وجاء زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله [مرتين] . قال [عثمان] لا حاجة بي في ذلك، كفوا (٢) .
_________________
(١) في تاريخ الطبري (٥: ١٢٩): كان آخر من خرج عبد الله بن الزبير أمره عثمان أن يصير إلى أبيه بوصيته التي كتبها استعدادًا للموت، أمره أن يأتي أهل الدار (أي المدافعين عنه في ساحة القصر) فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم. فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم، فما زال يدعى بها ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه، وإنما أوصى عثمان إلى الزبير لأن الزبير كان محل الثقة من كبار الصحابة. روى الحافظ ابن عساكر (٥: ٣٦٢) أن سبعة من الصحابة أوصوا به: عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، والمقداد، ومطيع بن الأسود، وأبو العاص بن الربيع، فكان ينفق على أيتامهم من ماله، ويحفظ لهم أموالهم.
(٢) أورده البلاذري في أنساب الأشراف (٥: ٧٣) من حديث ابن سيرين، وأخرج الحافظ ابن عساكر عن مؤرخ الصدر الأول موسى بن عقبة الأسدي (الذي قال فيه الإمام مالك: عليكم بمغازي ابن عقبة، فإنه ثقة، وهي أصح المغازي) أن أبا حبيبة الطائي (وهو ممن يروي عنهم أبو داود والنسائي والترمذي) قال: لما حصر عثمان جاء بنو عمرو بن عوف إلى الزبير فقالوا يا أبا عبد الله نحن نأتيك ثم نصير إلى ما تأمرنا به (أي من الدفاع عن أمير المؤمنين) قال أبو حبيبة: فأرسلنى الزبير إلى عثمان فقال: أقرئه السلام وقل «يقول لك أخوك: إن بني عمرو بن عوف جاءوني ووعدوني أن يأتوني ثم يصيروا إلى ما أمرتهم به. فإن شئت أن آتيك فأكون رجلًا من أهل الدار يصيبني ما يصيب أحدهم، فعلت. وإن شئت انتظرت ميعاد بني عمرو فأدفع بهم عنك فعلت» قال أبو حبيبة: فدخلت عليه - أي على عثمان - فوجدته على كرسي ذي ظهر ووجدت رياطًا مطروحة ومراكن مغلوة، ووجدت في الدار الحسن بن علي، وابن عمر وأبا هريرة، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، فأبلغت عثمان رسالة الزبير، فقال: «الله أكبر، الحمد لله الذي عصم أخي. قل له: إنك إن تأت الدار تكن رجلًا من المهاجرين، حرمتك حرمة رجل، وغناؤك غناء رجل. ولكن انتظر ميعاد بني عمرو بن عوف فعسى الله أن يدفع بك» . قال: فقام أبو هريرة فقال: أيها الناس، لقد سمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول «تكون بعدي فتن وأحداث» فقلت: وأين النجاء منها يا رسول الله؟ قال: «الأمير وحزبه» وأشار إلى عثمان. فقال القوم: ائذن لنا فلنقاتل، فقد أمكنتنا البصائر. فقال [عثمان]: «عزمت على أحد كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل» . قال: فبادر - أي سبق - الذين قتلوا عثمان ميعاد بني عمرو بن عوف فقتلوه (وانظر الخبر مختصرًا في كتاب «نسب قريش» للزبيري ص ١٠٣) . وبنو عمرو بن عوف قبيلة كبيرة من الخزرج، أحد فرعي الأنصار، وكان النبي ﷺ عند وصوله إلى المدينة مهاجرًا من مكة نزل ضيفًا عليهم ثلاثة أيام ثم انتقل إلى بني النجار.
[ ١٣٣ ]
وقال له أبو هريرة: اليوم طاب الضرب معك. قال: عزمت عليك لتخرجن (١) .
وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم وخروجهم، ولزوم بيوتهم.
فقال له ابن الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا لا نبرح. ففتح
_________________
(١) هذا الخبر في تاريخ الطبري (٥: ١٢٩) .
[ ١٣٤ ]
عثمان الباب ودخلوا عليه في أصح الأقوال (١) .
فقتله المرء الأسود (٢) .
وقيل: أخذ ابن أبي بكر بلحيته، وذبحه كنانة (٣) وقيل: رجل من أهل مصر يقال له حمار (٤) فسقطت قطرة من دمه على المصحف
_________________
(١) أصل هذا الخبر في تاريخ الطبري (٥: ١٢٨) عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخه.
(٢) كذا في مطبوعة الجزائر. والذي في تاريخ الطبري (٥: ١٢٥) «الموت الأسود»، والأصول التي طبع عليها تاريخ الطبري أصح من الأصول التي طبع عليها كتابنا في الجزائر، ومن الثابت أن ابن سبأ كان من ثوار مصر عند مجيئهم من الفسطاط إلى المدينة (الطبري ٥: ١٠٣ - ١٠٤) وهو في كل الأدوار التي مثلها كان شديد الحرص على أن يعمل من وراء ستار، فلعل «الموت الأسود» اسم مستعار له أراد أن يرمز به ليتمكن من مواصلة دسائسه لهدم الإسلام.
(٣) هو كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي قائد إحدى الفرق المصرية الأربع وكان قبل ذلك أحد الذين التفوا بعمار بن ياسر في الفسطاط ليجعلوه سبئيًا، وهو أول داخل إلى دار عثمان بالشعلة من النفط ليحرق باب الدار، وهو الذي اخترط السيف ليضعه في بطن أمير المؤمنين، فوقته زوجته نائلة فقطع يدها واتكأ بالسيف عليه في صدره، وكانت عاقبة التجيبي القتل مخذولًا في المعركة التي نشبت في مصر بين محمد بن أبي بكر وعمرو بن العاص سنة ٣٨. وقد تحرف «كنانة» في مطبوعة الجزائر برسم «رومان» ومطبوعة الجزائر كثيرة التحريف.
(٤) لم أر هذا الاسم فيمن اجترءوا على ارتكاب الجريمة العظمى، ولعل النساخ حرفوا اسم سودان بن «حمران»، أو اسم عمرو بن «الحمق» .
[ ١٣٥ ]
على قوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] فإنها ما حكت إلى الآن.