وقد كان النبي ﷺ أخبر بأن عمر شهيد، وبأن عثمان شهيد، وبأن له الجنة على بلوى تصيبه (١) .
_________________
(١) في كتاب فضائل الصحابة من صحيح البخاري (ك ٦٢ ب ٧ - ج ٤ ص ٢٠٢) حديث أبي موسى الأشعري قال: إن النبي ﷺ دخل حائطا (أي بستانا) وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن، فقال ﷺ: " ائذن له وبشره بالجنة " فإذا أبو بكر. ثم جاء آخر يستأذن، فقال: " ائذن له وبشره بالجنة " فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة ثم قال: " ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه " فإذا عثمان بن عفان. (وانظر صحيح البخاري ك ٦٢ ب ٥ و٦ - ج ٤ ص ١٩٥ - ١٩٧ و٢٠١ - ٢٠٢) ومثله في كتاب فضل الصحابة من صحيح مسلم (ك ٤٤ ح ٢٨ و٢٩ - ج ٧ ص ١١٧ - ١١٩) من حديث أبي موسى الأشعري أيضا. وروى ابن ماجه في الباب ١١ رقم ١١١ من مقدمة السنن (ج ١ ص ٤١ بتحقيق الأستاذ فؤاد عبد الباقي) عن محمد بن سيرين من أئمة التابعين، عن كعب بن عجرة البلوي حليف الأنصار وأحد الذين شهدوا عمرة الحديبية مع رسول الله ﷺ ونزلت فيه آية الفدية ١٩٥ من سورة البقرة، قال كعب بن عجرة: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقربها، فمر رجل مقنع رأسه، فقال رسول الله ﷺ: " هذا يومئذ على الهدى " فوثبت فأخذت بضبعي عثمان، ثم استقبلت رسول الله ﷺ فقلت: هذا؟ قال: هذا. ومن مسند أحمد (١: ٥٨ الطبعة الأولى - رقم ٤٠٧ الطبعة الثانية) عن أبي سهلة مولى عثمان - وهو تابعي ثقة - أن عثمان قال يوم الدار حين حصر: " إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا، فأنا صابر عليه " والحديث عند الترمذي (٤: ٣٢٤) من طريق وكيع. وقال حديث حسن صحيح. وعند ابن ماجه (١: ٤١، ٤٢ رقم ١١٢، ١١٣) حديثان أحدهما لأبي سهلة مولى عثمان والآخر لعائشة. وأوردهما الحاكم في المستدرك على الصحيحين (١: ٩٩) عن عائشة.
[ ٥٥ ]
وهو وزوجه رقية ابنة رسول الله ﷺ أول مهاجر بعد إبراهيم الخليل ﷺ، دخل به في باب " أول من. . (١) " وهو علم كبير جمعه الناس.
ولما صحت إمامته قتل مظلوما (٢) وليقضي الله أمرا كان مفعولا.
_________________
(١) للجلال السيوطي وغيره من العلماء قبله وبعده كتب ألفوها في تسمية الأشخاص الذين سبقوا غيرهم إلى شيء من الأعمال المحمودة وغيرها، فيقولون (مثلا): كان عثمان أول من هاجر في سبيل الله الهجرة الأولى إلى الحبشة.
(٢) روى الإمام أحمد في مسنده (٢: ١١٥ الطبعة الأولى - ج ٨ رقم ٥٩٥٣ الطبعة الثانية) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل، فقال ﷺ: " يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما " قال (عبد الله بن عمر): فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان. قال الشيخ أحمد شاكر: والحديث رواه الترمذي (٤: ٣٢٣) ونقل شارحه عن الحافظ ابن حجر أنه قال إسناده صحيح. وروى الحاكم في المستدرك (٣: ١٠٢) نحوه من حديث مرة بن كعب وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
[ ٥٦ ]
ما نصب حربا (١) ولا جيش عسكرا (٢) ولا سعى إلى فتنة (٣) ولا دعا إلى بيعة (٤) ولا حاربه ولا نازعه من هو من أضرابه ولا أشكاله (٥) ولا كان يرجوها لنفسه، ولا خلاف أنه ليس لأحد أن يفعل ذلك في غير
_________________
(١) أي لقتال أهل القبلة. أما حروبه لإعلاء كلمة الله ونشر دعوة الحق فكانت من أنشط ما عرفه التاريخ الإسلامي.
(٢) أي للدفاع عن نفسه، وكبح جماح البغاة عليه.
(٣) بل كان أشد خلق الله كرها لها وحرصا على تضييق دائرتها، حقنا لدماء المسلمين، ولو أدى ذلك به إلى أن يكون هو ضحية لغيره.
(٤) وإنما أتته منقادة على غير تشوف منه إليها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٣: ١٦٤): إن الصحابة اجتمعوا على عثمان ﵁ لأن ولايته كانت أعظم مصلحة وأقل مفسدة من ولاية غيره. ثم قال في الصفحة التالية: ولا ريب أن الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض - أي الذين عينهم عمر - لا يوجد أفضل منهم، وإن كان في كل منهم ما كرهه فإن غيرهم يكون فيه من المكروه أعظم، ولهذا لم يتول بعد عثمان خير منه ولا أحسن سيرة.
(٥) أضراب أمير المؤمنين عثمان وأشكاله هم إخوانه الذين أشركهم أمير المؤمنين عمر في الشورى، أما الذين استطاع عبد الله بن سبأ وتلاميذه أن يوقعوهم في حبائل الفتنة فبينهم وبين مستوى أهل الشورى أبعد مما بين الحضيض والقمة، بل أبعد مما بين الشر والخير. وإن الشر الذي أقحموه على تاريخ الإسلام بحماقاتهم وقصر أنظارهم لو لم يكن من نتائجه إلا وقوف حركة الجهاد الإسلامي فيما وراء حدود الإسلام سنين طويلة لكفى به إثما وجناية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ١٨٦): إن خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان. لا قتل، ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن. وكان علي ﵁ يقول " اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل ".
[ ٥٧ ]
عثمان، فكيف بعثمان ﵁! .