١٦ - وأما انهزامه يوم حنين، وفراره يوم أحد، ومغيبه عن بدر وبيعة الرضوان، فقد بين عبد الله بن عمر وجه الحكم في شأن البيعة وبدر وأحد. وأما يوم حنين فلم يبق إلا نفر يسير مع رسول الله ﷺ. ولكن لم يجر في الأمر تفسير من بقي ممن مضى في الصحيح، وإنما هي أقوال: منها أنه ما بقي معه إلا العباس وابناه عبد الله وقُثَم، فناهيك بهذا الاختلاف، وهو أمر قد اشترك فيه الصحابة، وقد عفا الله
_________________
(١) نثى الخبر والحديث: أذاعه وأظهره، والنثا مثل الثناء، إلا أنه في الخير والشر، والثناء في الخير خاصة.
(٢) كان مسجد رسول الله ﷺ ضيق المساحة في عصر النبوة وخلافة أبي بكر، وكان من مناقب عثمان في زمن النبي ﷺ عندما زاد عدد الصحابة أن اشترى من ماله مساحة من الأرض وسع بها المسجد النبوي، ثم وسعه أمير المؤمنين عمر فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب. ثم ازداد عدد المصلين بازدياد عدد سكان المدينة وقاصديها فوسعه أمير المؤمنين عثمان مرة أخرى وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع وجدد بناءه. فاتساع المسجد وازدياد غاشيته وبعد أمكنة بعضهم عن منبر الخطابة يجوز أن يكون من ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه.
[ ١٠٣ ]
عنه ورسوله، فلا يحل ذكرُ ما أسقطه الله ورسوله والمؤمنون، أخرج البخاري (١) جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله وقال: لعل ذلك يسوؤك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك! ثم سأله عن علي، فذكر محاسن عمله وقال: هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي ﷺ. ثم قال: لعل ذلك يسوؤك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك! انطلق فاجهد عليّ جهدَك. وقد تقدم في حديث: «بُني الإسلام على خمس» زيادة فيه للبخاري في علي وعثمان (٢) . وقد أخرج البخاري أيضا (٣) من حديث عثمان بن عبد الله بن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر يريد حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر، إني سائلك عن شيء فحدثني عنه. هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد: قال؟ نعم. قال: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر! قال ابن عمر، تعال أبين لك. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله
_________________
(١) في كتاب فضائل الصحابة (ك٦٢ ب٩ - ج٤ ص٢٠٨) من حديث سعد بن عبيدة.
(٢) لعل المؤلف يشير إلى حديث ابن عمر في كتاب التفسير من صحيح البخاري (ك٦٥ ب٢ تفسير البقرة الحديث٣٠ ج٥ ص١٥٧) .
(٣) في كتاب فضائل الصحابة (ك ٦٢ ب٧ - ج٤ ص٢٠٣ - ٢٠٤) .
[ ١٠٤ ]
عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه (١) . وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان (٢) وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة (٣) فقال رسول الله ﷺ بيده
_________________
(١) وبعث النبي ﷺ ببشرى النصر في بدر مع زيد بن حارثة إلى عثمان في المدينة. قال أسامة بن زيد - فيما رواه الطبري٢: ٢٨٦ -: " فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله ﷺ التي كانت عند عثمان بن عفان، وكان رسول الله ﷺ خلفني عليها مع عثمان " ثم في ربيع الأول من السنة التالية لغزوة بدر تزوج عثمان أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ، وأدخلت عليه في جمادى الآخرة.
(٢) وقبل أن يبعث عثمان دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال عمر: يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس في مكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني. ولكني أدلك على رجل هو أعز مني فيها: عثمان بن عفان. فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش. ويوم تدوّن الدول الإسلامية تاريخ السفارات في الإسلام، سيكون اسم عثمان أول سفراء الإسلام في التاريخ.
(٣) لأن عثمان لما أدى رسالته في السفارة التي بعث بها احتبس أياما. فلم يعد إلى النبي ﷺ في الموعد الذي كان يقدر له أن يعود فيه، فوصل الخبر إلى النبي ﷺ بأن سفيره قتل، فدعا النبي ﷺ الصحابة إلى بيعة الرضوان، انتصارا لعثمان، على نية أن يذهب بالصحابة إلى مكة فيناجز المشركين لما بلغه عن قتلهم عثمان. فبيعة الرضوان كانت رمزا من رموز الشرف لعثمان، وأي شرف أعظم من اجتماع قوى الإسلام بقيادة الرسول الأعظم للأخذ بثأر هذا الرجل الحبيب إلى المسلمين، والرفيع المنزلة عند سيد الأولين والآخرين؟ ثم لما علم النبي ﷺ - في اللحظة الأخيرة التي اجتمع فيها الصحابة لعقد البيعة - أن عثمان حي، مضى في إتمام البيعة على سنته ﷺ في أنه إذا بدأ بخير يمضي في إكماله ولو زال سببه. وحينئذ كان لعثمان الشرف المضاعف بأن يد رسول الله ﷺ نابت عن يده في عقد البيعة عنه. فبيعة الرضوان كانت انتصارا لعثمان، وجميع الصحابة بايعوا بأيدي أنفسهم إلا عثمان فإن أشرف يد بالوجود نابت عن يده في إعطاء بيعته. ولو لم يكن لعثمان من الشرف في حياته كلها إلا هذا لكفاه.
[ ١٠٥ ]
اليمنى: " هذه يد عثمان " فضرب بها على يده فقال: " هذه لعثمان ". ثم قال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك (١) .