اتصاله بأبي حامد الغزالي: وقد لقي ابن العربي حجة الإسلام أبا حامد محمد الغزالي (٤٥٠-٥٠٥) في بغداد. وفي صحاري الشام بعد ذلك، والذي يظهر لي أنه عند وصول ابن العربي إلى بغداد في بداية رحلته -وكان الغزالي يدرس في النظامية وفي مجالسه العامة -اكتفى ابن العربي بالسماع منه في غمار الناس: ثم حج الغزالي ورحل في سنة ٤٨٨ إلى دمشق متزهدا وألف فيها كتابه
_________________
(١) الأنماطي: بائع الأنماط، وهي المفروشات المنزلية، وما يسمى الآن (الموبيليات) .
(٢) نفح الطيب ١: ٣٣٥.
[ ١٩ ]
الإحياء (١) وعاد إلى بغداد فنزل برباط أبي سعد بإزاء النظامية، وحينئذ اتصل به ابن العربي ولازمه. وبعد أن حج ابن العربي -كما سنذكره في الفقرة التالية - وعاد من العراق إلى الشام في طريقه إلى وطنه لقي الغزالي في صحاري الشام وهو في طور آخر. وعندنا النصوص التالية عن ابن العربي فيما يتعلق بالغزالي:
النص الأول: نقله المقري في نفح الطيب (٢-٣٣٨) وفي أزهار الرياض (٣-٩١) عن (قانون التأويل) لابن العربي قال (ورد علينا دانشمند-يعني الغزالي - فنزل برباط ابن سعد بإزاء المدرسة النظامية معرضا عن الدنيا، مقبلا على الله تعالى. فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة. . . . . إلخ) .
والنص الثاني: في نفح الطيب (١-٣٤٣) عن ابن العربي أنه قال (وكان يقرأ معنا برباط أبي سعد على الإمام دانشمند من بلاد المغرب خنثى له لحية
_________________
(١) نقل ابن العماد في شذرات الذهب (٤: ١١) قول الأسنوي في طبقات الشافعية وهو يترجم الغزالي " وأقبل على العبادة والسياحة فخرج إلى الحجاز سنة ٤٨٨ فحج ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين بمنارة دمشق، وصنف فيها كتبا يقال إن (الأحياء) منها ثم سار إلى القدس والإسكندرية ثم عاد إلى وطنه طوس " ونبهني الأستاذ الشيخ محمد صبري عابدين إلى أن في ترجمة الغزالي بكتاب الأنس الجليل (١: ٢٦٥) ما نصه: " وأخذ في التصانيف المشهورة ببيت المقدس، فيقال إنه صنف في القدس (إحياء علوم الدين) وأقام بالزاوية التي على باب الرحمة المعروفة قبل ذلك بالناصرية شرقي بيت المقدس، فسميت بالغزالية نسبة إليه ". وقد أصاب الجمال الأسنوي في تحديد سنة مجيء الغزالي إلى دمشق، ويوافقه في ذلك ابن العماد في الشذرات (٣: ٣٨٣)، غير أن الأسنوي وهم في تقديره إقامة الغزالي بعشر سنين، والغالب أنه قام سنتين ثم حج وعاد إلى بغداد في المدة التي لازمه فيها ابن العربي في رباط أبي سعد. ثم بدا له أن يكسر مغزله ويعود إلى دمشق وبيت المقدس سائحا فيما بينهما وبين الإسكندرية إن صح تردده إليها، وبعد هذا الطور انقلب إلى طوس ودعي منها إلى نظامية نيسابور فلم يستقم له الحال فيها فرجع إلى طوس ومات فيها سنة ٥٠٥.
[ ٢٠ ]
وله ثديان وعنده جارية، فربك أعلم به، ومع طول الصحبة عقلني الحياء عن سؤاله، وبودي اليوم لو كاشفته حاله) .
والنص الثالث: في شذرات الذهب (٤-١٣) قال: وذكر الشيخ علاء الدين علي بن الصيرفي في كتابه زاد السالكين: أن القاضي أبا بكر بن العربي قال: رأيت الغزالي في البرية وبيده عكازة وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة، وقد كنت رأيته في بغداد يحضر درسه أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم، فدنوت منه فسلمت عليه وقلت له: يا إمام أليس تدريس العلم ببغداد خيرا من هذا؟ فنظر إلي شزرا وقال: لما طلع بدر السعادة، في فلك الإرادة (أو قال: في سماء الإرادة) وجنحت شمس الوصول. في مغارب الأصول:
تركت هوى ليلى وسعدى بمنزلي وعدت إلى تصحيح أول منزل
ونادت بي الأشواق: مهلا فهذه منازل من تهوى، رويدك فانزل
غزلت لهم غزلا دقيقا، فلم أجد لغزلي نساجا، فكسرت مغزلي
ومن شيوخ ابن العربي في بغداد دانشمند آخر كانوا يسمونه (دانشمند الأكبر) وهو إسماعيل الطوسي، ويقولون للغزالي (دانشمند الأصغر) نقله المقري في أزهار الرياض (٣-٩١) عن أبي عبد الله محمد بن غازي من المغرب. ومعنى دانشمند بالفارسية (العارف) .
ذهابه إلى الحج، وعودته إلى بغداد: وذهب ابن العربي مع أبيه من بغداد إلى الحرمين الشريفين في موسم سنة ٤٨٩ فحج بيت الله الحرام، وأخذ في مكة عن محدثها ومفتيها أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين الطبري الشافعي (٤١٨-٤٩٨) . ومما تحدث به ابن العربي عن مكة قوله (كنت بمكة مقيما في ذي الحجة سنة ٤٨٩، وكنت أشرب من ماء زمزم كثيرا، وكلما شربته نويت به العلم والإيمان، ففتح الله لي
[ ٢١ ]
ببركته في المقدار الذي يسره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل، ويا ليتني شربته لهما حتى يفتح الله لي فيهما، ولم يقدر فكان صغوي للعلم أكثر منه للعمل، وأسأل الله تعالى الحفظ والتوفيق برحمته) .
وعاد ابن العربي إلى بغداد مع أبيه، فلبث فيها قريبا من سنتين قضاهما في صحبة الغزالي وهو في طوره الأوسط، بين حالة الظهور الأولى وحالة العزلة والسياحة في النهاية.