١٣ - وأما إعطاؤه خُمس إفريقية لواحد فلم يصح (١) على أنه
_________________
(١) والذي صح هو إعطاؤه خمس الخمس لعبد الله بن أبي سرح جزاء جهاده المشكور، ثم عاد فاسترده منه. جاء في حوادث سنة ٢٧ من تاريخ الطبري (٥: ٤٩ مصر، ١: ٢٨١٤ - ٢٨١٥ طبع أوربا) أن عثمان لما أمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالزحف من مصر على تونس لفتحها قال له: " إن فتحَ الله عليك غدا إفريقية فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نفلا ". فخرج بجيشه حتى قطعوا أرض مصر وأوغلوا في أرض إفريقية وفتحوها سهلها وجبلها، وقسم عبد الله على الجند ما أفاء الله عليهم وأخذ خمس الخمس وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع وثيمة النصري. فشكا وفد ممن معه إلى عثمان ما أخذه عبد الله بن سعد، فقال لهم عثمان: أنا أمرت له بذلك، فإن سخطتم فهو رد. قالوا: إنا نسخطه. فأمر عثمان عبد الله بن سعد بأن يرده فرده. ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر وقد فتح إفريقية. وقد ثبت في السنة تنفيل أهل الغناء والبأس في الجهاد، كما فعل النبي ﷺ في مكافأة سلمة بن الأكوع في إغارة عبد الرحمن الفزاري على سرح النبي ﷺ (انظر المنتقى للمجد ابن تيمية ٤٣١٤ وفي غزوات أخرى ٤٣١٩، ٤٣٢٠، ٤٣٢١) .
[ ١٠٠ ]
قد ذهب مالك وجماعة إلى أن الإمام يرى رأيه في الخمس، وينفذ فيه ما أداه إليه اجتهاده، وأن إعطاءه لواحد جائز، وقد بينا ذلك في مواضعه (١) .
_________________
(١) أي في مؤلفاته الأخرى عند بسطه هذه المسألة من أحكام الفقه الإسلامي قال الإمام عامر بن شراحيل الشعبي: " إنما القطائع على وجه النفل من خمس ما أفاء الله " قال: " وأقطع عمر طلحة وجرير بن عبد الله والربيِّل بن عمرو. وأقطع (أي عمر) أبا مفزِّر دار الفيل ". وممن أقطعهم عمر بن الخطاب نافع أخو زياد وأبي بكرة لأمهما، أقطعه أرضا في البصرة لخيله وإبله مساحتها عشرة أجربة (انظر ترجمة نافع في الإصابة) قال القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج (ص٦١) وقد أقطع رسول الله ﷺ وتألف على الإسلام أقواما، وأقطع الخلفاء من بعده من رأوا أن في إقطاعه صلاحا (وضرب أبو يوسف الأمثلة على ذلك) . وانظر باب القطائع في ص٧٧ - ٧٨ من كتاب الخراج ليحيى بن آدم القرشي طبع السلفية. وذكر الإمام الشعبي بعض الذين أقطعهم عثمان فقال: " وأقطع الزبير، وخباب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن هبّار أزمان عثمان، فإن يكن عثمان أخطأ فالذين قبلوا منه الخطأ أخطأوا، وهم الذين أخذنا عنهم ديننا " (الطبري ٤: ١٤٨) . وأقطع علي بن أبي طالب كردوس بن هانئ الكردوسية، وأقطع سويد بن غفلة أرضا لداذويه. فكيف ينكرون على عثمان ويسكتون عن عمر وعلي. وللقاضي أبي يوسف كلام سديد في هذا الموضوع في كتاب الخراج (ص٦٠ - ٦٢ السلفية سنة ١٣٥٢)، وما زعمه الزاعمون من أن عثمان كان يود ذوي قرابته ويعطيهم، فمودته ذوي قرابته من فضائله، وعلي أثنى على عثمان بأنه أوصل الصحابة للرحم، وعثمان أجاب عن موقفه هذا بقوله: " وقالوا إني أحب أهل بيتي وأعطيهم. فأما حبي لهم فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم. وأما إعطاؤهم فإني إنما أعطيهم من مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، وقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتت علي أسنان أهل بيتي وفني عمري وودعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا!؟ " قال الطبري (٥: ١٠٣): وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ ببني أبي العاص فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف عشرة آلاف فأخذوا مائة ألف، وأعطى بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وبني العيص وفي بني حرب. بل تمادى شيخ الإسلام ابن تيمية مع أوسع الاحتمالات فذكر في منهاج السنة (٣: ١٨٧ - ١٨٨) أن سهم ذوي القربى ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لقرابة الإمام كما قاله الحسن أبو ثور، وأن النبي ﷺ كان يعطي أقاربه بحكم الولاية. . . وقيل هو لمن ولي الأمر بعده. . . قال: وبالجملة فعامة من تولى الأمر بعد عمر كان يخص بعض أقاربه إما بولاية أو بمال. ثم قال (في ٣: ٢٣٧): " إن ما فعله عثمان في المال له ثلاثة مآخذ: أحدها أنه عامل عليه، والعامل يستحق مع الغنى. الثاني أن ذوي القربى هم ذوو قربى الإمام. الثالث أنهم (أي ذوو قربى عثمان) كانوا قبيلة كثيرة ليسوا مثل قبيلة أبي بكر وعمر، فكان يحتاج إلى إعطائهم وولايتهم أكثر من حاجة أبي بكر وعمر إلى تولية أقاربهما وإعطائهم. وهذا مما نقل عن عثمان الاحتجاج به ".
[ ١٠١ ]