ويقال لهم: إذا كان الأول كمالا وشرفا، أو ذا (٨) كمال وشرف، وصدر عنه تسعة عشر من هذا النوع، كما قلتم، فما هذا النقصان، والفساد، والشر عن (٩) غاية الكمال، والشرف والصلاح والخير؟ وأنتم تقولون: أن الخير فائض من المبدأ (١٠) الأول على كل أحد (١١)، بواسطة الذي سميتموه فلكا، أو (١٢) ملائكة، لا سيما وهو عندكم فياض بالطبع، قالوا: ما يخلق الشر إلا والخير فيه أغلب، كالنار والماء، الخير فيه أغلب من الشر، إذ لو (١٣) لم يخلق زحل، والمريخ، والنار، والماء، والشهوة، والغضب، لبطل بسبب فقدها (١٤) خير كثير، قلنا: ولم (١٥) لم يكن عن فياض الخير بطبعه إلا ما لا يفيض إلا خيرا،
_________________
(١) ب، ج، ز: من. وكتب على هامش ب: عن.
(٢) ب، ج، ز: في.
(٣) ج، ز: احذره.
(٤) ب: يبني، ج، ز: تبني.
(٥) ب: - معهم.
(٦) ب، ج، ز: حكما.
(٧) ج، ز: طرف.
(٨) د: ذو.
(٩) ب، ج، ز: من. وكتب على هامش ب، ز: عن.
(١٠) د: الهواء.
(١١) د: - أحد.
(١٢) د، ز: و. وصحح في ز: أو.
(١٣) ج: - لو.
(١٤) ب، ج، ز: فقدانها. قارن (المقاصد، ص ٢٩٧ - ٣٠٠).
(١٥) د: لو.
[ ١٣٧ ]
من كل وجه كهو، قالوا (١): الخير المحض هو الموجود، والذي لا يتمحض خيره وفيه شر، ممكن، ينبغي أن لا يوجد، وهو ممكن، فكأنكم (٢) قلتم: لو لم تخلق (٣) النار ولا زحل، إلا بحيث لا يكون نارا، ولا زحلا، قلنا: هذا خذلان وهذيان، ومن قال: إن قسم الخير الذي فيه شر، غير ممكن، قلنا: وكيف أمكن وجود خير [و٥١ ب] فيه شر، عن خير محض إن كان الموجود (٤) بالذات؟ فلما وجد، بطل هذا الأصل.
قالوا: الشر في العدم، وهو النقص عن الكمال، قلنا (٥): الشر في وجودكم؟ ولولاكم ما كان شر، والعدم عندكم هو أحد مبادئ الحادث، وهو أن لا يكون في شيء، ذات شيء (٦)، من شأنه أن يقبله، ويكون فيه، وليس العدم ما ذكرتم، إنما العدم أن لا يكون شيء أصلا، قالوا: المفيد للخير بين (٧) أن يخلق المطر (٨) بخيره العام، ولا يعبأ بالشر النادر فيه، الذي يلزم بالضرورة عنه، وبين أن لا يخلق المطر، فيصير (٩) الشر عاما، وإذا قوبل هذا بذلك (١٠)، علم قطعا أن الخير في أن يخلق، قلنا: هذا الكلام على ركاكته، باطل، لأنه ترك منه قسم، وهو أن يخلق المطر خيرا كله، أو يخلق (١١) الخير (١٢) دونه، فما الذي اضطر إلا أن يخلق على حاله؟ قالوا: وبهذا الترتيب كان
_________________
(١) ج: - قالوا. وترك مكانه بياضا.
(٢) ب، ز: وكأنكم. ج: ولأنكم. وكتب على هامش ز: فكأنكم.
(٣) ب، ج، ز: يخلق.
(٤) ب، د: الوجود.
(٥) ب، ج، ز:+ وكيف أمكن.
(٦) ج: - شيء.
(٧) ز: كتب على الهامش: من ثم: عله: قالوا المفيد للخير لا يخلو بين أن يخلق.
(٨) ضرب ابن سينا مثلا بالسحاب في كتاب الشفاء، (الإلهيات، ق ٢ ص ٤١٧) وذكر أن: (الشر بالذات هو العدم ولا كل عدم، بل عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة لنوعه وطبيعته، والشر بالعرض هو المعدوم، أو الحابس للكمال عن مستحقه، الشفاء، الإلهيات، ق ٢ ص ٤١٦) ويذكر أن الشر كثير وليس أكثريا كالأمراض مثلا ن. م، ص ٤٢٢.
(٩) ب، ج، ز: ليصير.
(١٠) د: بذاك. قارن (المقاصد، ص ٢٩٨).
(١١) د: ويخلق.
(١٢) ز: كتب على الهامش: الشر.
[ ١٣٨ ]
القضاء والقدر، ومنع من (١) ذكره (٢) سره (٣)، لأنه (٤) يوهم العوام عجزا، فكان الصواب أن يقال لهم: الله قادر على كل شيء، ليوجب ذلك تعظيما، ولو فصل لهم لتوهموا العجز، فهذا سر (٥) القدر. قلنا (٦): هذا شر (٧) القدر الشين المعجم بالنقط الثلاث، ليس للقدر سر (٨)، بل القضاء (٩) والقدر حكم نافذ كله، ومن (١٠) شر القدر (١١) ونعوذ ب الله منه، خلقكم، وخلق كلامكم هذا، وكونكم في العالم ضلالا، مضلين، بألفاظ (١٢) هائلة، ومخرقة باردة، و(١٣) قد قال ربنا تعالى: ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾ [القمر: ٥٣] وقال نبينا - ﷺ -: "أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب فكتب ما يكون إلى يوم القيامة" (١٤) وقال ربنا تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣]، أما أن علماءنا قالوا: إن الله قد (١٥) أنبأنا عن صفاته العلى، وأسمائه الحسنى، التي منها: العزيز، الملك، الغفار، المنتقم، فجرى الخلق في صفاتهم وأفعالهم، على مقتضى صفاته، فلم يكن [و٥٢ أ]، بد، لأجل كونه غفارا من أن يكون هناك ذنب، ولكونه منتقما، أن يكون هناك هتك حرمة، واقتحام فاحشة، ولكونه (١٦) مغنيا، أن يكون هنالك محتاج، ولكونه (١٧) راضيا، أن يكون هنالك خير، ولكونه (١٨) ساخطا، أن يكون هنالك شر، وليس في المخلوقات صفة (١٩) إلا وهي تتعلق بنوع من الصفات، فالقضاء والقدر هو
_________________
(١) د: عن. ز: كتب على الهامش: عن.
(٢) د: ذكره.
(٣) ب، ج: شره.
(٤) د: أنه.
(٥) ج: شر.
(٦) د: + لهم.
(٧) ب: سر.
(٨) ز: شر.
(٩) ب: للقضاء.
(١٠) ز: كتب فوق "من" متعلق بخلقكم يقصد أن حرف الجر يتعلق بفعل خلقكم الذي جاء متأخرا عنه بعدة ألفاظ. كما كتب ذلك أيضا على هامش ج.
(١١) ب، ج، ز: - و.
(١٢) ج: - بألفاظ. وكتب على الهامش مصححا.
(١٣) د: - و.
(١٤) أخرجه الطبري في تاريخه، ج ١ ص ٢٩ - ٣٨.
(١٥) د: - وقد.
(١٦) ب: بكونه.
(١٧) ب: بكونه.
(١٨) ب: يكونه.
(١٩) د: شرفه.
[ ١٣٩ ]
تعلق المخلوقات بصفات الخالق، والتنويع والانقسام من متعلقات الإرادة، التي لا يؤمنون بها، وهم لها منكرون، وإذا كان عزيزا، فالعزيز هو الذي لا يرام بوهم، وتنفذ إرادته في كل موجود، ولا يوجد له مثل، ولا ينحط عن المنزلة، ولا يبالي (١) بالعاقبة، ولا مخلص منه، ولا ملجأ إلا إليه، إليه (٢) منتهى (٣) المطالب، ولا تلحقه آفة، ويفعل ما يشاء.
ومما ينبغى معشر الإخوان أن تعلموه (٤)، أن كل حديث في النهي عن الخوض في القدر، لا أصل له، وإنما أحدث النهي عنه أقوام (٥) مثل من أحدث القول فيه، كأنهم قصدوا حماية الشريعة بما ليس منها، والله غني عن العالمين، فكيف عن الكاذبين.