ومن أعظم ما جاء (٤) من التخليط قول ابن حزم: والقرآن كلام الله تعالى وهو علمه، ويعبر بالقرآن، و(٥) بكلام الله عن خمس مسميات يعبر بذلك عن علم الله، وعن المسموع في المحاريب، قال الله (٦): ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] وعن المحفوظ في الصدور، قال الله تعالى (٧): ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ [العنكبوت: ٤٩] وعن المكتوب في الصحف. قال الله تعالى: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾ [البروج: ٢١] وقال: ﴿فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾ [عبس: ١٦] ونهى ﵇ عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. وعن المعاني المفهومة من التلاوة. وكل (٨) هذه الأربعة إذا أفردت، وعبر عنها بالصوت والخط - حاشا لله (٩) - فكل ذلك مخلوق. وإذا عبر عن علم الله فهو غير مخلوق، فكل ما وقع من ذكر فرعون، والكفار، والسموات [و٩٢ ب]، والأرض، في القرآن فكل ذلك مخلوق. وإذا أطلق جملة فهو غير مخلوق. قال الله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا﴾ [الأنعام: ١١٥]، وهذا يدل على أنه غير مخلوق. وقال: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم﴾ [يونس: ١٩] فصح يقينا أنه أراد علمه السابق، فعلمه (١٠) هو كلامه وهو غير مخلوق. وقال: ﴿وتمت كلمة ربك﴾ [هود: ١١٩] وقال: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾
_________________
(١) رواه النسائي والترمذي وصححه بلفظ آخر.
(٢) ب، ج، ز: نكلم.
(٣) ب، ج، ز: القتل.
(٤) د: + به.
(٥) ب، ج، ز: - و.
(٦) د: - الله.
(٧) د: - الله تعالى.
(٨) د: فكل.
(٩) د: الله.
(١٠) د: - هو.
[ ٢٦٨ ]
[الكهف: ١٠٩] فدل على أن الذي تم (١)، غير الذي لا ينفد، والذي ثم (٢) هو ترتيبه لمقادير ما خلق. وقول الله غير كلام الله، والبرهان أن التكليم (٣) فضيلة قال الله تعالى: ﴿منهم من كلم الله﴾ [البقرة: ٢٥٣] والقول رذيلة، قال الله تعالى: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (٤).
قال القاضي أبو بكر (٥) ﵁: ما لهذا مثل (٦) إلا كما قال الشاعر:
وخلا الغبي بما (٧) يضلل نفسهكفرا كفعل الأسخط (٨) المتهوج
عبثا يرد مقاله بمقالهفعل الجهول على الطريق الأعوج
هذا الكلام من تخليطه. قوله: كلام الله هو علمه: لا عقل ولا شرع، من أين أخذ هذا؟ أدلة العقول تنفيه، والشرع لم يرد به، ثم قال: يعبر بكلام الله عن خمس (٩) مسميات: عن علم الله، وعن المسموع في المحاريب، والمسموع في الدور (١٠)، والمسموع في السفر (١١)، والمسموع في الكتيبة (١٢) إذا تلا القرآن هنالك أحد، كلام من يكون؟ ثم قال: وعلى (١٣) المحفوظ في الصدور، قال لقوله: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ [ولا يصح أن تكون ذات القرآن الذي هو كلام الله آيات (١٤) ثم قال] (١٥) ﴿في صدور الذين أوتوا العلم﴾ فإن حفظه من لم يقرأ العلم كالصبي الصغير والعجوز والأعرابي الفدم، هل هو محفوظ في صدره أم لا؟ والله لم يقل: إلا في صدور
_________________
(١) ب، ج، ز: ثم.
(٢) كذا في جميع النسخ. وصوابه: تم.
(٣) د: التكلم.
(٤) ذكر ذلك ابن حزم. في: (الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج٣ ص ٧ - ١٢).
(٥) د: قال أبي.
(٦) ب، ج، ز: مثلا.
(٧) ب، ج، ز: بها.
(٨) ب: الأمحط. ج، ز: الأمخط.
(٩) ج: بخمس.
(١٠) ز: ي الأذن.
(١١) ج: - والمسموع في السفر.
(١٢) ب، ج، ز: الكتب.
(١٣) د: عن.
(١٤) ب، ز: آية.
(١٥) ج: سقط ما بين القوسين.
[ ٢٦٩ ]
أهل العلم (١) [و٩٣ أ]، فلا يزد هو عليه (٢)، ولا يجعل الخصوص عموما، فإنه جهل محض بالطريقة، وخروج (٣) عن الظاهرية، ثم قال: وعن المكتوب في المصحف لقوله: ﴿في لوح محفوظ﴾ (٤) واللوح المحفوظ هو عند الله، وليس بصحف (٥). وقال تعالى: ﴿فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾ يعني ما (٦) بأيدي الملائكة، فالذي يقتضيه القرآن أنه في صحف الملائكة. فأما في صحف بني آدم أو (٧) ألواحهم، فيفتقر فيه إلى (٨) نص. فإن قالوا (٩): وأي (١٠) فرق بينهم؟ هذا مثل ذلك. قلنا: هذا قياس وإلحاق وتقدير وتشبيه، وتنظير، وأين أصلك في أنه لا شيء إلا قول الله، وقول الرسول؟ وأما نهي النبي - ﷺ - عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، فمتى كان ذلك الوقت مصحف يسافر به؟ وقد كتب هو - ﷺ - بالقرآن إلى الروم وهم أنجاس. وإذا كان في صدور الرجال، وحملوا إلى أرض (١١) العدو، فكيف هذا ولا يحمل المصحف؟ والرجال المؤمنون أعظم حرمة. وقد قال بعض الناس: لا يغزو العلماء. قال: ويعبر بالقرآن عن المعاني المفهومة من التلاوة. ومن قال له هذا؟ وأين وجده؟ في كتاب الله، أو في سنة رسول الله (١٢)؟ وأنى له، أن (١٣) الآيات يراد بها المعاني؟ ولعل يراد بها الألفاظ. ثم قال: وكل هذا إذا عبر به عن غير الله، مخلوق، وإذا عبر به عن الله، غير مخلوق، فكيف (١٤) تكون الحروف التي يكتب بها الله، ويعبر بها عنه غير مخلوقة، فإذا عبر بها عن غيره تكون مخلوقة، وكلاهما موجود عن عدم؟. وهذا الكلام (١٥) ينفيه العقل والشرع، ولا يرضى أن يتكلم به معتوه. وقوله: إن
_________________
(١) ب، ج، ز: في صدور الذين أوتوا العلم.
(٢) ب، ج، ز: يرد عليه.
(٣) ج، ز: خروجا.
(٤) ج: - و.
(٥) د: بمصحف.
(٦) د: - ما.
(٧) د: - أ.
(٨) ب: + دليل.
(٩) ب، ج، ز: قال.
(١٠) د: - و.
(١١) د: - أرض.
(١٢) د: رسوله.
(١٣) ج: إنما قال بل الآيات. ز: إن قال بل الآيات. د: إنما قال من الآيات.
(١٤) د: وكيف.
(١٥) د: كلام.
[ ٢٧٠ ]
كلمات الله قد تمت، بمعنى مقاديره، وكلماته التي لا تنفد (١) غير مخلوقة (٢). سخافة، وكلمات [و٩٣ ب] الله على حقيقة واحدة تعالى أن يكون منها شيء مخلوقا (٣) أو من صفاته العلى (٤)، أو من أسمائه الحسنى. ثم قال: وقول الله غير كلام الله. وهذه سخافة قالتها المعتزلة، ولكن بطريقة معلومة من العربية سلكوها، ومن البدع (٥) معقولة ذكروها (٦) يصح أن تسمع فيرد (٧) عليها. وأما هذا الذي قال: من (٨) أن كلام الله فضيلة، وقوله رذيلة. فهذا خذلان لا (٩) ينتهي إليه جهلة النسوان.
يا لك ذا (١٠) من جعل (١١) بمرحضخلا لك الجب فدحرج وارحض
ولفها من قذر وحيض (١٢)