وعبد الله بن بُديل بن وَرقاء الخُزاعي (١)
_________________
(١) كان أبوه رجلا مسنا من مسلمة الفتح. وورد ذكر عبد الله بن بديل في الفتنة العظمى على أمير المؤمنين عثمان، فذكر الطبري (٥: ١٢٤ - ١٢٥) أن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة خرج هو وعبد الله بن الزبير ومروان وغيرهم يدافعون عن أمير المؤمنين على باب الدار، فحمل عبد الله بن بديل على الأخنس بن شريق وقتله. ونقل الحافظ ابن حجر في ترجمته في الإصابة (٢: ٢٨٠) عن ابن الكلبي أن عبد الله بن بديل وأخاه عبد الرحمن شهدا صفين مع علي وقتلا بها. والظاهر أن أخاه قتل قبله، فقد نقل ابن حجر (في الإصابة ٢: ٢٨١) عن ابن إسحاق في كتاب الفردوس أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما قدم الكوفة - أي مع جيش أهل الشام - لقي عبد الله بن بديل، فنصح له ابن بديل بأن لا يهرق دمه في هذه الفتنة، فاعتذر عبيد الله بن عمر بأنه يطلب بدم أمير المؤمنين عثمان الذي قتل ظلما. واعتذر ابن بديل بأنه يطلب بدم أخيه الذي قتل ظلما. وكيف يكون أخوه قتل ظلما وقد قتل في فتنة تطوع للمساهمة فيها مختارا، بينما عثمان وهو أمير المؤمنين الذي له حق الولاية عليهم كان مبغيا عليه من ابن بديل وأمثاله ومن هم أقل منه شأنا، ومع ذلك لم يقاتل أحدا، ولم يدافع عن نفسه، ونهى الناس أن يدافعوا عنه أوباشا قدموا إلى مدينة الرسول ﷺ من مختلف البلاد ليرتكبوا الشر والإثم. وأين عثمان الذي ملأت حسناته الأرض وتعطرت بأريجها السماء من عبد الرحمن بن بديل الذي لا يكاد يعرف له التاريخ عملا.
[ ١١٤ ]
وحُكيْم بن جبلة من أهل البصرة (١)
_________________
(١) حُكيم بن جبلة العبدي من قبائل عبد القيس، أصلهم من عُمان وسواحل الخليج الفارسي، وتوطن بالبصرة بعد تمصيرها. وكان حكيم هذا شابا جريئا، وكانت الجيوش الإسلامية التي تزحف نحو الشرق لنشر الدعوة والفتوح تصدر عن البصرة والكوفة، فكان حكيم بن جبلة يرافق هذه الجيوش، ويجازف في بعض حملات الخطر، كما تفعل كتائب (الكوماندوس) في هذا العصر. وقد استعملته جيوش أمير المؤمنين عثمان في إحدى هذه المهمات عند محاولتها استكشاف الهند كما نوهتُ بذلك في مقالة (طلائع الإسلام في الهند) . ويؤكد شيوخ سيف بن عمر التميمي (وهو أعرف المؤرخين بتاريخ العراق) على ما نقله عنه الطبري (٥: ٩٠) أن حكيم بن جبلة كان إذا قفلت الجيوش خنس عنهم فسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه (أي منعه من مبارحة البصرة) . فلما قدم عبد الله بن سبأ البصرة نزل على حكيم بن جبلة، واجتمع إليه نفر، فنفث فيهم سمومه. فأخرج ابن عامر عبد الله بن سبأ من البصرة، فأتى الكوفة فأخرج منها، ومن هناك رحل ابن سبأ إلى الفسطاط ولبث فيه وجعل يكاتبهم ويكاتبونه ويختلف الرجال بينهم. وذكر الطبري (٥: ١٠٤) أن السبئية لما قرروا الزحف من الأمصار على مدينة الرسول ﷺ كان عدد من خرج منهم من البصرة كعدد من خرج من مصر، وهم مقسمون كذلك إلى أربع فرق، والأمير على إحدى هذه الفرق حكيم بن جبلة، ونزلوا في المدينة في مكان يسمى ذا خشب. ولما حصبوا أمير المؤمنين عثمان وهو يخطب على المنبر النبوي كان حكيم بن جبلة واحدا منهم (الطبري ٥: ١٠٦) ولما رحل الثوار عن المدينة في المرة الأولى بعد مناقشتهم لعثمان وسماعهم دفاعه واقتناعهم، تخلف في المدينة الأشتر وحكيم بن جبلة (الطبري ٥: ١٢٠) وفي ذلك شبهة قوية بأن لهم دخلا في افتعال الكتاب المزور على أمير المؤمنين. ولما جاءت عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة وأوشكوا أن يتفاهموا مع أمير المؤمنين عليّ على رد الأمور إلى نصابها كان حكيم بن جبلة هو الذي أنشب القتال لئلا يتم التفاهم والاتفاق (الطبري ٥: ١٧٦ وما بعدها) . وارتكب دناءة قتل امرأة من قومه سمعته يشتم أم المؤمنين عائشة فقالت له: يا ابن الخبيثة أنت أولى بذلك. فطعنها فقتلها (الطبري ٥: ١٧٦)، وحينئذ تخلى قومه عن نصرته إلا الأغمار منهم، وما زال يقاتل حتى قطعت رجله، ثم قتل وقتل معه كل من كان في الوقعة من البغاة على عثمان، ونادى منادي الزبير وطلحة بالبصرة: " ألا من كان فيكم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم " فجيء بهم كما يجاء بالكلاب فقتلوا. فما أفلت منهم إلا حرقوص بن زهير السعدي من بني تميم (الطبري ٥: ١٨٠) . روى عامر بن حفص عن أشياخه قال: ضرب عنق حكيم رجل من الحدَّان يقال له ضخيم فمال رأسه فتعلق بجلده فصار وجهه في قفاه، الطبري (٥: ١٨٢) .
[ ١١٥ ]
ومالك بن الحارث الأشتر (١) في طائفة هؤلاء رؤوسهم، فناهيك بغيرهم
. . . . . . . . . .
_________________
(١) من النخَع، وهي قبيلة يمنية من قبائل مَذْحج، بطل شجاع من أبطال العرب، كان أول مشاهده الحربية في اليرموك، وفيها فقد إحدى عينيه، ثم شاء الله أن يكون سيفه مسلولا على إخوانه المسلمين في مواقف الفتنة. ولو أنه لم يكن ممن ألب على أمير المؤمنين عثمان، وكتب الله أن تكون وقائعه الحربية في نشر دعوة الإسلام وتوسيع الفتوح، لكان له في التاريخ شأن آخر. والذي دفعه في هذا الطريق غلوه في الدين وحبه للرئاسة والجاه، ولست أدري كيف اجتمعتا فيه. والأشتر أحد الذين اتخذوا الكوفة دار إقامة لهم، فلما كانت إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة كان الأشتر يشعر في نفسه بأنه أهل للولاية والرئاسة، فانزلق مع العائبين على الدولة ورجالها، من الخليفة الأعلى في المدينة إلى عامله على الكوفة الوليد بن عقبة. ولما سرق أبو زينب وأبو مورع خاتم الوليد من منزله وذهبا به إلى المدينة فشهدا على الوليد بشرب الخمر كما تقدم في ص٩٦ أسرع الأشتر وآخرون معه بالذهاب إلى المدينة لتوسيع دائرة الفتنة، حتى إذا عزل عثمان الوليد بسعيد بن العاص عاد الأشتر مع سعيد إلى الكوفة، (الطبري ٥: ٦٣) . وكان عثمان قد سن نظام مبادلة الأراضي، فمن كانت له أرض من الفيء في مكان بعيد عنه يبادل عليها بأرض قريبة منه بالتراضي بين المتبادلين. وبهذه الطريقة تخلى طلحة بن عبيد الله عن أسهمه في خيبر واشترى بها من فيء أهل المدينة بالعراق أرضا يقال لها النشاستج (الطبري ٥: ٦٤) . وبينما كان سعيد بن العاص في دار الإمارة بالكوفة والناس عنده أثنى رجل على طلحة بن عبيد الله بالجود، فقال سعيد بن العاص: لو كان لي مثل أرض النشاستج لأعاشكم الله عيشا رغدا. فقال له عبد الرحمن بن خنيس الأسدي: وودت لو كان هذا الملطاط لك. والملطاط أرض على جانب الفرات كانت لآل كسرى. فغضب الأشتر وأصحابه وقالوا للأسدي: تتمنى له من سوادنا؟ فقال والده: ويتمنى لكم أضعافه. فثار الأشتر وصحبه على الأسدي وأبيه وضربوهما في مجلس الإمارة حتى غشي عليهما. وسمعت بذلك بنو أسد فجاءوا وأحاطوا بالقصر ليدافعوا عن رجليهما، فتلافى سعيد بن العاص هذه الفتنة بحكمته، ورد بني أسد عن الأشتر وجماعته. وكتب أشراف الكوفة وصلحاؤها إلى عثمان في إخراج هؤلاء المشاغبين من بلدهم، فأرسلهم إلى معاوية في الشام (الطبري ٥: ٨٥ - ٨٦) ثم أخرجهم معاوية فنزلوا جزيرة ابن عمر تحت حكم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، إلى أن تظاهروا بالتوبة، فذهب الأشتر إلى المدينة ليرفع إلى عثمان توبتهم، فرضي عنه عثمان وأباح له الذهاب حيث شاء، فاختار العودة إلى زملائه الذين عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في الجزيرة (الطبري ٥: ٨٧ - ٨٨) . وفي الوقت الذي كان فيه الأشتر يعرض على عثمان توبته وتوبة زملائه وذلك في سنة ٣٤ كان السبئيون في مصر يكاتبون أشياعهم في الكوفة والبصرة بأن يثوروا على أمرائهم واتعدوا يوما، فلم يستقم ذلك إلا لجماعة الكوفة، فثار بهم يزيد بن قيس الأرحبي (الطبري ٥: ١٠١) . ولما وصل الأشتر من المدينة إلى إخوانه الذين عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وجد بين أيديهم كتابا من يزيد بن قيس الأرحبي يقول لهم فيه: لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا. فتشاءموا من هذه الدعوة وآثروا البقاء، وخالفهم الأشتر فرجع عاصيا بعد توبته، والتحق بثوار الكوفة وقد نزلوا في الجرعة - مكان مشرف على القادسية - وهناك تلقوا سعيد بن العاص أميرا على الكوفة وهو عائد من المدينة فردوه، ولقي الأشتر مولى لسعيد بن العاص فضرب الأشتر عنقه. وبلغ عثمان أنهم يريدون إقالة سعيد بأبي موسى الأشعري فأجابهم إلى ما طلبوا (الطبري ٥: ٩٣ - ٩٤) . ولما فشل موعد سنة ٣٤ واقتصرت الفتنة على ما كان في الجرعة، اتعد السبئيون للسنة التي بعدها (سنة ٣٥) ورتبوا أمرهم على التوجه إلى المدينة مع الحجاج كالحجاج، وكان الأشتر مع خوارج الكوفة رئيسا على فرقة من فرقهم الأربع (الطبري ٥: ١٠٤) . وبعد وصولهم إلى المدينة ناقشهم أمير المؤمنين عثمان وبين لهم حجته في كل ما كانوا يظنونه فيه، فاقتنع جمهورهم بذلك وحملوا رؤساء الفتنة على الرضا بأجوبة عثمان وارتحلوا من المدينة للمرة الأولى. إلا أن الأشتر وحكيم بن جبلة تخلفا في المدينة ولم يرتحلا معهم (الطبري ٥: ١٢٠) . ولما وصل المصريون إلى مكان يسمى البويب اعترضهم راكب مثل لهم دور حامل الكتاب المزعوم، وسيأتي الحديث عن ذلك في ص ١٢٦. ونقل الطبري (٥: ١٩٤) أن الأشتر كان في مؤتمر السبئيين الذي عقدوه قبيل ارتحال علي من الكوفة إلى البصرة للتفاهم مع طلحة والزبير وعائشة. فقرر السبئيون في مؤتمرهم هذا أن ينشبوا الحرب بين الفريقين قبل أن يصطلحا عليهم. وفي وقعة الجمل اصطرع عبد الله بن الزبير والأشتر واختلفا ضربتين وقال عبد الله بن الزبير كلمته المشهورة: " اقتلوني ومالكا " فأفلت منه مالك الأشتر، روى الطبري (٥: ٢١٧) عن الشعبي أن الناس كانوا لا يعرفون الأشتر باسم مالك، ولو قال ابن الزبير " اقتلوني والأشتر " وكان للأشتر ألف ألف نفس ما نجا منها شيء، وما زال يضطرب في يدي ابن الزبير حتى أفلت. وروى الطبري (٥: ١٩٤) أن عليا لما فرغ من البيعة بعد وقعة الجمل واستعمل عبد الله بن عباس على البصرة بلغ الأشتر الخبر باستعمال علي ابن عباس فغضب وقال: " علام قتلنا الشيخ إذن؟ ! اليمن لعبيد الله، والحجاز لقثم، والبصرة لعبد الله، والكوفة لعلي! " ثم دعا بدابته فركب راجعا. وبلغ ذلك عليا فنادى: الرحيل! ثم أجد السير فلحق به فلم يره أنه بلغه عنه وقال: " ما هذا السير؟ سبقتنا! ". وخشي إن تُرك والخروج أن يوقع في نفس الناس شرا. ثم اشترك الأشتر في حرب صفين. وولاه علي إمارة مصر بعد صرف قيس بن سعد بن عبادة عنها. فلما وصل القلزم (السويس) شرب شربة عسل فمات، فقيل إنها كانت مسمومة، وكان ذلك سنة ٣٨ (الإصابة ٣: ٤٨٢) .
[ ١١٦ ]