١٢ - وأما قول القائلين في مروان والوليد فشديد عليهم، وحكمهم
_________________
(١) كان ذلك سنة ٢١، والذين تولوا بعد سعد: عبد الله بن عبد الله بن عتبان (وفي زمانه كانت وقعة نهاوند) ثم زياد بن حنظلة (وألح في الاستعفاء فأعفي) وولي بعدهما عمار بن ياسر (الطبري ٤: ٢٤٦ وما قبلها) .
[ ٨٨ ]
عليهما بالفسق فسقٌ منهم.
مروان رجل عدل، من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. أما الصحابة فإن سهل بن سعد الساعدي روى عنه (١) . وأما التابعون فأصحابه في السن، وإن جازهم باسم الصحبة في أحد القولين (٢) . وأما فقهاء الأمصار فكلهم على تعظيمه واعتبار خلافته،
_________________
(١) وروايته عنه في صحيح البخاري وغيره.
(٢) وفي طليعة من روى عنه من كبار التابعين زين العابدين بن علي بن الحسين السبط، نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ١٢٣)، والحافظ ابن حجر في الإصابة، وترى تفصيله في طبقات الشافعية الكبرى للتاج السبكي في ترجمة اللغوي الشهير أبي منصور محمد بن أحمد بن الأزهر صاحب تهذيب اللغة (٢٨٢ - ٣٧٠) . وممن نص الحافظ ابن حجر على روايتهم عن مروان: سعيد بن المسيب رأس علماء التابعين، وإخوانه من الفقهاء السبعة أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وأضرابهم كعراك بن مالك الغفاري المدني فقيه أهل دهلك وكان يصوم الدهر، وكعبد الله بن شداد بن الهاد أحد الرواة عن عمر وعلي ومعاذ. وإن رواية عروة بن الزبير عن مروان في كتاب الوكالة من صحيح البخاري (ك ٤٠ ب٧ - ج٣ ص ٦٢) وفي مسند الإمام أحمد (الطبعة الأولى ٤: ٣٢١ و٣٢٣ و٣٢٦ و٣٢٨ و٥: ١٨٩) . ورواية عراك عن مروان نقلها إمام أهل مصر الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب في مسند أحمد (٤: ٣٢٨) ورواية عبد الله بن شداد بن الهاد عن مروان في مسند أحمد (٧: ٣١٧ و٣٢٣) . والذي يتأمل الأحاديث المروية عن مروان يجد جملتها من الأئمة الثقات تتسلسل روايتهم عنه مدة جيلين وأكثر وكلهم أعلى مرتبة في الإسلام من الذين يبردون الغل الذي في قلوبهم بالطعن في مروان ومن هو خير من مروان، بل في رواة أحاديث مروان عبد الرزاق إمام أهل اليمن وكانت فيه نزعة تشيع. وفي مسند أحمد (٦: ٢١٢) حديث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه كان رسول مروان إلى أم المؤمنين أم سلمة في تحقيق بعض الأحكام الشرعية وفي ٦: ٢٩٩ من مسند أحمد نموذج لعظيم عناية مروان بسنة رسول الله ﷺ بأقصى ما يمكن أن يصدر عن أئمة المسلمين وأمرائهم.
[ ٨٩ ]
والتلفت إلى فتواه، والانقياد إلى روايته وأما السفهاء من المؤرخين والأدباء فيقولون على أقدارهم.
وأما الوليد فقد روى بعض المفسرين أن الله سماه فاسقا في قوله ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] فإنها - في قولهم - نزلت فيه، أرسله النبي ﷺ إلى بني المُصطلق، فأخبر عنهم أنهم ارتدوا، فأرسل رسول الله ﷺ إليهم خالد بن الوليد فتثبت في أمرهم فبين بطلان قوله. وقد اختُلف فيه، فقيل: نزلت في ذلك (١) وقيل: في علي والوليد في قصة أخرى، وقيل: إن الوليد سبق يوم الفتح في جملة الصبيان
_________________
(١) كنت فيما مضى أعجب كيف تكون هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة ويسميه الله فاسقا، ثم تبقى له في نفس خليفتي رسول الله ﷺ أبي بكر وعمر المكانة التي سجلها له التاريخ وأوردنا الأمثلة عليها في هامش ص٨٦ عند استعراضنا ماضيه في بضعة عشر عاما قبل أن يوليه عثمان الكوفة، إن هذا التناقض - بين ثقة أبي بكر وعمر بالوليد بن عقبة، وبين ما كان ينبغي أن يعامل به لو أن الله سماه فاسقا - حملني على الشك في أن تكون الآية نزلت فيه، لا استبعادا لوقوع أمر من الوليد يعد به فاسقا، ولكن استبعادا لأن يكون الموصوم بالفسق في صريح القرآن محل الثقة من رجلين لا نعرف في أولياء الله ﷿ بعد رسوله ﷺ من هو أقرب إلى الله منهما. وبعد أن ساورني هذا الشك أعدت النظر في الأخبار التي وردت عن سبب نزول الآية " إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ. . . "، فلما عكفت على دراستها وجدتها موقوفة على مجاهد، أو قتادة أو ابن أبي ليلى، أو يزيد بن رومان، ولم يذكر أحد منهم أسماء رواة هذه الأخبار في مدة مائة سنة أو أكثر مرت بين أيامهم وزمن الحادث، وهذه المائة من السنين حافلة بالرواة من مشارب مختلفة، وإن الذين لهم هوى في تسويء سمعة مثل الوليد ومن هم أعظم مقاما من الوليد قد ملأوا الدنيا أخبارا مريبة ليس لها قيمة علمية. وما دام رواة تلك الأخبار في سبب نزول الآية مجهولين من علماء الجرح والتعديل بعد الرجال الموقوفة هذه الأخبار عليهم، وعلماء الجرح والتعديل لا يعرفون من أمرهم حتى ولا أسمائهم، فمن غير الجائز شرعا وتاريخا الحكم بصحة هذه الأخبار المنقطعة التي لا نسب لها وترتيب الأحكام عليها. وهنالك خبران موصولان أحدهما عن أم سلمة زعم موسى بن عبيدة أنه سمعه من ثابت مولى أم سلمة. وموسى بن عبيدة ضعفه النسائي وابن المديني وابن عدي وجماعة. وثابت المزعوم أنه مولى أم سلمة ليس له ذكر في كل ما رجعت إليه من كتب العلم، فلم يذكر في تهذيب التهذيب ولا في تقريب التهذيب ولا في خلاصة تذهيب الكمال، بل لم أجده ولا في قفصي الاتهام أعني (ميزان الاعتدال) و(لسان الميزان) . وذهبت إلى مجموعة أحاديث أم سلمة في مسند الإمام أحمد فقرأتها واحدا واحدا فلم أجد فيها هذا الخبر، بل لم أجد لأم سلمة أي خبر ذكر فيه اسم مولى لها يدعى ثابتا، زد على كل هذا أن أم سلمة لم تقل في هذا الخبر - إن صح عنها، ولا سبيل إلى أن يصح عنها -: إن الآية نزلت في الوليد، بل قالت - أي قيل على لسانها -: " بعث رسول الله ﷺ (رجلا) في صدقات بني المصطلق ". والخبر الثاني الموصول رواه الطبري في التفسير عن ابن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس: والطبري لم يلق ابن سعد ولم يأخذ عنه، لأن ابن سعد لما توفي ببغداد سنة ٢٣٠ كان الطبري طفلا في نحو السادسة من عمره ولم يخرج إلى ذلك الحين من بلد آمل في طبرستان لا إلى بغداد ولا لغيرها. وابن سعد وإن كان في نفسه من أهل العدالة في الدين والجلالة في العلم، إلا أن هذه السلسلة من سلفه يجهل علماء الجرح والتعديل أسماء أكثرهم فضلا عن أن يعرفوا شيئا من أحوالهم (وبعد كتابة ما تقدم للطبعة الأولى من كتابنا تبين لي أن ابن سعد الذي روى عنه الطبري هو محمد بن سعد العوفي. وقد وصف الشيخ أحمد شاكر سنده بأنه " سند مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة ". انظر تفسير الطبري طبعة دار المعارف ١: ٢٦٣ - ٢٦٤) . فكل هذه الأخبار من أولها إلى آخرها لا يجوز أن يؤاخذ بها مُجاهِدٌ كان موضع ثقة أبي بكر وعمر، وقام بخدمات للإسلام يرجى له بها أعظم المثوبة إن شاء الله. أضف إلى كل ما تقدم أنه في الوقت الذي حدثت فيه لبني المصطلق الحادثة التي نزلت فيها الآية كان الوليد صغير السن كما سيأتي في الفقرة التالية.
[ ٩٠ ]
إلى رسول الله ﷺ فمسح رؤوسهم وبرك عليهم، إلا هو فقال: إنه كان على رأسي خَلُوق، فامتنع ﷺ من مسه.
[ ٩١ ]
فمن يكون في مثل هذه السن يُرسل مصدقا؟ ! (١) .
وبهذا الاختلاف يسقط
_________________
(١) هذا الخبر عن سن الوليد بن عقبة يوم فتح مكة رواه الإمام أحمد في مسنده (٤: ٣٢ الطبعة الأولى) عن شيخ له هو فياض بن محمد الرقي عن جعفر بن برقان الرقي عن ثابت بن الحجاج الكلابي الرقي عن عبد الله الهمداني وهو (عبد الله بن مالك بن الحارث) عن الوليد بن عقبة، والظاهر أن الوليد بن عقبة تحدث بهذا الحديث عندما اعتزل الناس في السنين الأخيرة من حياته واختار الإقامة في قرية له من أعمال الرقة، فتسلسلت رواية الخبر في الرواة الرقيين وأخذه الإمام أحمد عن شيخ له منهم. وعبد الله الهمداني ثقة، لكن التبس اسمه في غير هذه الرواية بهمداني آخر يكنى أبا موسى واسمه مالك بن الحارث (أي على اسم والد عبد الله الهمداني) وهو مجهول عند أهل الجرح والتعديل، أما عبد الله الهمداني الذي ينتهي إليه الخبر في رواية الإمام أحمد فمعروف وموثوق به، وعلى روايته وأمثالها اعتمد القاضي ابن العربي في الحكم على سن الوليد بن عقبة بأنه كان صبيا عند فتح مكة وأن الذي نزلت فيه آية " إَِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ " هو شخص آخر. ومن عجيب أمر الذين كان لهم هوى في تشويه هذا الصحابي الشاب المجاهد الطيب النفس الحسن السيرة في الناس أنهم حاولوا إدحاض حجة صغر سنه في ذلك الوقت بخبر آخر روي عن قدومه مع أخيه عمارة إلى المدينة في السنة السابعة للهجرة ليطلبا من النبي ﷺ رد أختهما أم كلثوم إلى مكة. وأصل هذا الخبر - إن صح - مقدّم فيه اسم عمارة على اسم الوليد، وهذا مما يستأنس به في أن عمارة هو الأصل في هذه الرحلة وأن الوليد جاء في صحبته، وأي مانع يمنع قدوم الوليد صبيا بصحبة أخيه الكبير كما يقع مثل ذلك في كل زمان ومكان؟ فقول الوليد إنه كان في سنة الفتح صبيا ليس في خبر قدومه مع أخيه الكبير إلى المدينة في السنة السابعة ما يمنعه أو يناقضه. فإذا تقرر عندك أن جميع الأخبار الواردة بشأن الوليد بن عقبة في سبب نزول آية " إَِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ " لا يجوز علميا أن يبنى عليها حكم شرعي أو تاريخي، وإذا أضفت إلى ذلك حديث مسند الإمام أحمد عن سن الوليد في سنة الفتح، يتبين لك بعد ذلك حكمة استعمال أبي بكر وعمر للوليد وثقتهما به واعتمادهما عليه مع أنه كان لا يزال في صدر شبابه.
[ ٩٢ ]
العلماء الأحاديث القوية. وكيف يفسق رجل بمثل هذا الكلام؟ فكيف برجل من أصحاب محمد ﷺ؟ ! .
وأما حده في الخمر، فقد حد عمر قدامة بن مظعون على الخمر وهو أمير وعزله، وقيل إنه صالحه (١) .
_________________
(١) قدامة بن مظعون الجمحي أحد السابقين الأولين، هاجر الهجرتين وشهد بدرا، وكان صهر أمير المؤمنين عمر على أخته، وقيل بل هو خال أم المؤمنين حفصة بنت عمر وأخيها عبيد الله. وفي إمارة قدامة على البحرين في خلافة عمر قدم الجارود سيد بني عبد القيس على عمر من البحرين وادعى أن قدامة شرب فسكر. فقال له عمر: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة. فاستشهد أبا هريرة فقال: لم أره شرب، ولكني رأيته سكران يقيء فقال له عمر: لقد تنطعت في الشهادة. واستقدم قدامة من البحرين، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله، فقال له عمر: أخصم أنت أم شهيد؟ فقال: شهيد. فقال عمر: قد أديت شهادتك. فصمت الجارود. ثم غدا على عمر فقال: أقم على هذا حد الله. فقال عمر: لتمسكن لسانك أو لأسوأنك. فقال: يا عمر، ما ذلك بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني. ثم جيء بزوجة لقدامة فأقامت الشهادة على زوجها. وأراد عمر أن يقيم عليه الحد. فقال له الصحابة: لا نرى أن تحده ما دام مريضا، ثم عاوده فقالوا له كما قالوا من قبل فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن ألقاه وهو في عنقي، وجلده. فغاضبه قدامة. وعند قفولهما من الحج جيء به إلى عمر فكلمه عمر واستغفر له. ومن حسن حظ قدامة بن مظعون أنه قرشي من بني جمح. ولو أنه كان قرشيا من بني عبد شمس لانطلقت ألسنة السوء بالبذاءة عليه واختراع الأكاذيب فيه ما دام في الدنيا كذب.
[ ٩٣ ]
وليست الذنوب مسقطة للعدالة إذا وقعت منها التوبة (١) .
_________________
(١) هذا حق، ولكن في مثل ما تقدم عن قدامة بن مظعون، وفي مثل ما هو مشهور عند الناس عن أبي محجن الثقفي الشاعر الفارس الذي كان له يوم أغر في حرب القادسية. أما الوليد بن عقبة المجاهد الفاتح العادل المظلوم (الذي كان منه لأمته كل ما استطاعه من عمل طيب، ثم رأى بعينه كيف يبغي المبطلون على الصالحين وينفذ باطلهم فيهم، فاعتزل الناس بعد مقتل عثمان في ضيعة له منقطعة عن صخب المجتمع، وهي تبعد خمسة عشر ميلا عن بلدة الرقة من أرض الجزيرة التي كان يجاهد فيها ويدعو نصاراها إلى الإسلام في خلافة عمر) فقد آن لدسائس الكذابين فيه أن ينكشف عنها عوارها. ولا يضير هذا الرجل أن يتأخر انكشاف الحق فيه ثلاثة عشر قرنا، فإن الحق قديم ولا يؤثر في قدمه احتجابه. أراد الوليد بن عقبة - منذ ولي الكوفة لأمير المؤمنين عثمان - أن يكون الحاكم المثالي في العدل والنبل والسيرة الطيبة مع الناس، كما كان المحارب المثالي في جهاده وقيامه للإسلام بما يليق بالذائدين عن دعوته، الحاملين لرايته، الناشرين لرسالته. وقد لبث في إمارته على الكوفة خمس سنوات وداره - إلى اليوم الذي زايل فيه الكوفة - ليس لها باب يحول بينه وبين الناس ممن يعرف أو لا يعرف، فكان يغشاها كل من شاء، متى شاء، من ليل أو نهار، ولم يكن بالوليد حاجة لأن يستتر عن الناس: فالستر دون الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستر وكان ينبغي أن يكون الناس كلهم محبين لأميرهم الطيب لأنه أقام لغربائهم دور الضيافة، وأدخل على الناس خيرا حتى جعل يقسم المال للولائد والعبيد، ورد على كل مملوك من فضول الأموال في كل شهر ما يتسعون به من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم. وبالفعل كانت جماهير الشعب متعلقة بحب هذا الأمير المثالي طول مدة حكمه. إلا أن فريقا من الأشرار وأهل الفساد أصاب بنيهم سوط الشريعة بالعقاب على يد الوليد، فوقفوا حياتهم على ترصد الأذى له. ومن هؤلاء رجال يسمى أحدهم أبا زينب بن عوف الأزدي، وآخر يسمى أبا مورع، وثالث اسمه جندب أبو زهير، قبضت السلطات على أبنائهم في ليلة نقبوا بها على ابن الحيسمان داره وقتلوه، وكان نازلا بجواره رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ومن أهل السابقة في الإسلام وهو أبو شريح الخزاعي حامل راية رسول الله ﷺ على جيش خزاعة يوم فتح مكة فجاء هو وابنه من المدينة على الكوفة ليسيرا مع أحد جيوش الوليد بن عقبة التي كان يواصل توجيهها نحو الشرق للفتوح ونشر دعوة الإسلام، فشهد هذا الصحابي وابنه في تلك الليلة سطو هؤلاء الأشرار على منزل ابن الحيسمان، وأدى شهادته هو وابنه على هؤلاء القتلة السفاحين، فأنفذ الوليد فيهم حكم الشريعة على باب القصر في الرحبة، فكتب آباؤهم العهد على أنفسهم للشيطان بأن يكيدوا لهذا الأمير الطيب الرحيم. وبثوا عليه العيون والجواسيس ليترقبوا حركاته، وكان بيته مفتوحا دائما. وبينما كان عنده ذات يوم ضيف له من شعراء الشمال كان نصرانيا في أخواله من تغلب بأرض الجزيرة وأسلم على يد الوليد، فظن جواسيس الموتورين أن هذا الشاعر الذي كان نصرانيا لا بد أن يكون ممن يشرب الخمر ولعل الوليد أن يكرمه بذلك فنادوا أبا زينب وأبا المورع وأصحابهما، فاقتحموا الدار على الوليد من ناحية المسجد، ولم يكن لداره باب، فلما فوجئ بهم نحى شيئا أدخله تحت السرير، فأدخل بعضهم يده فأخرجه بلا إذن من صاحب الدار، فلما أخرج ذلك الشيء من تحت السرير إذا هو طبق عليه تفاريق عنب، وإنما نحاه الوليد استحياء أن يروا طبقه ليس عليه إلا تفاريق عنب، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون من الخجل، وسمع الناس بالحكاية فأقبلوا يسبونهم ويلعنونهم. وقد ستر الوليد عليهم ذلك وطواه عن عثمان وسكت عن ذلك وصبر. ثم تكررت مكايد جندب وأبي زينب وأبي المورع، وكانوا يغتنمون كل حادث فيسيئون تأويله ويفترون الكذب. وذهب بعض الذين كانوا عمالا في الحكومة ونحاهم الوليد عن أعمالهم لسوء سيرتهم فقصدوا المدينة وجعلوا يشكون الوليد لأمير المؤمنين عثمان ويطلبون منه عزله عن الكوفة. وفيما كان هؤلاء في المدينة دخل أبو زينب وأبو المورع دار الإمارة بالكوفة مع من يدخلها من غمار الناس وبقيا فيها إلى أن تنحى الوليد ليستريح، فخرج بقية القوم، وثبت أبو زينب وأبو المورع إلى أن تمكنا من سرقة خاتم الوليد من داره وخرجا. فلما استيقظ الوليد لم يجد خاتمه، فسأل عنه زوجتيه - وكانتا في مخدع تريان منه زوار الوليد من وراء ستر - فقالتا: إن آخر من بقى في الدار رجلان، وذكرتا صفتهما وحليتهما للوليد، فعرف أنهما أبو زينب وأبو المورع، وأدرك أنهما لم يسرقا الخاتم إلا لمكيدة بيّتاها، فأرسل في طلبهما فلم يوجدا في الكوفة، وكانا قد سافرا توا إلى المدينة، وتقدما شاهدين على الوليد بشرب الخمر (وأكبر ظني أنهما استلهما شهادتهما المزورة من تفاصيل الحادث الذي سبق وقوعه لقدامة بن مظعون في خلافة عمر) فقالا كنا من غاشيته، فدخلنا عليه وهو يقيء الخمر. فقال عثمان: ما يقيء الخمر إلا شاربها. فجيء بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان وأخبره خبرهم، فقال عثمان: " نقيم الحدود. ويبوء شاهد الزور بالنار ". هذه قصة اتهام الوليد بالخمر كما في حوادث سنة ٣٠ من تاريخ الطبري، وليس فيها - على تعدد مصادرها القديمة - شيء غير ذلك. وعناصر الخبر عند الطبري أن الشهود على الوليد اثنان من الموتورين الذين تعددت شواهد غلهم عليه، ولم يرد في الشهادة ذكر الصلاة من أصلها فضلا عن أن تكون اثنتين أو أربعا. وزيادة ذكر الصلاة هي الأخرى أمرها عجيب، فقد نقل خبرها عن الحضين بن المنذر (أحد أتباع علي) أنه كان مع علي عند عثمان ساعة أقيم الحد على الوليد، وتناقل الناس عنه هذا الخبر فسجله مسلم في صحيحه (كتاب الحدود ب٨ ح٣٨ - ج٥ ص١٢٦) بلفظ " شهدتُ عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح (ركعتين) ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ ". فالشاهدان لم يشهدا بأن الوليد صلى الصبح ركعتين وقال أزيدكم، بل شهد أحدهما بأنه شرب الخمر وشهد الآخر بأنه تقيأ. أما صلاة الصبح ركعتين وكلمة أزيدكم فهي من كلام حضين، ولم يكن حضين من الشهود، ولا كان في الكوفة في وقت الحادث المزعوم، ثم إنه لم يسند هذا العنصر من عناصر الاتهام إلى إنسان معروف. ومن العجيب أن نفس الخبر الذي في صحيح مسلم وارد في ثلاثة مواضع من مسند أحمد مرويا عن حضين، والذي سمعه من حضين في صحيح مسلم هو الذي سمعه منه في مسند أحمد بمواضعه الثلاثة، فالموضعان الأول والثاني (ج١ ص٨٢ و١٤٠ الطبعة الأولى - ج٢ رقم ٦٤٢ و١١٨٤ الطبعة الثانية) ليس فيهما ذكر للصلاة عن لسان حضين فضلا عن غيره، فلعل أحد الرواة من بعده أدرك أن الكلام عن الصلاة ليس من كلام الشهود فاقتصر على ذكر الحد. وأما في الموضع الثالث من مسند أحمد (ج١ ص١٤٤ - ١٤٥ الطبعة الأولى - ج٢ رقم ١٢٢٩) فقد جاء على لسان حضين " أن الوليد صلى بالناس الصبح أربعا " وهو يعارض ما جاء على لسان حضين نفسه في صحيح مسلم، ففي إحدى الروايتين تحريف، الله أعلم بسببه. وفي الحالتين لا يخرج ذكر الصلاة عن أنه من كلام حضين وحضين ليس بشاهد، ولم يرو عن شاهد، فلا عبرة بهذا الجزء من كلامه، وبعد أن علمت بأمر الموتورين فيما نقله الطبري عن شيوخه، أزيدك علما بأمر حمران، وهو عبد من عبيد عثمان كان قد عصى الله قبل شهادته على الوليد فتزوج في مدينة الرسول امرأة مطلقة ودخل بها وهي في عدتها من زوجها الأول، فغضب عليه عثمان لهذا ولأمور أخرى قبله فطرده من رحابه وأخرجه من المدينة. فجاء الكوفة يعيث فيها فسادا، ودخل على العابد الصالح عامر بن عبد القيس فافترى عليه الكذب عند رجال الدولة وكان سبب تسييره إلى الشام. وأنا أترك أمر هذا الشاهد والشاهدين الآخرين قبله إلى ضمير القارئ يحكم به عليهم بما يشاء، وفي اجتهادي أن مثل هؤلاء الشهود لا يقام بهم حد الله على ظنين من السوقة والرعاع، فكيف بصحابي مجاهد وضع الخليفة في يده أمانة قطر وقيادة جيوش فكان عند الظن به من حسن السيرة في الناس وصدق الرعاية لأمانات الله، وكان موضع الثقة عند ثلاثة من أكمل خلفاء الإسلام أبي بكر وعمر وعثمان. وإن قرابة الوليد من عثمان التي يزعم الكذبة أنها سبب المحاباة منه لهم إنما كانت سبب التسامح من عثمان في عزلهم والقسوة عليهم لئلا يقول السفهاء إن له هوى في ذوي قرابته. وقد رأينا الذين يتسلون بأعراض الناس يتفكهون بأبيات ستة منسوبة إلى ماجن خسيس النفس وردت في ص٨٥ من ديوانه، ولا تحملهم سليقة النقد على الشعور بما في هذه الأبيات من التضارب والتعارض، فأين مدحه فيها للوليد بقوله: ورأوا شمائل ماجد أنف يعطي على الميسور والعسر فنزعتَ مكذوبا عليك ولم تردد إلى عوز ولا فقر من بقية الأبيات التي فيها: نادى وقد تمت صلاتهم أأزيدكم ثملا وما يدري فالذي يقول البيت الأخير لا يعقل أن يقول معه البيتين الأولين فيكون مادحا وذاما في قطعة واحدة لا تزيد على ستة أبيات. وقد كانت لي مقالة مطولة عن (التخليط في الشعر) ضربت فيها الأمثلة على دس أبيات غريبة في قصائد من وزنها ورويها لغير ناظمها. وعلى كل حال فالشهود الذين شهدوا بين يدي عثمان لم يدّعوا حكاية الصلاة، مع أنهم لم يكونوا ممن يخاف الله واليوم الآخر. والآن أقولها لوجه الله صريحة مدوية: إن الوليد لو كان من رجال التاريخ الأوربي كالقديس لويس الذي أسرناه في دار ابن لقمان بالمنصورة لعدّوه قديسا، لأن لويس التاسع لم يحسن إلى فرنسا كإحسان الوليد بن عقبة إلى أمته، ولم يفتح للنصرانية كفتح الوليد للإسلام، والعجب لأمة تسيء إلى أبطالها، وتشوه جمال تاريخها، وتهدم أمجادها كما يفعل الأشرار منا، ثم ينتشر كيد هؤلاء الأشرار حتى يظن الأخيار أنه هو الحق.
[ ٩٤ ]
وقد قيل لعثمان: إنك وليت الوليد لأنه أخوك لأمك أروى بنت كُريز
[ ٩٧ ]
بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، فقال: بل لأنه ابن عمة رسول الله ﷺ أم حكيم البيضاء، وجدة عثمان وجدة الوليد لأمهما أروى المذكورة أم حكيم توأمة عبد الله أبي رسول الله صلى الله عليه
[ ٩٨ ]
وسلم. وأي حرج على المرء أن يولّي أخاه أو قريبه؟ (١) .
_________________
(١) وقد تقدم في هامش ص٨٧ أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب جعل الأمراء في مدة خلافته على أكثر أمصار حكمه من ذوي قرابته. وأن رسول الله ﷺ ولى رجال بني أمية وشبابهم. وكذلك فعل أبو بكر وعمر، فلم يفعل عثمان إلا الذي سبقه إليه النبي ﷺ وصاحباه بل إن عثمان لما أقام الحد على أخيه لأمه فعل ما لا نظن أحدا يفعله بشهادة الشهود المغرضين الذين لم يريدوا الله بشهاداتهم. وإذا كان الشهود على الوليد من هذه الطبقة المغرضة، فقد شهد له بظهر الغيب قاض من أعظم قضاة الإسلام في التاريخ علما وفضلا وإنصافا وهو الإمام عامر بن شراحيل الشعبي، روى الطبري (٥: ٦٠) أن الشعبي سمع في أوائل بطولة مسلمة بن عبد الملك حفيدا للوليد بن عقبة يتحدث عن جهاد مسلمة، فقال الشعبي: " كيف لو أدركتم الوليد غزوه وإمارته؟ إن كان ليغزو فينتهي إلى كذا وكذا. . . ما قصر، ولا انتقض عليه أحد. حتى عزل عن عمله وعلى الباب (أي الدربند، وراء بحر الخزر في روسيا، وكان من أمنع معاقل الدنيا) عبد الرحمن الباهلي (وهو من أعظم قواد الوليد) وإن كان مما زاد عثمان الناس على يده (أي على يد الوليد) أن رد على كل مملوك بالكوفة من فضول الأموال ثلاثة في كل شهر يتسعون بها من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم ". فهذه الشهادة من الإمام الشعبي للوليد في جهاده الحربي الظافر، وفي إحسانه لرعيته في معايشهم، تفقأ عيون المبطلين، وتقر أعين الصالحين، وصدق أمير المؤمنين عثمان يوم طيب قلب أخيه المظلوم بقوله: " نقيم الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنار ". " رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ".
[ ٩٩ ]