فإن قيل: ولو لم يكن ليزيد إلا قتله للحسين بن علي. قلنا: يا أسفا على المصائب مرة، ويا أسفا على مصيبة الحسين ألف مرة. وإن بوله يجري على صدر النبي ﷺ، ودمه يراق على البوغاء ولا يحقن (١) يا لله ويا للمسلمين.
وإن أمثل ما روي فيه أن يزيد كتب إلى الوليد بن عتبة ينعي له
_________________
(١) البوغاء: التراب الناعم.
[ ٢٢٨ ]
معاوية ويأمره أن يأخذ له البيعة على أهل المدينة - وقد كانت تقدمت - فدعا مروان فأخبره فقال له: أرسل إلى الحسين بن علي وابن الزبير، فإن بايعوا وإلا فاضرب أعناقهم. قال: سبحان الله، نقتل الحسين بن علي وابن الزبير؟ قال: هو ما أقوله لك. فأرسل إليهما، فأتاه ابن الزبير، فنعى إليه معاوية وسأله البيعة، فقال: ومثلي يبايع هنا؟ ارق المنبر، وأنا [أبايع] مع الناس علانية. فوثب مروان وقال: اضرب عنقه، فإنه صاحب فتنة وشر. فقال [ابن الزبير]: فإنك لهنالك يا ابن الزرقاء؟ (واستبّا) . فقال الوليد: اخرجا عني، وأرسل إلى الحسين ولم يكلمه بكلمة في شيء، وخرجا من عنده. وجعل الوليد عليهما الرصد. فلما دنا الصبح خرجا مسرعين إلى مكة فالتقيا بها فقال له ابن الزبير: ما يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك؟ فوالله لو أن لي مثلهم لذهبت إليهم. فهذا ما صح.
وذكر المؤرخون أن كتب أهل الكوفة وردت على الحسين (١)
_________________
(١) أول من كتب إليه من شيوخ شيعته - على ما رواه مؤرخهم لوط بن يحيى - سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر، وأرسلوا كتابهم مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال، فبلغا حسينا بمكة في عاشر رمضان سنة ٦٠، وبعد يومين سرحوا إليه قيس بن مسهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي وعمارة السلولي بثلاث وخمسين صحيفة، وبعد يومين آخرين سرحوا إليه هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي (وفي الطبري ٦: ١٩٧ نصوص بعض رسائلهم وأسماء بعض أصحابها) وهي تدور على أنهم لا يجتمعون مع أميرهم النعمان بن بشير في جمعة، ويدعون الحسين إليهم حتى إذا أقبل طردوا أميرهم وألحقوه بالشام، ويقولون في بعضها: " أينعت الثمار، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجند " فأرسل الحسين إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليرى إن كانوا مستوثقين مجتمعين ليقدم هو عليهم بعد ذلك. وضل مسلم بن عقيل في الطريق ومات من معه من العطش، فكتب إلى الحسين يستعفيه من هذه المهمة، فأجابه: خشيت ألا يكون حملك على الاستعفاء إلا الجبن. فمضى مسلم حتى بلغ الكوفة، وأعطاه البيعة للحسين اثنا عشر ألفا منهم، وشعر أمير الكوفة النعمان بن بشير بحركاتهم فخطب فيهم ينهاهم عن الفتنة والفرقة، وقال لهم: إني لا أقاتل إلا من قاتلني، ولا آخذ بالظنة والتهمة، فإن أبديتم لي صفحتكم ونكثتم بيعتكم لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي. وعلم يزيد أن النعمان بن بشير حليم ناسك لا يصلح في مقاومة مثل هذه الحركة، فكتب إلى عبيد الله بن زياد عامله على البصرة أنه قد ضم إليه الكوفة أيضا، وأمره أن يأتي الكوفة وأن يطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى يثقفه فيوثقه فيقتله أو ينفيه. فاستخلف عبيد الله أخاه على البصرة، وأقبل إلى الكوفة فاتصل برؤسائها وقبض على أزمة الحال، فما لبث مسلم بن عقيل أن رأى مبايعيه الاثني عشر ألفا كالهباء، ورأى نفسه وحيدا طريدا، ثم قبض عليه وقتل. وكان الحسين قد جاءته قبل ذلك رسائل مسلم بن عقيل بأن اثني عشر ألفا بايعوه على الموت، فخرج عقب موسم الحج يريد الكوفة، ولم يشجعه على الخروج إلا ابن الزبير لأنه عرف أن أهل الحجاز لا يتابعونه ما دام الحسين معهم، فصار الحسين أثقل خلق الله على ابن الزبير (الطبري ٦: ١٩٦ - ١٩٧ وانظر ٦: ٢١٦ و٢١٧) . أما المشفقون على الحسين من هذا الخروج المشئوم فهم جميع أحبائه وذوي قرابته والناصحين له والمتحرين سنة الإسلام في مثل هذا الموقف، كل هؤلاء نهوه عن مسيره، وحذروه من عواقبه، وفي طليعتهم أخوه محمد بن الحنفية (الطبري ٦: ١٩٠ - ١٩١)، (وابن عم أبيه حبر الأمة عبد الله بن العباس الطبري ٦: ٢١٦ - ٢١٧) وابن عمه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (٢: ٢١٩)، وقد بلغ الأمر بعبد الله بن جعفر أن حمل والي يزيد على مكة - وهو عمر بن سعيد بن العاص - على أن يكتب للحسين كتاب الأمان ويمنيه فيه البر والصلة ويسأله الرجوع، فأجابه والي مكة إلى كل ما طلب وقال له: اكتب ما تشاء وأنا أختم على الكتاب، فكتبه وختمه الوالي، وبعث به إلى الحسين مع أخيه يحيى بن سعيد بن العاص، وذهب عبد الله بن جعفر مع يحيى، وجهدا بالحسين أن يثنياه عن السفر فأبى (وصورة كتاب الوالي في تاريخ الطبري ٦: ٢١٩ - ٢٢٠)، وليس فوق هؤلاء الناصحين أحد في عقلهم وعلمهم ومكانتهم وإخلاصهم، بل إن عبد الله بن مطيع داعية ابن الزبير كان من ناصحيه بعقل وإخلاص (الطبري ٦: ١٩٦) وعمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي كان على هذا الرأي (الطبري ٦: ٢١٥ - ٢١٦) والحارث بن خالد بن العاص بن هشام لم يأله نصحا (٦: ٢١٦) وحتى الفرزدق الشاعر قال له: قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية. (الطبري ٦: ٢١٨) فلم يفد شيء من هذه الجهود في تحويل الحسين عن هذا السفر الذي كان مشئوما عليه، وعلى الإسلام وعلى الأمة الإسلامية إلى هذا اليوم وإلى قيام الساعة، وكل هذا بجناية شيعته الذين حرضوه بجهل وغرور، رغبةً في الفتنة والفرقة والشر، ثم خذلوه بجبن ونذالة وخيانة وغدر. ولم يكتف ورثتهم بما فعل أسلافهم فعكفوا على تشويه التاريخ وتحريف الحقائق ورد الأمور على أدبارها.
[ ٢٢٩ ]
وأنه أرسل مسلم بن عقيل - ابن عمه - إليهم ليأخذ عليهم البيعة وينظر
[ ٢٣٠ ]
هو في اتِّباعه، فنهاه ابن عباس وأعلمه أنهم خذلوا أباه وأخاه، وأشار عليه ابن الزبير بالخروج فخرج، فلم يبلغ الكوفة إلا ومسلم بن عقيل قد قتل وأسلمه من كان استدعاه! ويكفيك بهذا عظة لمن اتعظ. فتمادى واستمر غضبًا للدين وقيامًا بالحق. ولكنه - ﵁ - لم يقبل نصيحة أعلم أهل زمانه ابن عباس، وعدل عن رأي شيخ الصحابة ابن عمر (١) وطلب
_________________
(١) في إيثاره العافية، وحرصه على وحدة المسلمين وتفرغهم لنشر الدعوة والفتوح.
[ ٢٣١ ]
الابتداء في الانتهاء، والاستقامة في الاعوجاج، ونضارة الشبيبة في هشيم المشيخة. ليس حوله مثله ولا له من الأنصار من يرعى حقه، ولا من يبذل نفسه دونه، فأردنا أن نطهر الأرض من خمر يزيد (١) فأرقنا دم الحسين، فجاءتنا مصيبة لا يجبرها سرور الدهر.
وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر من الدخول في الفتن. وأقواله في ذلك كثيرة: منها قوله ﷺ (٢) «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان» . فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله. ولو أن عظيمها وابن عظيمها وشريفها وابن شريفها الحسين وسعه بيته أو ضيعته أو إبله - ولو جاء الخلق يطلبونه ليقوم بالحق، وفي جملتهم ابن عباس وابن عمر - لم يلتفت إليهم، وحضره ما أنذر به النبي ﷺ وما قال في أخيه (٣) ورأى أنها خرجت عن أخيه ومعه جيوش الأرض وكبار الخلق يطلبونه، فكيف ترجع إليه بأوباش الكوفة، وكبار الصحابة ينهونه وينأون عنه؟ ما أدرى في هذا إلا التسليم لقضاء الله، والحزن على ابن بنت رسول الله ﷺ بقية الدهر. ولولا معرفة أشياخ وأعيان الأمة بأنه أمر صرفه الله عن أهل البيت، وحال من الفتنة لا ينبغي لأحد أن يدخلها، ما أسلموه أبدا.
وهذا أحمد بن حنبل - على تقشفه وعظيم منزلته في الدين وورعه -
_________________
(١) أي يزعم مثيرو الفتنة الذين يشهدون بغير ما علموا.
(٢) من حديث عرفجة في كتاب الإمارة من صحيح مسلم: باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع (ك ٣٣ ح ٥٩ - ج ٦ ص ٢٢) .
(٣) " ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ".
[ ٢٣٢ ]
قد أدخل عن يزيد بن معاوية في (كتاب الزهد) أنه كان يقول في خطبته: " إذا مرض أحدكم مرضًا فأُشفي ثم تماثل، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه ولينظر إلى أسوأ عمل عنده فليدعه " وهذا يدل على عظيم منزلته عنده حتى يدخله في جملة الزهاد من الصحابة والتابعين الذين يُقْتَدَى بقولهم ويُرْعَوَى من وعظهم، ونعم. وما أدخله إلا في جملة الصحابة، قبل أن يخرج إلى ذكر التابعين. فأين هذا من ذكر المؤرخين له في الخمر وأنواع الفجور، ألا تستحيون؟ ! وإذ سلبهم الله المروءة والحياء، ألا ترعوون أنتم وتزدجرون، وتقتدون بالأحبار والرهبان من فضلاء الأمة، وترفضون الملحدة والمجان من المنتمين إلى الملة: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨] والحمد لله رب العالمين.
وانظر إلى ابن الزبير بعد ذلك وما دخل فيه من البيعة له بمكة، والأرض كلها عليه. وانظروا إلى ابن عباس وعقله وإقباله على نفسه. وانظروا إلى ابن عمر وسنه وتسليمه للدنيا ونبذه لها. ولو كان للقيام وجه لكان أولى بذلك ابن عباس، فإن ولدي أخيه عبيد الله قد ذكر أنهما قتلا ظلمًا (١) . ولكن رأى بعقله أن دم عثمان لم يخلص إليه، فكيف بدم ولدي عبيد الله! وإن الأمر راهق (٢) قد خرجا عنه حفظًا للأصل، وهو اجتماع أمر الأمة وحقن دمائها وائتلاف كلمتها. ودع الأمر يتولاه أسود مجدع
_________________
(١) كان ذلك سنة ٤٠ في اليمن آخر ولاية عبيد الله بن عباس عليهما لعلي، فأرسل معاوية إلى الحجاز واليمن بسر بن أبي أرطاة فأخذ له البيعة على أهل الحجاز، ثم توجه بسر إلى اليمن، فلما علم عبيد الله بمجيئه هرب إلى الكوفة وترك ابنيه في اليمن فقتلهما بسر فيما يقال.
(٢) أي تداخل حقه في باطله.
[ ٢٣٣ ]
حسبما أمر به صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه (١) . وكل منهم عظيم القدر مجتهد، وفيما دخل فيه مصيب مأجور، ولله فيه حكم قد أنفذه، وحكم في الآخرة قد أحكمه وفرغ منه. فاقدروا هذه الأمور مقاديرها، وانظروا بما قابلها ابن عباس وابن عمر فقابلوها، ولا تكونوا من السفهاء الذين يرسلون ألسنتهم وأقلامهم بما لا فائدة لهم فيه، ولا يغني من الله ولا من دنياهم شيئًا عنهم.
وانظروا إلى الأئمة الأخيار وفقهاء الأمصار، هل أقبلوا على هذه الخرافات وتكلموا في مثل هذه الحماقات؟ بل علموا أنها عصبيات جاهلية وحمية باطلة، ولا تفيد إلا قطع الحبل بين الخلق، وتشتيت الشمل واختلاف الأهواء - وقد كان ما كان، وقال الإخباريون ما قالوا فإما سكوت، وإما اقتداء بأهل العلم وطرح لسخافات المؤرخين والأدباء. والله يكمل علينا وعليكم النعماء برحمته.