عاصمة قال القاضي أبو بكر (﵁): أما قول الرافضة أنه عهد إلى الحسن فباطل. ما عهد إلى أحد (١) . ولكن البيعة للحسن منعقدة،
_________________
(١) روى الأمام أحمد في مسنده (١: ١٠٧٨) عن وكيع عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال: سمعت عليا يقول (وذكر أنه سيقتل) قالوا: فاستخلف علينا. قال: " لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ ". قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ " قال: " أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم ". روى أحمد مثله (١: ١٥٦ برقم ١٣٣٩) عن أسود بن عامر عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن سبع. والخبران إسناد كل منهما صحيح. ونقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥: ٢٥٠ - ٢٥١) عن الإمام البيهقي من حديث حصين بن عبد الرحمن عن الإمام الشعبي عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي أحد سادة التابعين أنه قيل لعلي: ألا تستخلف علينا؟ قال: " ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم " وهذا الحديث جيد الإسناد. ونقل ابن كثير أيضا (٧: ٣٢٣) عن الإمام البيهقي حديث حبيب بن أبي الكاهلي الكوفي عن ثعلبة بن يزيد الحماني (وهو من شيعة الكوفة وثقه النسائي) أنه قيل لعلي: ألا تستخلف؟ فقال " لا، ولكن أترككم كما ترككم رسول الله ﷺ ". وانظر السنن الكبرى للبيهقي ٨: ١٤٩.
[ ١٩٨ ]
وهو أحق من معاوية ومن كثير من غيره، وكان خروجه لمثل ما خرج إليه أبوه من دعاء الفئة الباغية إلى الانقياد للحق والدخول في الطاعة، فآلت الوساطة إلى أن تخلى عن الأمر صيانة لحقن دماء الأمة (١) وتصديقًا لقول
_________________
(١) حكاية الوساطة بين الحسن ومعاوية وصلحهما رواها الإمام البخاري في كتاب الصلح من صحيحه (ك ٥٣ ب ٩ ج ٣ ص ١٦٩) عن الإمام الحسن البصري قال: استقبل - والله - الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال. فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين -: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز - فقال: اذهبا إلى هذا الرجل (أي الحسن بن علي) فاعرضا عليه (أي ما يشاء)، وقولا له (أي ما يرضيه)، واطلبا إليه (أي ما تريان فيه المصلحة، فأنتما مفوضان) . فأتياه، فدخلا عليه، فتكلما، وقالا له، وطلبا إليه. فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها (أي فيحتاج إرضاؤها في دمائها إلى مال كثير) قال: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك، ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئا إلا قال: نحن لك به. فصالحه.
[ ١٩٩ ]
نبي الملحمة حيث قال على المنبر: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١) فنفذ الميعاد، وصحت البيعة لمعاوية، وذلك لتحقيق رجاء النبي ﷺ، فمعاوية خليفة، وليس بملك (٢) .