وأخبره ابن الكواء بأهل الفتنة في كل بلد ومؤامرتهم (١) فكتب إلى عثمان يخبره بذلك، فأرسل إليه بإشخاصهم إليه. فأخرجهم معاوية (٢) فمروا بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد (٣) فحبسهم، ووبخهم، وقال لهم: " اذكروا ما كنتم تذكرون لمعاوية " (٤) . وحصرهم، وأمشاهم بين يديه
_________________
(١) قال ابن الكواء فيما نقله الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخ دمشق (٧: ٢٩٩) وأبو جعفر الطبري في تاريخه (٥: ٩٢) يصف لمعاوية أهل الأحداث من أهل الأمصار: " أما أهل الأحداث من أهل المدينة فهم أحرص الأمة على الشر، وأعجزهم عنه. وأما أهل الأحداث من أهل الكوفة فإنهم أنظر الناس في صغير، وأركبه لكبير. وأما أهل الأحداث من أهل البصرة فإنهم يردون جميعا ويصدرون شتى. وأما أهل الأحداث من أهل مصر فهم أوفى الناس بشر، وأسرعه ندامة. وأما أهل الأحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاه لمغويهم ".
(٢) وكتب فيهم إلى عثمان: " إنه قدم على أقوام ليست لهم عقول ولا أديان. أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدل. لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة. إنما همهم الفتنة، وأموال أهل الذمة. والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم. وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم. فانه سعيدا ومن قبله عنهم، فإنهم ليسوا لأكثر من شغب أو نكير " (الطبري ٥: ٨٧) .
(٣) وكان يلي حمص لمعاوية. ويتبعه منطقة الجزيرة - حران والرقة -.
(٤) وذلك بعد قوله لهم: " يا ألة الشيطان، لا مرحبا بكم ولا أهل. وقد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد نشاط. خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم حتى يحسركم. يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم، لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون لمعاوية. أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئ الردة. والله لئن بلغني يا صعصعة بن ذل أن أحدا ممن معي دق أنفك ثم أمصك لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى " (الطبري ٥: ٨٧) .
[ ١٢١ ]
أذلاء حتى تابوا بعد حول (١) .
وكتب إلى عثمان بخبرهم، فكتب إليه أن سرحهم إلي. فلما مثلوا بين يديه جددوا التوبة، وحلفوا على صدقهم، وتبرأوا مما نسب إليهم (٢) وخيرهم حيث يسيرون، فاختار كل واحد ما أراد من البلاد: كوفة، وبصرة، ومصر، فأخرجهم. فما استقروا في حيث ما ساروا حتى ثاروا وألبوا، حتى انضاف إليهم جمع (٣)
_________________
(١) كان كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به (صعصعة) قال: يا ابن الحطيئة، أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر؟ ما لك لا تقول كما كان بلغني أنك تقول لسعيد ومعاوية؟ فيقول، ويقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله (الطبري ٥: ٨٧ - ٨٨) .
(٢) الذي قدم إلى أمير المؤمنين عثمان في المدينة هو الأشتر النخعي وحده، وهو الذي ناب عن ابني صوحان وابن الكواء والآخرين في تجديد التوبة التي أعلنوها من قبل لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: غير أن الفتنة لم تكن مقتصرة على هؤلاء، بل كانت جرثومتها في يد ابن سبأ الذي اختار الإقامة في الفسطاط، وكان لها جناح في البصرة، وللأشتر وإخوانه بقية في الكوفة. وبينما كان الأشتر يجدد توبته وتوبة إخوانه في المدينة كان أعوان ابن سبأ يكاتبون البصرة والكوفة في موعد يثبون فيه على ولاتهم، فما رجع الأشتر بتوبته إلى إخوانه الذين كانوا عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد حتى وجد عندهم كتابا من إخوانهم في الكوفة يدعونهم للاشتراك فيما اتعدوا له، فلم يبتهج بهذه الدعوة إلى الفتنة والشر إلا الأشتر الذي لم يكن قد نسي توبته بعد، فأسرع إلى الكوفة وانضم إلى الفتنة التي تسمى في التاريخ (يوم الجرعة) وكان ذلك سنة ٣٤.
(٣) لما أخفق السبئيون في الوثوب على ولاتهم سنة ٣٤ في الموعد الذي وقعت فيه.
[ ١٢٢ ]