن الرد على الصوفية، ﵃، وكل ذلك منه ﵁ عقد يشعر بشدة ميله إلى مذهب الظاهرية المحسوب من البدع.
(٨) ز: وكتب على الهامش أيضا: قف على تأنيب أهل بغداد على حجة الإسلام وذلك لعدم وصولهم لما وصل إليه وكشفهم لما كوشف به فقد رفع الله من محيا بصيرته النقاب وأبقى وقوفهم من وراء الحجاب، وكل فريق على صواب، لكنه لا ينبغي الاعتراض على الشيوخ لمن هو في سن الشباب، والشاهد على ذلك والدليل الواضح المبين، تمزيق أهل المغرب لكتابه إحياء علوم الدين حيث لم يفهموا أسلوبه، ولم يفقهوا منحاه ومطلوبه.
(٩) ب، ج، ز: من. وكتب على هامش ز: مما.
(١٠) د: حظ.
(١١) ب: يتشرف، ج، د، ز: يتشرق ويبدو أن الصواب ما أثبت ويمكن أن يقرأ: يتشوف.
(١٢) سدك به أي لزمه.
(١٣) ج، ز: فزل.
(١٤) ب، ج، ز: بها وفي هامش ب: به.
[ ٧٩ ]
وعلى كل حال فالذي أراه لكم على الإطلاق، أن تقتصروا على كتب علمائنا الأشعرية، وعلى العبارات الإسلامية، والأدلة [و٣٠ أ] القرآنية، وأنتم في غنى عن ذلك كله، وخذوا (١) مني في ذلك نصيحة (٢) مشحونة بنكت من الأدلة، وهي أن الله سبحانه، رد على الكفار، على اختلاف أصنافهم، من ملحدة، وعبدة أوثان، وأهل كتاب، وطبيعة، وصابئة (٣) وشركة (٤) ويهودية، بكلامه (٥)، وساق أفضل سياق أدلته، وجاء بها في أحكم نظام، وأبدع ترتيب، فعلى ذلك فعولوا، فإن أبا حامد وغيره، وإن كان لبس للحال معهم لبوسها، وأخذ نعيمها، ورفض بؤسها، وأحيا أرواحها ونفوسها، فليس كل قلب يحتمله، وقل وجود نفس تستقل به، فهو وإن كان سبيلا للعلم، ولكنه مشحون بالغرر (٦)، والشرع (٧) قد نهى عنه، والعقل يستحث على (٨) الانكفاف والهروب منه.
أما أن الرجل إذا وجد من نفسه منة، أو تفرس فيه الشيخ المعلم له ذلك، فلا بد من توقيفه على جميع (٩) مآخذ الأدلة، واتساعه في درجات العلم، وتمكنه من بحبوحات المعارف، حتى يكون مستقلا بأعباء الشريعة، مطيقا على حمل أثقالها، بصيرا بالنضال عنها، والذب عن حرماتها، إذا احتيج إليه فيها (١٠).
_________________
(١) د: خذ.
(٢) ز: كتب على الهامش: قف على هذه النصحية ولا بد.
(٣) ب، ج، ز: صباه.
(٤) كذا في جميع النسخ ولعلها شركية كما اقترح الشيخ ابن باديس.
(٥) د: بكلام.
(٦) ز: كتب على الهامش: قف على هذا التحذير.
(٧) ج: وأسرع.
(٨) ب، ج، ز: عن.
(٩) ب، ج، ز: - جميع.
(١٠) ز: كتب على الهامش: قلت: آلات الدفاع والنضال في الحروب لا زالت منذ مبدأ الخليقة في ترق وزيادة وتفنن بحيث إن كل زمان وما يناسبه وما يشاكل قوى أهله وعقولهم من آلات الدفاع ومثل ذلك المناضلة بالحجاج واللسان فإن المرء لا يدافع عدوه إلا بمثل سلاحه فصنيع حجة الإسلام ﵁ من هذا القبيل لأن مماثلة السلاح في الدفاع مطلوبة شرعا وعقلا بلا نزاع.
[ ٨٠ ]
وأما أصحاب الطبيعة فقصتهم بديعة، وذلك أن القدرية لما كانت تدين دينها، وتسر (١) عقيدتها، وكان الجاحظ المفتري (٢) على جهالته، وثمامة بن أشرس على خساسته (٣)، وابن المقفع على فهاهته (٤)، وابن الراوندي على حماقته، ومن تابع كل واحد منهم في صفاته، تسترت بالإسلام ولبست جلدته، لستر عورتها في مخالفته، وجعلت تغتال (٥) الدين، بمعان (٦) ترهب بها على العامة، وتأخذها من ظواهر الألفاظ، وتدس مذاهبها في عقائدها، كأنها تعضد (٧) الإسلام وتتعلق في ذلك بآيات متشابهات، وأحاديث مشكلات، فتركت (٨) المحكم وراء [و٣٥ ب]، ظهرها (٩)، لأن (١٠) أرباب الطبيعة يدعون أن النشء في هذا العالم على التركيب، إنما هو من تأثير البسائط في الأصل (١١) و(١٢) وينشأ مركب عن (١٣) مركب، هكذا على الترتيب، وذلك أنهم (١٤) رأوا تركيب الكون في الموجودات المشاهدات، واحدا بعد واحد، فنسبوا الثاني إلى الأول، وعلقوا اللاحق بالسابق، وألحقوا المتأخر بالمتقدم (١٥)، وجعلوه منه باقترانه به في الوجود، وارتباطه معه في التواصل، وذهلوا عن المنشئ الحقيقي، فكانت بصائرهم عبيدا لأبصارهم، وجدالهم أقوى من أبصارهم (١٦)، وتحيلت (١٧) المعتزلة ومن دان دينها من القدرية فقالوا: إن الثاني تكون (١٨) عن الأول برسم التولد.
_________________
(١) ب، ج، ز: وتنشر.
(٢) ج: المغربي، ز: المغري. وكتب على الهامش: عله المفتري ٠
(٣) ج، ز: خساسة.
(٤) الفهاهة، والفه: العي.
(٥) ب، ج، ز: تعتال.
(٦) د: بمعاني.
(٧) ج: تقصد.
(٨) د: وتركت.
(٩) ز: كتب على الهامش: قف على الذين تستروا بالإسلام.
(١٠) د: إلا أن.
(١١) ب، ج، ز: كتب على الهامش تصحيحا: في الأرض.
(١٢) ج، ز: أو.
(١٣) د: على.
(١٤) ب، ج، ز: لأنهم.
(١٥) ب: المتقدم المتأخر. د: بالمتقدم المتأخر. ونبه الناسخ إلى أن في العبارة تقديما وتأخيرا بوضع حرفي الخاء والقاف أولهما على كلمة (المتقدم) وثانيهما على كلمة (المتأخر).
(١٦) د: وخذالهم أقوى من أنصارهم.
(١٧) ب: وتخليت.
(١٨) ب، د: يكون.
[ ٨١ ]
قال القاضي أبو بكر (١): هذه لفظة اخترعها لهم الجاحظ المفتري (٢)، مستفادة من الولادة، وهي خروج الشيء (٣) من الشيء (٤)، وكان هذا لما نشأ عن هذا، ولم يقولوا أنشأه احترازا من المشاركة مع المنشئ المنفرد سبحانه، فقالوا: نشأ (٥) عنه، وعبروا عنه (٦) بالتولد (٧)، تحسينا له، وإخراجا له بزعمهم من حيز المجهول إلى حيز المعلوم.
فأما الفلاسفة فبنوه على أصلهم في أن الفاعل لا يفتقر في كونه فاعلا، إلى حياة وقدرة وإرادة، بل يكون شيء عن شيء، بأمور باردة، ورتب فاسدة، حتى أن بعضهم يقول في تحقيقه، حين ظهر له، أن شيئا من الكوائن لا بد له من مكون: إن الأفلاك تتحرك بعشق بعضها لبعض، إذ (٨) المحرك (٩) منها واحد للآخر، حتى تنتهي إلى قبل الأخير (١٠)، فيقول لك (١١): إنه يتحرك (١٢) بعشقه للأخير الآخر (١٣) فهي حركة عشقية (١٤)، ففر هؤلاء من هذه المقالة، لأشنوعتها (١٥) وقالوا: نشأ هذا عن هذا، وعبروا عنه بالتولد تحسينا له، كما قدمنا، وعلى قاعدة الفلسفة قعدوا، و(١٦) حول دائرتهم دوروا، ولكن [و٣١ أ] قاعدتهم أهوت بهم، و(١٧) دائرتهم ضنت (١٨) عليهم.
وقد تمهدت القواعد الشرعية والعقلية في إثبات الصانع، ع وأنا أمهد لكم (١٩) طريقين:
_________________
(١) د: قال أبي ﵁.
(٢) ز: كتب على الهامش: قف على اختراع الجاحظ لفظ التوليد.
(٣) د: شيء.
(٤) د: شيء.
(٥) ب: أنشأ.
(٦) د: - وعبروا عنه.
(٧) د: بالتوليد.
(٨) د: - إذ.
(٩) د: والمحرك.
(١٠) ب: إلى فلك الأخير. ج، ز: إلى فلك أخير.
(١١) ب، ج، ز: - لك.
(١٢) ب: تحرك.
(١٣) ب، ج، ز: الآخر.
(١٤) ب: عشقه.
(١٥) ج: لأشنعوتها.
(١٦) ج: - و.
(١٧) ج: - و.
(١٨) ب، ج، ز: ظنت.
(١٩) د: + في ذلكم.
[ ٨٢ ]
الطريق الأول (١):
إن الخاطر إذا جال فيه أن التكوينات، في عالم الكون والفساد، في (٢) محاط فلك القمر، تترتب (٣) في الوجود من ذواتها بطبعها أو من ذوات (٤) أخرى (٥) طبعها فيها، وانطباع هذه لها حتى تنتهي (٦) إلى (٧) المراد.
فاحضر بذهنك، وردها إلى ما قبلها حتى تنتهي معهم إلى موقف أول، لا سابق له، فإن أراد أن يتمادى، قيل (٨) له: قف يا سيار، فقد (٩) سال بك التيار (١٠)، و(١١) إن كنت تمشي في معقول، فلا تتعده إلى تعطيل، وتتيه في التضليل، وتقع في غير معقول، بالتسلسل إلى ما ليس بمحصول، وإذ وقف الخاطر أو المناظر، ولا بد له (١٢) من ذلك، قيل (١٣) لهما أو لأحدهما: هذا المنتهي في النظر، المبتدأ في الكون، كيف يكون هذا عنه صادرا؟ يكون على وجه صدور الفعل المفعول من الفاعل المعقول، ذي القدرة والحياة والعلم والإرادة والتدبير والتقدير؟ أو صدور حركة الخاتم عن حركة اليد؟ «١٤) فإن أوقفوه على فاعل بتلك الصفات، فقد وقفت دائرة النظر على قطب التوحيد، وإن هم قالوا: إنه يصدر عنه صدور حركة الخاتم عن حركة اليد) فيلزمهم أن لا يصدر عن الأول إلا ثان يماثله، وهكذا إلى الآخر، فمن أين ينشأ التغير (١٥)، ويأتي الضد عن الضد؟ والمختلف عن المتفق، والمعدد (١٦) عن المنفرد (١٧)؟ وعلى هذه القاعدة في دلالة الصانع. نبه الله سبحانه بقوله: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير
_________________
(١) د: الطريق الأول. ز: كتب على الهامش: الطريقة.
(٢) د: وفي.
(٣) د: بترتيب.
(٤) ب: ذات.
(٥) ج: - أو من ذوات أخرى. د: أخر.
(٦) ب، ج، ز: ينتهي.
(٧) ج، ز: - إلى.
(٨) ج، ز: قل له.
(٩) ب، ج، ز: قد.
(١٠) د: السيار.
(١١) ب: - و.
(١٢) د: - له.
(١٣) ج، د، ز: فقل.
(١٤) سقط ما بين قوسين من ج.
(١٥) ج، ز: كتب عل الهامش: عله: التغاير.
(١٦) ب، ج، ز: العدد.
(١٧) ب، ج، ز: المفرد.
[ ٨٣ ]
صنوان تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم [و٣١ أ]، يعقلون﴾ [الرعد: ٤]، فنبه بهذه الآية، في الأحرف اليسيرة على المعاني العظيمة، بالأدلة المعدودة (١)، فإنك (٢) تنظر إلى الأرض، ما بين سهل وحزن، وحجر (٣) وتراب لدن أنواع مختلفة، وأزواج (٤) مفترقة، زرع (٥) ونبات، وأشجار أشتات، أصل كل شيء منها واحد، حتى (٦) تنظر (٧) إلى الحبة (٨) التي تنبت (٩) عنها ذات أجزاء متساوية، فإذا تزايدت للنبات، تزايلت عن تلك الصفات، وانقسمت إلى عرق يعلوه قشر، يتراقى إلى غصن ينتهي إلى عذق، ينقسم إلا ورق، وزهر، وثمر، الأرض واحدة، والماء واحد، والحبة (١٠) واحدة، وكل ما ينشأ عنها لا يماثلها، ولا يتماثل (١١) في نفسه، بل لكل (١٢) واحد (١٣) هيئة مخصوصة، ولون مخصوص، وطعم مخصوص. والماء الذي من شأنه الرسوب يصعد إلى الجميع، ويجرى فيه حتى يسيل على جميع جوانبه، ونواحيه، فيا أيها الحاضر والناظر (١٤)، أين ألفاظك الرائقة، وحكمتك الفائقة، أبن لي هذه الاختلافات كيف تتعدد (١٥)، والطبع واحد، دون شرط (١٦) الفاعل الواحد (١٧)، المتصف بالصنع (١٨) حقيقة؟ هيهات ها أنا معك دائر، فقل ما أنت قائل، أو (١٩) صر إلى ما أنت صائر، وأبن لي كيف دارت عليك الدوائر، وخذلتك الطبائع، فما لك من قوة ولا ناصر؟ ودعني من نويبغة إذا وقف على هذا، زوى حاجبه، وأدار قرنيه، وفرق - كالمبتسم - بين شفتيه،
_________________
(١) ج: المعذودة.
(٢) ب: بأنك.
(٣) د: ويحر، + ورمل.
(٤) ب، ج، ز: وأرواح.
(٥) د: وزرع.
(٦) ب، ج، ز: - حتى.
(٧) ب، ج، ز: ينظر.
(٨) ب، ج، ز: الجنة.
(٩) ج، ز: نبتت.
(١٠) ب، ج، ز: الجنة.
(١١) ب، ج، ز: يماثل.
(١٢) ج: كل.
(١٣) ب: واحدة.
(١٤) ج: الخاطئ والمناظر، د، ز: الخاطر أو المناظر.
(١٥) د: هذا الاختلاف كيف تعدد. ب: تعدد.
(١٦) د: شرط.
(١٧) ب، ج، ز: - الواحد.
(١٨) ب، ج، ز: بالفعل. وكتب على هامش ب، ز: بالصنع.
(١٩) ب، ج، ز: و.
[ ٨٤ ]
فليخرج ما يصدر، وليذكر ما شاء أن يذكر، فهذه الطريقة لأزمة له، فلا مبرح (١) له عنها، ولا (٢) محيص منها.
الطريقة الثانية:
لا خلاف بينهم أن النيرات السبعة في الأفلاك السبعة، هي الفاعلة المدبرة، ولكل واحد منها جزء ينفرد به، ولكنهم جعلوا الآدمي بينهم عضين، وقسموه عليهم، وأعطوا لكل واحد [و٣٢ أ]، منها جزءا من الآدمي، وشهرا من أيام تربيته وحينا (٣)، فيقال لهم: ليس هذا معلوما (٤) ضرورة، فيتفق العقلاء عليه، ولا وجدنا نظرا يوصل إليه، ولا روينا خبرا يدل عليه، هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، فكل (٥) ما ذكروه فقد تقدم ذكر (٦) إبطاله.