فإن قيل: لم خرجت عائشة ﵂ وقد قال صلى الله عليه
_________________
(١) نقل الحافظ ابن عساكر (٧: ٨٦-٨٧) قول الشعبي: رأى علي بن أبي طالب طلحة ملقى في بعض الأودية، فنزل فمسح التراب عن وجهه ثم قال: "عزيزي علي أبا محمد أن أراك مجدلا في الأودية وتحت نجوم السماء. إلى الله أشكى عجري وبجري" (قال الأصمعي: أي سرائري وأحزاني التي تجول في جوفي) . وقالت: "ليتني مت قبل هذا الموت بعشرين سنة". وقال أبو حبيبة مولى طلحة: دخلت أنا وعمران بن طلحة على علي بعد الجمل، فرحب بعمران وأدناه وقال: "إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال فيهم (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)، وكان الحارث الأعور (*) جالسا في ناحية فقال: "الله أعدل من أن نقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة"، فقال له علي: "قم إلى أبعد أرض الله وأسحقها، فمن هو ذا إن لم أكن أنا وطلحة في الجنة؟ " وذكر محمد بن عبد الله أن عليا تناول دواة فحذف بها يريده بها فأخطأه. وقال له ابن الكواء (**) "الله أعدل من ذلك" فقام إليه علي بدرة فضربه وقال له "أنت- لا أم لك- وأصحابك تنكرون هذا؟! ". (*) هو الحارث بن عبد الله الهمداني الحوثي أبو زهير الكوفي الأعور أحد كبار الشيعة. قال عنه الشعبي وابن المديني: كذاب. قلت وإنما كان يدفعه إلى الكذاب تحزبه وتشيعه، فالحزبية والتشيع والتصعيب المذهبي من مدارج الباطل، والإسلام دين الاعتدال والإنصاف والصدق وأن تقول بالحق ولو على نفسك. (**) ابن الكواء: عبد الله بن أبي أوفى الشكري أحد القائمين بالفتنة على عثمان وبعد صفين والتحكيم كان على رأس الخوارج على علي. فلما حاجهم علي وابن عباس رجع إلى علي قبل وقعة النهروان.
[ ١٥٩ ]
وسلم لهن في حجة الوداع «هذه ثم ظهور الحصر» (١) . قلنا: حدث حديثين امرأة، فإن أبت فأربعة. يا عقول النسوان ألم أعهد إليكم ألا ترووا أحاديث البهتان، وقدمنا لكم على صحة خروج عائشة البرهان (٢) فلم تقولون ما لا تعلمون؟ وتكررون ما وقع الانفصال عنه كأنكم لا تفهمون؟
_________________
(١) في مسند أحمد (٢: ٤٤٦ الطبعة الأولى) من حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لما حج بنسائه قال «إنما هي هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر» . وفيه (٥: ٢١٨ الطبعة الأولى) من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أنه ﷺ قال لنسائه في حجته «هذه ثم ظهور الحصر»، وحديث أبي واقد في باب فرض الحج من كتاب المناسك بسنن أبي داود (ك ١١ ب ١) . والحصر جمع حصير، أي لزوم المنزل. ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢١٥) على أنه إشارة نبوية إلى أنه ﷺ ينعى لهن نفسه، وأن هذه آخر حجة له ﷺ، وليس فيه أمر منه بأن لا يزيلن الحصر إلى حج أو مصلحة أو إصلاح بين الناس. فاستشهاد أعداء الصحابة بهذا الحديث على المنع مطلقًا عده القاضي ابن العربي من البهتان، لأنه استشهاد به لغير ما أراده النبي ﷺ.
(٢) روى الإمام ابن حزم في بحث «وجوه الفضل والمفاضلة» من كتاب (الإمامة والمفاضلة) المدرج في الجزء الرابع من (الفصل) ص ١٣٤ عن شيخه أحمد بن محمد الخوزي عن أحمد بن الفضل الدينوري عن محمد بن جرير الطبري أن علي بن أبي طالب بعث عمار بن ياسر والحسن بن علي إلى الكوفة إذ خرجت أم المؤمنين إلى البصرة، فلما أتياها اجتمع إليهما الناس في المسجد، فخطبهم عمار، وذكر لهم خروج عائشة أم المؤمنين إلى البصرة ثم قال لهم: «إني أقول لكم، ووالله إني لأعلم أنها زوجة رسول الله ﷺ كما هي زوجته في الدنيا، ولكن الله ابتلاكم بها لتطعيوها أو لتطيعوه» فقال له مسروق (ابن الأجدع الهمداني) أو أبو الأسود (الدؤلي): «يا أبا اليقظان فنحن مع من شهدت له بالجنة دون من لم تشهد له» فسكت عمار! .
[ ١٦٠ ]
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]