قاصمة التحكيم وقد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله. وإذا لحظتموه بعين المروءة - دون الديانة - رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين.
والذي يصح من ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط (١) والدارقطني (٢) أنه لما خرج الطائفة العراقية مائة ألف والشامية في سبعين
_________________
(١) هو الإمام الحافظ أبو عمرو خليفة بن خياط العصفري البصري، أحد أوعية العلم، ومن شيوخ الإمام البخاري. قال عنه ابن عدي: هو صدق مستقيم الحديث من متيقظي رواة السنة. توفي سنة ٢٤٠.
(٢) هو الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (٣٠٦ - ٣٨٥) كان مع جلالته في الحديث من أئمة فقهاء الشافعية، وله تقدم في الأدب ورواية الشعر. وجاء من بغداد إلى مصر ليساعد ابن خنزابة وزير كافور على تأليف مسنده فبالغ الوزير في إجلاله. قال الحافظ عبد الغني بن سعيد «أحسن الناس كلامًا على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون القيسي في وقته. والدارقطني في وقته» .
[ ١٧٢ ]
أو تسعين ألفا ونزلوا على الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم - وهو الثلاثاء - على الماء فغلب أهل العراق عليه (١) .
ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة [سبع وثلاثين] ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت (٢) ورفعت المصاحف من أهل الشام، ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعويين بالحق، فكان من جهة علي أبو موسى (٣) ومن جهة معاوية عمرو بن العاص.
_________________
(١) لم يكن القتال على الماء جديا، وقد قال عمرو بن العاص يومئذ: "ليس من النصف أن نكون ريانين وهم عطاش". والذين تظاهروا في الجيش الشامي بمنع العراقيين عن الماء أرادوا أن يذكروهم بمنع الماء عن أمير المؤمنين عثمان في عاصمة خلافته وهو الذي اشترى بئر رومة من ماله ليستقي منه إخوانه المسلمون وبعد اشتراكهم في الماء تناوشوا شهر ذي الحجة من سنة ٣٦ ثم تهادنوا شهر المحرم من سنه ٣٧، ووقعت وقائع شهر صفر التي سيشير إليها المؤلف.
(٢) وكانت تسمى «ليلة الهرير» اقتتل الناس فيها حتى الصباح.
(٣) وكان آخر العهد بأبي موسى عندما كان واليًا على الكوفة، وجاء دعاة علي يحرضون الكوفيين على لبس السلاح والالتحاق بجيش علي استعدادًا لما يريدونه من قتال مع أصحاب الجمل في البصرة، ثم مع أنصار معاوية في الشام. فكان أبو موسى يشفق على دماء المسلمين أن تسفك بتحريض الغلاة، ويذكر أمة محمد ﷺ بقول نبيهم في الفتنة «القاعد فيها خير من القائم» فتركه الأشتر يحدث الناس في المسجد بالحديث النبوي، وأسرع إلى دار الإمارة فاحتلها. فلما عاد إليها أبو موسى منعه الأشتر من الدخول وقال له: اعتزل إمارتنا. فاعتزلهم أبو موسى واختار الإقامة في قرية يقال لها عُرْض بعيدًا عن الفتن وسفك الدماء. فلما شبع الناس من سفك الدماء واقتنعوا بأن أبا موسى كان ناصحًا في نهيهم عن القتال طلبوا من علي أن يكون أبو موسى هو ممثل العراق في أمر التحكيم، لأن الحالة التي كان يدعو إليها هي التي فيها الصلاح فأرسلوا إلى أبي موسى وجاءوا به من عزلته.
[ ١٧٣ ]
وكان أبو موسى رجلًا تقيًّا فقيهًا عالمًا حسبما بيناه في كتاب (سراج المريدين)، وأرسله النبي ﷺ إلى اليمن مع معاذ، وقدمه عمرو وأثنى عليه بالفهم (١) . وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعًا في القول، وأن ابن العاص كان ذا دهاءٍ وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه تأكيدًا لما أرادت من الفساد، اتبع في ذلك بعض الجهال بعضًا وصنفوا فيه حكايات. وغيره من الصحابة كان أحدق منه وأدهى، وإنما بنوا على أن عمرًا لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم صار له الذكر في الدهاء والمكر.
وقالوا: إنما لما اجتمع بأذرح من دومة الجندل (٢) وتفاوضا، اتفقا على أن يخلعا الرجلين (٣) . فقال عمرو لأبي موسى: اسبق بالقول. فتقدم
_________________
(١) واختصه بكتابه الشهير في القضاء وآدابه وقواعده.
(٢) أذرح: قرية من أعمال الشراة تقع في منطقة بين أراضي شرقي الأردن والمملكة السعودية في الأطراف الجنوبية من بادية الشام.
(٣) من الحقائق ما إذا أسيء التعبير عنه وشابته شوائب المغالطة يوهم غير الحقيقة فينشأ عن ذلك الاختلاف في الحكم عليه. ومن ذلك حادثة التحكيم وقول المغالطين إن أبا موسى وعمرًا اتفقا على خلع الرجلين، فخلعهما أبو موسى، واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية. وأصل المغالطة من تجاهل المغالطين أن معاوية لم يكن خليفة، ولا هو ادعى الخلافة يومئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه. بل إن أبا موسى وعمرًا اتفقا على أن يعهدا بأمر الخلافة على المسلمين إلى الموجودين على قيد الحياة من أعيان الصحابة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو راض عنهم. واتفاق الحكمين على ذلك لا يتناول معاوية لأنه لم يكن خليفة ولم يقاتل على الخلافة وإنما كان يطالب بإقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان. فلما وقع التحكيم على إمامة المسلمين، واتفق الحكمان على ترك النظر فيها إلى كبار الصحابة وأعيانهم تناول التحكيم شيئًا واحدًا هو الإمامة. أما التصرف العملي في إرادة البلاد التي كانت تحت يد كل من الرجلين المتحاربين فبقي كما كان: علي متصرف في البلاد التي تحت حكمه، ومعاوية متصرف في البلاد التي تحت حكمه، فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر، ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة. وكان يكون محلا للمكر أو الغفلة لو أن عمرًا أعلن في نتيجة التحكيم أنه ولى معاوية إمارة المؤمنين وخلافة المسلمين، وهذا ما لم يعلنه عمرو، ولا ادعاه معاوية، ولم يقل به أحد في الثلاثة عشر قرنًا الماضية. وخلافة معاوية لم تبدأ إلا بعد الصلح مع الحسن بن علي، وقد تمت بمبايعة الحسن لمعاوية، ومن ذلك اليوم فقط سمي معاوية أمير المؤمنين. فعمرو لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه، لأنه لم يعط معاوية شيئًا جديدًا، ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى. ولم يخرج عما اتفقا عليه معًا، فبقيت العراق والحجاز وما يتبعهما تحت يد من كانت تحت يده من قبل، وبقيت الشام وما يتبعها تحت يد من كانت تحت يده من قبل، وتعلقت الإمامة بما سيكون من اتفاق أعيان الصحابة عليها، وأي ذنب لعمرو في أي شيء مما وقع؟ إن البلاهة لم تكن من أبي موسى، ولكن ممن يريد أن يفهم الوقائع على غير ما وقعت عليه. فليفهمها كل من شاء كما يشاء. أما هي فظاهرة واضحة لكل من يراها كما هي.
[ ١٧٤ ]
فقال: إني نظرت فخلعت عليًّا عن الأمر، وينظر المسلمون لأنفسهم، كما خلعت سيفي هذا من عنقي - أو من عاتقي - وأخرجه من عنقه فوضعه
[ ١٧٥ ]
في الأرض. وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر (١) كما أثبت سيفي هذا في عاتقي. وتقلده. فأنكر أبو موسى. فقال عمرو: كذلك اتفقنا. وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف.
_________________
(١) أي أمر؟ إن كان الاستمرار في إدارة البلاد التي تحت يده، فإن هذا الأمر ماض على معاوية وعلي معًا، فكل منهما باق في الحكم على ما تحت يده. وإن كان المراد بالأمر أمر الإمامة العامة وإمارة المؤمنين فإن معاوية لم يكن إمامًا - أي خليفة - حتى يثبته عمرو كما كان. وقد أوضحنا هذه الحقيقة في الفقرة السابقة. وهذه هي نقطة المغالطة التي هزأ بها مؤرخو الإفك المفترى فسخروا بجميع قرائهم وأوهموهم بأن هناك خليفتين أو أميرين للمؤمنين، وأن الاتفاق بين الحكمين كان على خلعهما معًا، وأن أبا موسى خلع الخليفتين تنفيذًا للاتفاق، وأن عمرًا خلع أحدهما وأبقى الآخر خليفة خلافًا للاتفاق، وهذا كله كذب وإفك وبهتان. والذي فعله عمرو وهو نفس الذي فعله أبو موسى لا يفترق عنه قط في نقير ولا قطمير وبقي أمر الإمامة والخلافة أو غمارة المؤمنين معلقًا على نظر أعيان الصحابة ليروا فيه رأيهم متى شاءوا وكيف شاءوا. وإذا كانت هذه الخطوة الثانية لم تتم فما في ذلك تقصير من أبي موسى ولا من عمرو، فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى إليه اجتهادهما واقتناعهما ولو لم تكلفهما الطائفتان معًا بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها، ولا أبديا رأيًا فيها. ولو كان موقف أبي موسى في هذا الحادث التاريخي العظيم موقف بلاهة وفشل لكان ذلك سبة عليه في التاريخ. وإن الأجيال التي بعده فهمت موقفه على أنه من مفاخره التي كتب الله له بها النجاح والسداد، حتى قال ذو الرمة الشاعر يخاطب حفيده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى: أبوك تلافى الدين والناس بعدما تشاءوا وبيت الدين منقطع الكسر فشد إصار الدين أيام أذرح ورد حروبا قد لقحن إلى عقر.
[ ١٧٦ ]