٣ - وأما جمع القرآن، فتلك حسنته العظمى، وخصْلتُه الكبرى، وإن كان وَجدها كاملة، لكنه أظهرها وردَّ الناس إليها، وحسم مادة الخلاف فيها. وكان نفوذُ وعد الله بحفظ القرآن على يديه حسبما بيناه في كتب القرآن وغيرها (٢) .
روى الأئمة بأجمعهم (٣) أن زيد بن ثابت قال: أرسل إليّ أبو بكر
_________________
(١) أي على ادعاء الكاذبين أعداء أصحاب رسول الله ﷺ أن أمير المؤمنين عثمان ضرب عمارا حتى فتق أمعاءه، وضرب ابن مسعود حتى كسر أضلاعه ومنعه عطاءه! .
(٢) أي في مؤلفات ابن العربي المتعلقة بعلوم القرآن، وقد ذكرنا في ترجمته (ص٢٧ - ٢٨) أن منها (أنوار الفجر) في ثمانين أو تسعين مجلدا، و(قانون التأويل) من مؤلفاته الكبرى، و(أحكام القرآن) المطبوع في مصر، و(كتاب المشكلين) و(الناسخ والمنسوخ) .
(٣) وفي مقدمتهم الإمام أحمد في مسنده (١: ١٣ الطبعة الأولى - رقم ٧٦ الطبعة الثانية. و٥: ١٨٨ - ١٨٩ الطبعة الأولى) . والإمام البخاري في صحيحه (كتاب التفسير ك ٦٥ السورة ٩ ب ٢٠ ج ٥ ص ٢١٠ - ٢١١. وكتاب فضائل القرآن ك ٦٦ ب٣ و٤ ج ٦ ص ٨٨ - ٩٩، وكتاب الأحكام ك ٩٣ ب ٣٧ ج٨ ص١١٨ - ١١٩. وكتاب التوحيد ك ٩٧ ب٢٢ ج٨ ص١٧٦ - ١٧٧) .
[ ٦٦ ]
مقتل أهل اليمامة (١) فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: " إن عمر أتانا فقال: إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتلُ بالقرّاء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تجمع القرآن. قلتُ لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله
_________________
(١) وذلك لما ارتدت بنو حنيفة برئاسة مسيلمة الكذاب وبتحريض عدو الله الرَّجال بن عنفوة بن نهشل الحنفي. وكانت قيادة المسلمين لسيف الله خالد بن الوليد، واستشهد في هذه الملحمة زيد بن الخطاب أخو عمر. وكان حفظة القرآن من الصحابة يتواصون بينهم ويقولون: يا أصحاب سورة البقرة بطل السحر اليوم. وتحنط خطيب الأنصار وحامل لوائهم ثابت بن قيس ولبس كفنه وحفر لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقيه ولم يزل يقاتل وهو ثابت بالراية في موضعه حتى استشهد. وقال المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة: أتخشى أن نؤتى من قبلك؟ فأجاب: بئس حامل القرآن أنا إذن. وقاتل حتى استشهد. وقال أبو حذيفة: زينوا القرآن بالفعال، وما زال يقاتل حتى أصيب، وممن استشهد يومئذ حزن بن أبي وهب المخزومي جد سعيد بن المسيب، وكان شعار الصحابة يومئذ: وامحمداه! وصبروا يومئذ صبرا لم يعهد مثله حتى ألجأوا المرتدين إلى حديقة الموت فاعتصم فيها مسيلمة ورجاله. فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في داخل الحديقة أفتح لكم بابها. فاحتملوه فوق الجحف ورفعوه بالرماح وألقوه في الحديقة من فوق سورها، فما زال يقاتل المرتدين دون بابها حتى فتحه ودخل المسلمون وكان النصر، وممن اقتحم الحديقة أبو دجانة من مجاهدي بدر حتى وصل إلى مسيلمة وعلاه بالسيف فقتله، وكسرت رجله - ﵁ - في تلك الوقعة ثم نال الشهادة. وفي البداية والنهاية (٦: ٣٣٤ - ٣٤٠) أسماء كثيرين من شهداء هذا اليوم العظيم في الإسلام، ومنهم حفظة كتاب الله. والشيعة يذمون موقف الصحابة من مسيلمة وقومه ويدافعون عن المرتدين. انظر (المنتقى من منهاج الاعتدال) ص٢٧٠ - ٢٧٢.
[ ٦٧ ]
رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيتُ في ذلك الذي رأى عمر ".
قال زيد: قال أبو بكر: " إنك رجل شاب عاقل لا نتّهِمُك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ. فتتبَّع القرآن فاجمعه ". فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمروني به من جمع القرآن. قلتُ: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: " هذا والله خير ". فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعتُ القرآنَ أجمعهُ من العُسُب واللِّخاف وصدور الرجال (١) حتى وجدتُ آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة.
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. حتى قدم حُذيفة بن اليمان على عثمان (٢) وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذْرِبَيجان مع أهل العراق، فحدثه حذيفة عن اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى: فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن
_________________
(١) العسب (جمع عسيب) أي جريدة النخل، وهي السعفة التي لا ينبت عليها الخوص. واللخاف (جمع لخفة) وهي حجارة بيض رقاق. كانوا يكتبون عليها إذا تعذر الورق.
(٢) وحديثه عن ذلك في صحيح البخاري (ك ٦٦ ب ٣ - ج٦ ص٩٩) عن ابن شهاب الزهري عن أنس بن مالك.
[ ٦٨ ]
ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف (١) .
_________________
(١) العناية التي بذلها عظيما الإسلام أبو بكر وعمر، وأتمها أخوهما وصنوهما ذو النورين عثمان في جمع القرآن وتثبيته وتوحيد رسمه، كان لهم بها أعظم المنة على المسلمين، وبها حقق الله وعده في قوله سبحانه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. وقد تولى الخلافة بعد هؤلاء الشيوخ الثلاثة أمير المؤمنين علي فأمضى عملهم وأقر مصحف عثمان برسومه وتلاوته، في جميع أمصار ولايته، وبذلك انعقد إجماع المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام به أبو بكر وعمر وعثمان هو أعظم حسناتهم، بل نقل بعض علماء الشيعة هذا الإجماع على لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. جاء في كتاب تاريخ القرآن لأبي عبد الله الزنجاني (ص٤٦) من شيعة عصرنا أن علي بن موسى المعروف بابن طاوس (٥٨٩ - ٦٦٤) وهو من علمائهم نقل في كتابه (سعد السعود) عن الشهرستاني في مقدمة تفسيره عن سويد بن غفلة [هو أبو أمية الجعفي الكوفي. قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفنه ﷺ وشهد اليرموك. يروي عن أبي بكر وعمر وعلي وعثمان. ويروي عنه النخعي والشعبي وعبدة بن أبي لبابة. ثقة. مات سنة ٨٠ وقيل ٨١ عن مائة وثلاثين سنة.] قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵇ يقول: " أيها الناس، الله، الله، إياكم والغلو في أمر عثمان وقولكم حرّاق المصاحف، فوالله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب رسول الله ﷺ، جمعنا وقال: ما تقولون في هذه القراءة التي اختلف الناس فيها. يلقى الرجل فيقول: قراءتي خير من قراءتك. وهذا يجر إلى الكفر؟ فقلنا: ما الرأي؟ قال: أريد أن أجمع الناس على مصحف واحد، فإنكم إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافا. فقلنا: نِعم ما رأيت ". ومما لا ريب فيه أن البغاة أنفسهم كانوا في خلافة علي - ﵁ - يقرءون في مصاحف عثمان التي أجمع عليها الصحابة وعلي فيهم. ولكن نجم لهم أذناب في العصور التالية فضحوا أنفسهم بسخفهم وكفرهم، كشيطان الطاق محمد بن جعفر الرافضي فيما رواه الإمام ابن حزم في (الفِصَل) ٤: ١٨١ عن الجاحظ قال: أخبرني أبو إسحاق إبراهيم النظام وبشر بن خالد أنهما قالا لمحمد بن جعفر الرافضي المعروف بشيطان الطاق: ويحك، أما استحييت من الله أن تقول في كتابك في الإمامة: إن الله تعالى لم يقل قط في القرآن (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)؟ قالا: فضحك والله شيطان الطاق ضحكا طويلا حتى كأنا نحن الذين أذنبنا. وشيطان الطاق هذا أكبر دعاة الشيعة في زمن الإمامين زيد وابن أخيه جعفر الصادق، وهو الذي ابتدع أكذوبة أن الإمامة معهود بها إلى أشخاص بأعيانهم، ولم يكن أحد يقول بذلك قبل شيطان الطاق هذا. وأنكرها عليه الإمام زيد في مجلس جعفر. ودعوى الرافضة بتبديل القرآن، مع تصريح علي بإجماع الصحابة على ما قام به عثمان، صارت مادة دسمة لدعاة النصارى يحتجون بها، فقال لهم الإمام ابن حزم في الفصل (٢: ٧٨): " إن الروافض ليسوا من المسلمين. . . وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر ". قلت: وآخر من افتضح منهم بهذا الأمر وفضح به الشيعة جميعا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي بكتابه الذي اقترفه في المشهد المنسوب لأمير المؤمنين علي في النجف سنة ١٢٩٢ وطبع في إيران سنة ١٢٩٨ وعندي نسخة منه. وإن من طبيعة التحزب والتعصب والتشيع أن يذهب بعقول أصحابه وأخلاقهم ثم يذهب بحيائهم ودينهم، كما برهن على ذلك علماء علم النفس الاجتماعي وفي مقدمتهم الدكتور غوستاف لبون.
[ ٦٩ ]
وقال عثمان للرهط القُرشيين الثلاثة: " إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم " ففعلوا.
حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمانُ الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أُفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يُحرق.
[ ٧٠ ]
قال ابن شهاب (١) " وأخبرني خارجةُ بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال: " فقدتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنتُ أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة الأنصاري ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فألحقناها في سورتها من المصحف ".
وأما ما روي أنه حرّقها أو خرّقها - بالحاء المهملة أو الخاء المعجمة، وكلاهما جائز - إذا كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه، فقد سلّم في ذلك الصحابة كلهم: إلا أنه روي عن ابن مسعود أنه خطب بالكوفة فقال: " أما بعد، فإن الله قال ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] وإني غالٌّ مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل ". وأراد ابن مسعود أن يؤخذ بمصحفه، وأن يثبت ما يعلم فيه. فلما لم يُفعل ذلك له قال ما قال، فأكرهه عثمان على رفع مصحفه، ومحا رسومه فلم تثبت له قراءة أبدا، ونصر الله عثمان والحق بمحوها من الأرض (٢) .
_________________
(١) فيما رواه عن الإمام البخاري في صحيحه (ك ٥٦ ب١٢ ج٣ ص٢٠٥ - ٢٠٦، وك ٦٤ ب ١٧ ج ٥ ص ٣١، وك ٦٥ السورة ٩ ب ٢٠ والسورة ٣٣ ب٣، وك ٦٦ ب٣ و٤، وك ٩٣ ب٢٧، وك ٩٧ ب٢٢) .
(٢) عبد الله بن مسعود من كبار علماء الصحابة ومن أجودهم قراءة لكتاب الله، وقد أثنى رسول الله ﷺ مرة على حسن تلاوة ابن مسعود للقرآن، فتسارع أبو بكر وعمر ليوصلا إليه البشرى بهذا الثناء النبوي: (انظر مسند أحمد ١: ٢٥ - ٢٦ الطبعة الأولى - رقم ١٧٥ الطبعة الثانية) . إلا أن ابن مسعود كان يكتب ما يوحى من القرآن في مصحفه كلما بلغه نزول آيات منه، فهو يختلف في ترتيب هذه الآيات عما امتازت به مصاحف عثمان من الترتيب بحسب العرض الأخير على رسول الله ﷺ بقدر ما أدى إليه اجتهاد الصحابة المؤيد بإجماعهم. ويحتمل أن يكون ابن مسعود فاته في مصحفه بعض ما استقصاه زيد بن ثابت وزملاؤه من الآيات التي كانت عند آخرين من قراء الصحابة. زد على ذلك أن ابن مسعود كانت تغلب عليه لهجة قومه من هذيل، والنبي ﷺ رخص لمثل ابن مسعود أن يقرءوا بلهجاتهم، ولكن ليس لابن مسعود أن يحمل الأمة في زمنه والأزمان بعده على لهجته الخاصة، فكان من الخير توحيد الأمة على قراءة كتاب ربها باللهجة المضرية التي كان عليها رسول الله ﷺ.
[ ٧١ ]