فأما أبو بكر، فقد «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه. قالت له: فإن لم أجدك - كأنها تعني الموت - قال: تجدين أبا بكر» (١) .
«وقال النبي ﷺ لعمر وقد وقع بينه [أي بين عمر] وبين أبي بكر كلام، فتعمر وجه النبي ﷺ (٢) حتى أشفق من ذلك أبو بكر، وقال النبي ﷺ: " هل أنتم تاركو لي صاحبي (مرتين) . إني بعثت إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. إلا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته» (٣) ".
وقال النبي ﷺ: «لو كنت متخذًا في الإسلام خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكن أخي، وصاحبي» (٤) ".
وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا. لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة
_________________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩١) من حديث جبير بن مطعم قال: أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه. قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت - قال ﷺ: " إن لم تجديني فأتي أبا بكر ".
(٢) تمعر وجهه: تغير، وذهب ما كان فيه من النضارة، وإشراق اللون.
(٣) في كتاب مناقب الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩٢) عن أبي الدرداء مطولا.
(٤) في الباب المذكور من كتاب مناقب الصحابة في صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩١) من حديث عكرمة عن ابن عباس.
[ ١٨٧ ]
أبي بكر (١) .
وقد قال النبي ﷺ: «بينما أنا نائم رأيتني على قليب (٢) عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبًا أو ذنوبين (٣) وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غربًا (٤) فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن» (٥) .
وقد ثبت أن «النبي ﷺ صعد أُحُدا وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃، فرجف بهم: فقال: " اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» (٦) .
وقال ﷺ: «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكَلَّمُون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي
_________________
(١) في هذه الجملة اضطراب ونقص. وانظر لهذا المعنى حديث أبي سعيد الخدري في ذلك الموضع من صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩٠ - ١٩١)، وحديث ابن عباس في مسند أحمد (١: ٢٧٠ رقم ٢٤٣٢)، والبداية والنهاية (٥: ٢٢٩ و٢٣٠) .
(٢) القليب: البئر غير المطوية.
(٣) الذنوب: الدلو العظيمة إذا ملئت ماء. وابن أبي قحافة هو أبو بكر.
(٤) أي ثم عظمت فصارت كالدلو الواسعة التي تتخذ من جلد الثور لكبرها.
(٥) أي حتى اتخذ الناس حولها مبركا لإبلهم لغزارة مائها، والحديث في ذلك الموضوع من صحيح البخاري (ج ٤ ص ١٩٣) من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
(٦) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح مسلم (ك ٦٢ ب ٥ - ج ٤ ص ١٩٧) من حديث قتادة عن أنس بن مالك.
[ ١٨٨ ]
منهم أحد فعمر» (١) .
وقال النبي ﷺ لعائشة ﵂ في مرضه: «ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٢) .
وقال ابن عباس: «إن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، وإني أرى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون بأيديهم، فالمستكثر والمستقل. وأرى سببًا واصلًا من السماء إلى الأرض فأراك أخذت به فعلوت، [ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به]، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وصل له فعلا» (وذكر الحديث) . ثم عبرها أبو بكر فقال: وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، فأخذته فيعليك الله. ثم يأخذ به رجل آخر بعدك فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به ثم يوصل فيعلو به (٣) .
_________________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٦ - ج ٤ ص ٢٠٠) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة.
(٢) في مسند أحمد (٦: ١٤٤ الطبعة الأولى) من حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة، وانظر المسند أيضا (٦: ٤٧ و١٠٦) وطبقات ابن سعد ٣ (١: ١٢٧) ومسند أبي داود الطيالسي: الحديث ١٥٠٨.
(٣) في كتاب التعبير من صحيح البخاري (ك ٩١ ب ٤٧ - ج ٨ ص ٨٣ - ٨٤) من حديث عبد الله بن عباس، وفي كتاب الرؤيا من صحيح مسلم (ك ٤٧ ح ١٧ - ج ٧ ص ٥٥ - ٥٦) من حديث ابن عباس، وفي مسند أحمد (١: ٢٣٦ الطبعة الأولى رقم ٢١١٣) من حديث ابن عباس.
[ ١٨٩ ]
وصح أن النبي ﷺ قال ذات يوم: «من رأى منكم رؤيا فقال رجل: أنا رأيت، كأن ميزانًا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر فَرَجَحْت. ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر. ووزن عمر وعثمان فرجح عمر. ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ» (١) .
وهذه الأحاديث جبال في البيان، وجبال في السبب إلى الحق لمن وفقه الله. ولو لم يكن معكم - أيها السنية - إلا قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] (التوبة من الآية ٤٠) فجعلها (٢) في نصيف، وجعل أبا بكر في نصيف آخر وقام معه جميع الصحابة.
وإذا تبصرتم هذه الحقائق فليس يخفى منها حال الخلفاء في خلالهم وولايتهم وترتيبهم خصوصًا وعمومًا. وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] (سورة النور: من الآية ٥٥) . وإذا لم ينفذ هذا الوعد في الخلفاء فلمن ينفذ؟ وإذا لم يكن فيهم
_________________
(١) في كتاب السنة من سنن أبي داود (ك ٣٩ ب ٨ ح ٤٦٣٤) من حديث أبي بكرة. وفي كتاب الرؤيا من جامع الترمذي (الباب ١٠) من حديث أبي بكرة أيضا. وانظر في مسند أحمد (٥: ٢٥٩) الطبعة الأولى حديث أبي أمامة عن رجحان كفة أبي بكر بكفة فيها جميع الأمة. . . إلخ.
(٢) أي الأمة.
[ ١٩٠ ]
فبمن يكون؟ والدليل عليه انعقاد الإجماع أنه لم يتقدمهم في الفضيلة أحد إلى يومنا هذا، ومن بعد مختلف فيه، وأولئك مقطوع بهم، متيقن إمامتهم، ثابت نفوذ وعد الله لهم، فإنهم ذبوا عن حوزة المسلمين، وقاموا بسياسة الدين. قال علماؤنا: ومن بعدهم تبع لهم من الأئمة الذين هم أركان الملة، ودعائم الشريعة، الناصحون لعباد الله، الهادون من استرشد إلى الله. فأما من كان من الولاة الظلمة فضرره مقصور على الدنيا وأحكامها.