١١ - وأما تولية الوليد بن عقبة فإن الناس - على فساد النيات - أسرعوا إلى السيئات قبل الحسنات. فذكر الافترائيون أنه إنما ولاه للمعنى الذي تكلم به. قال عثمان: ما وليت الوليد لأنه أخي (١) وإنما وليته لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة رسول الله ﷺ وتوأمة أبيه. وسيأتي بيانه إن شاء الله (٢) .
_________________
(١) هو أخوه لأمه أروى بنت كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم.
(٢) قد يظن من لا يعرف صدر هذه الأمة أن أمير المؤمنين عثمان جاء بالوليد بن عقبة من عرض الطريق فولاه الكوفة. أما الذين أنعم الله عليهم بنعمة الأنس بأحوال ذلك العصر وأهله فيعلمون أن دولة الإسلام الأولى في خلافة أبي بكر تلقفت هذا الشاب الماضي العزيمة الرضيّ الخلق الصادق الإيمان فاستعملت مواهبه في سبيل الله إلى أن توفي أبو بكر، وأول عمل له في خلافة أبي بكر أنه كان موضع السر في الرسائل الحربية التي دارت بين الخليفة وقائده خالد بن الوليد في وقعة المذار مع الفرس سنة ١٢ (الطبري ٤: ٧)، ثم وجهه مددا إلى قائده عياض بن غنم الفهري (الطبري ٤: ٢٢) . وفي سنة ١٣ كان الوليد يلي لأبي بكر صدقات قضاعة، ثم لما عزم الصديق على فتح الشام كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة، فكتب إلى عمرو بن العاص وإلى الوليد بن عقبة يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد، فسار ابن العاص بلواء الإسلام نحو فلسطين، وسار الوليد بن عقبة قائدا إلى شرق الأردن (الطبري ٤: ٢٩ - ٣٠)، ثم رأينا الوليد في سنة ١٥ أميرا على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة (الطبري ٤: ١٥٥) يحمي ظهور المجاهدين في شمال الشام لئلا يؤتوا من خلفهم، فكانت تحت قيادته ربيعة وتنوخ مسلمهم وكافرهم. وانتهز الوليد بن عقبة فرصة ولايته وقيادته على هذه الجهة التي كانت لا تزال مليئة بنصارى القبائل العربية فكان - مع جهاده الحربي وعمله الإداري - داعيا إلى الله يستعمل جميع أساليب الحكمة والموعظة الحسنة لحمل نصارى إياد وتغلب على أن يكونوا مسلمين كسائر العرب. وهربت منه إياد إلى الأنضول وهو تحت حكم البيزنطيين، فحمل الوليدُ خليفته عمرَ على كتابة كتاب تهديد إلى قيصر القسطنطينية بأن يردهم إلى حدود الدولة الإسلامية، حاولت تغلب أن تتمرد على الوليد في نشره الدعوة الإسلامية بين شبانها وأطفالها، فغضب غضبته المضرية المؤيدة بالإيمان الإسلامي، وقال فيهم كلمته المشهورة: إذا ما عصبتُ الرأسَ مني بمشوذ فغيّكِ مني تغلب ابنة وائل وبلغت هذه الكلمة عمر، فخاف أن يبطش قائده الشاب بنصارى تغلب فيفلت من يده زمامهم في الوقت الذي يحاربون فيه مع المسلمين حمية للعروبة، فكف عنهم يد الوليد ونحاه عن منطقتهم. وبهذا الماضي المجيد جاء الوليد في خلافة عثمان فتولى الكوفة له، وكان من خير ولاتها عدلا ورفقا وإحسانا، وكانت جيوشه مدة ولايته على الكوفة تسير في آفاق الشرق فاتحة ظافرة موفقة على ما سنذكره فيما بعد.
[ ٨٥ ]
والولايةُ اجتهاد (١) وقد عزل عمر سعد بن أبي وقاص وقدم أقل
_________________
(١) للمؤلف في أواخر هذا الكتاب ص ٢٤٣ فصل عنوانه (نكتة) أشار فيه إلى المعاني والحقائق التي يلاحظها ولي الأمر عند " اجتهاده " في تولية الولاة وعزلهم، وذلك لفقه عظيم ومعارف بديعة بينها أئمة الإسلام وعلماؤه في الفصول التي عقدوها للإمامة وسياسة الدولة وفي كتبهم المصنفة في أصول الدين. وقد زعم طاغية الشيعة ومدلسهم الحسن بن المطهر الحلي في كتابه منهاج الكرامة أن عثمان ولى أمور المسلمين من لا يصلح للولاية، فأجابه شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة ٣: ١٧٣ - ١٧٦ والمنتقى منه للذهبي ٣٨٢ - ٣٨٣) أن عليا - ﵁ - ولى زياد بن أبي سفيان وولى الأشتر النخعي وولى محمد بن أبي بكر وأمثال هؤلاء، ولا يشك عاقل أن معاوية بن أبي سفيان كان خيرا من هؤلاء كلهم. قال: ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان أنه ولى أقاربه من بني أمية، ومعلوم أن عليا ولى أقاربه من قبل أبيه وأمه، فولى عبيد الله بن عباس على اليمن، وولى على مكة والطائف قثم بن العباس، وأما المدينة فقيل إنه ولى عليها سهل بن حنيف وقيل ثمامة بن العباس، وأما البصرة فولى عليها عبد الله بن عباس، وولى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي رباه في حجره (لأنه تزوج أمه بعد وفاة أبي بكر وكان محمد صغيرا) . ثم إن الإمامية تدعي أن عليا نص على أولاده في الخلافة - أو على ولده، وولده على ولده الآخر وهلم جرا - ومن المعلوم إن كان تولية الأقربين منكرا، فتولية الخلافة العظمى أولى من إمارة بعض الأعمال. . . وإذا قال القائل: لعليّ حجة فيما فعله، قيل له: وحجة عثمان فيما فعله أعظم. وإذا ادعى لعلي العصمة ونحوها مما يقطع عنه ألسنة الطاعنين، كان ما يدعى لعثمان من " الاجتهاد " الذي يقطع ألسنة الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول. . . ثم قال: إن بني أمية كان رسول الله ﷺ يستعملهم في حياته، واستعملهم بعده من لا يتهم بقرابة فيهم: أبو بكر وعمر، ولا تعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمال لرسول الله ﷺ أكثر من بني عبد شمس، لأنهم كانوا كثيرين، وكان فيهم شرف وسؤدد، فاستعمل النبي ﷺ في عزة الإسلام على أفضل الأرض مكة عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، واستعمل على نجران أبا سفيان بن حرب بن أمية، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص على صدقات بني مذحج وعلى صنعاء واليمن حتى مات رسول الله ﷺ، واستعمل عثمان بن سعيد بن العاص على تيماء وخيبر وقرى عرينة، واستعمل أبان بن سعيد بن العاص على بعض السرايا ثم استعمله على البحرين فلم يزل عليها بعد العلاء الحضرمي (حليف بني أمية) حتى توفي النبي ﷺ، فيقول عثمان: أنا لم أستعمل إلا من استعمله النبي ﷺ ومن جنسهم ومن قبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده. . . فكان الاحتجاج على جواز الاستعمال من بني أمية بالنص الثابت عن النبي ﷺ أظهر عند كل عاقل من دعوى كون الخلافة في واحد معين من بني هاشم بالنص، لأن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالنقل، وذلك صدق باتفاق أهل العلم بالنقل (وانظر أيضا منهاج السنة ٣: ٢٣٦ - ٢٣٧) . والذي يستعرض حياة عمال عثمان وجهادهم وفضائلهم يراهم في الذروة العليا من رجال الدولة، ولا يتردد في أنهم من بناة الأساس الأقوم من مجد الإسلام الإداري والعسكري، ولهم ثواب نتائجه في الفتوح وانتشار دعوة الإسلام بما يعده التاريخ من معجزاته الخارقة للعادات.
[ ٨٧ ]
منه درجة (١) .