عاصمة قال القاضي أبو بكر (﵁): هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط. وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع (١) .
_________________
(١) إن التاريخ الإسلامي لم يبدأ تدوينه إلا بعد زوال بني أمية وقيام دول لا يسر رجالها التحدث بمفاخر ذلك الماضي ومحاسن أهله. فتولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف: طائفة كانت تنشد العيش والجدة من التقرب إلى مبغضي بني أمية بما تكتبه وتؤلفه. وطائفة ظنت أن التدوين لا يتم، ولا يكون التقرب إلى الله، إلا بتشويه سمعة أبي كبر وعمر وعثمان وبني عبد شمس جميعا. وطائفة ثالثة من الإنصاف والدين- كالطبري وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير- رأت أن من الإنصاف أن تجمع أخبار الإخباريين من كل المذاهب والمشارب- كلوط بن يحيى الشيعي المحترق، وسيف بن عمر العراقي المعتدل- ولعل بعضهم اضطر إلى ذلك إرضاء لجهات كان يشعر بقوتها ومكانتها. وقد أثبت أكثر هؤلاء أسماء رواة الأخبار التي أوردها ليكون الباحث على بصيرة من كل خبر بالبحث عن حال راويه. وقد وصلنا إلى هذه التركة لا على أنها هي تاريخنا، بل على أنها مادة غزيرة للدرس والبحث يستخرج منها تاريخنا، وهذا ممكن وميسور إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المراجع، وله من الألمعية ما يستخلص به حقيقة ما وقع ويجردها عن الذي لم يقع، مكتفيا بأصول الأخبار الصحيحة مجردة عن الزيادات الطارئة عليها. وإن الرجوع إلى كتب السنة، وملاحظات أئمة الأمة. مما يسهل هذه المهمة. وقد آن لنا أن نقوم بهذا الواجب الذي أبطأنا فيه كل الإبطاء، وأول من استيقظ في عصرنا للدسائس المدسوسة على تاريخ بني أمية العلامة الهندي الكبير الشيخ شبلي النعماني في انتقاده لكتاب جرجي زيدان، ثم أخذ أهل الألمعية من المنصفين في دراسة الحقائق، فبدأت تظهر لهم وللناس منيرة مشرقة، ولا يبعد- إذا استمر هذا الجهاد في سبيل الحق- أن يتغير فهم المسلمين لتاريخهم ويدركوا أسرار ما وقع في ماضيهم من معجزات.
[ ١٧٧ ]
وإنما الذي روى الأئمة الثقات الأثبات أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر - في عصبة كريمة من الناس منهم ابن عمر ونحوه - عزل عمرو معاوية (١) .
ذكر الدارقطني بسنده إلى حضين بن المنذر (٢) لما عزل عمرو معاوية جاء [أي حضين بن المنذر] فضرب فسطاطه قريبًا من فسطاط معاوية، فبلغ نبأه معاوية، فأرسل إليه فقال: إنه بلغني عن هذا [أي عن عمرو] كذا وكذا (٣) فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه، فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت وأبو موسى كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ما كان الأمر على ما قالوا (٤) ولكن قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ. قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما
_________________
(١) أي بتقريره مع أبي موسى أن إمامة المسلمين يترك النظر فيها إلى أعيان الصحابة.
(٢) قال الدارقطني: حدثنا إبراهيم بن همام، حدثنا أبو يوسف الفلوسي وهو يعقوب بن عبد الرحمن بن جرير، حدثنا الأسود بن شيبان، عن عبد الله بن مضارب عن حضين بن المنذر (وحضين من خواص علي الذين حاربوا معه) .
(٣) أي عزله عليا ومعاوية، وتفويضه الأمر إلى كبار الصحابة.
(٤) أي أنهما لم يعزلا، لم يوليا، ولكن تركا الأمر لأعيان الصحابة.
[ ١٧٨ ]
فطالما استغنى أمر الله عنكما قال: فكانت هي التي فتل معاوية منها نفسه: فأتيته فأخبرته [أي فأتى حضين معاوية فأخبره] أن الذي بلغه عنه كما بلغه. فأرسل إلى أبي الأعور الذكواني (١) فبعثه في خيله، فخرج يركض فرسه ويقول: أين عدو الله أين هذا الفاسق؟ .
قال أبو يوسف (٢) أظنه قال «إنما يريد حوباء نفسه» فخرج [عمرو] إلى فرس فسطاط فجال في ظهره عريانًا، فخرج يركضه نحو فسطاط معاوية وهو يقول «إن الضجور قد تحتلب العلبة، يا معاوية إن الضجور قد تحتلب العلبة (٣») فقال معاوية «أجل، وتربذ الحالب فتدق أنفه، وتكفأ إناءه (٤») .
_________________
(١) هو أبو الأعور السلمي (وذكوان قبيلة من سليم) واسمه عمرو بن سفيان، كان من كبار قواد معاوية. وفي حرب صفين طلب الأشتر أن يبارزه فترفع أبو الأعور السلمي عن ذلك لأنه لم ير الأشتر من أنداده. انظر المنتقى من منهاج الاعتدال ص٢٦٤.
(٢) أي الفلوسي راوي هذا الخبر عن الأسود بن شيبان عن عبد الله بن مضارب عن حضين.
(٣) الضجور: الناقة التي ترغو وتعربد عند الحلب. و"قد تحلب الضجور العلبة" مثل، ومعناه: إن الناقة التي ترغو قد تحلب ما يملأ العلبة، وهي قدح ضخم يحلب فيه اللبن. يضربونه للسيئ الخلق قد يصاب منه الرفق واللين، وللبخيل قد يستخرج منه المال.
(٤) ربذت يده بالقداح أي خفت: والربذ خفة القوائم في المشي، وخفة الأصابع في العمل. وفلان ذو ربذات: أي ذو فلتات وكثير السقط في كلامه.
[ ١٧٩ ]
قال الدارقطني - وذكر سند عدلًا (١) ربعي عن أبي موسى أن عمرو بن العاص قال: «والله لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال وهو يحل لهما منه شيء لقد غبنا ونقص رأيهما. وايم الله ما كانا مغبونين ولا ناقصي الرأي. ولئن كانا امرأين يحرم عليهما هذا المال الذي أصبناه بعدهما لقد هلكنا. وايم الله ما جاء الوهم إلا من قبلنا (٢») .
فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه. فأعرضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين وعرجوا عن سبيل الناكثين، إلى سنن المهتدين. وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين.
وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله ﷺ، فقد هلك من كان أصحاب النبي ﷺ خصمه. ودعوا ما مضى فقد قضى الله ما قضى. وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقادًا وعملًا. ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعينكم مع كل ناعق اتخذ الدين هملًا، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ورحم الله الربيع بن خثيم (٣) فإنه لما قيل له: قتل الحسين! قال: أقتلوه؟ قالوا: نعم. فقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] (الزمر: ٤٦) .
_________________
(١) قال حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ودعلج بن أحمد قالا: حدثنا محمد بن أحمد بن النضر، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الله بن عمر، عن ربعي. . . إلخ وربعي هو ابن حراش العبسي أبو مريم الكوفي.
(٢) أورد المؤلف هذا الخبر للدلالة على ورع عمرو ومحاسبته لنفسه وتذكيرها بسيرة السلف.
(٣) هو من تلاميذ عبد الله بن مسعود وأبي أيوب الأنصاري وعمرو بن ميمون، وأخذ عنه الإمام الشعبي وإبراهيم النخعي وأبو بردة. قال له ابن مسعود: لو رآك النبي ﷺ لأحبك. توفي سنة ٦٤.
[ ١٨٠ ]
ولم يزد على هذا أبدًا. فهذا العقل والدين، والكف عن أحوال المسلمين، والتسليم لرب العالمين.