وعقد له البيعة طلحة، فقال الناس: بايع عليًّا يد شلاء، والله لا يتم هذا الأمر (١) .
فإن قيل: بايعا مكرهين (٢) . قلنا: حاشا لله أن يكرها، لهما ولمن
_________________
(١) قائل هذه الكلمة حبيب بن ذؤيب. رواه الطبري (٥: ١٥٣) عن أبي المليح الهذلي.
(٢) يعني طلحة والزبير.
[ ١٤٣ ]
بايعهما. ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك، لأن واحدًا أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعًا. ولو لم يبايعا ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام (١) .
وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع، ولم يكن كذلك (٢) .
فإن قيل: فقد قال طلحة: «بايعت واللج على قفي» (٣) . قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في «القفا» لغة «قفي» كما يجعل في «الهوى»: «هوي» وتلك لغة هذيل لا قريش (٤) فكانت كذبة لم تدبر.
وأما قولهم «يد شلاء» لو صح فلا متعلق لهم فيه، فإن يدا شلت في وقاية رسول الله ﷺ يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل
_________________
(١) القاضي ابن العربي يقرر هنا الحكم الشرعي في عقد البيعة، لا على أنه رأي له. وللإمام أبي بكر الباقلاني كلام سديد في (التمهيد) ص ٢٣١. وانظر ص ١٦٧ - ١٦٩ من كتاب (الإمامة والمفاضلة) لابن حزم المدرج في الجزء الرابع من كتابه (الفصل) .
(٢) وقد علمت أن أهل الكوفة يقولون إن الأشتر كان أول من بايع. ولو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أعظم بركة، لأنها يد دافعت عن رسول الله ﷺ، ويد الأشتر لا تزال رطبة من دم إمامه الشهيد المبشر بالجنة.
(٣) أي: والسيف على قفاي، لحالة الإرهاب التي كانت سائدة على المدينة بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان.
(٤) بل هي أبعد عن لغة قريش من لهجة هذيل، فقد قال ابن الأثير في النهاية (مادة لجج) أنها لغة طائية، يشددون ياء المتكلم.
[ ١٤٤ ]
مكروه (١) . وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه.
فإن قيل: بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان. قلنا: هذا لا يصح في
_________________
(١) كان طلحة من العصابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ على الموت يوم أحد حين انهزم المسلمون، فصبروا ولزموا. ورمى مالك بن زهير الجشمي بسهم يريد رسول الله ﷺ - وكان لا يخطئ رميه - فاتقاه طلحة بيده عن رسول الله ﷺ، فكان ذلك سبب الشلل في يده من خنصره. وأقبل رجل من بني عامر يجر رمحًا على فرس كميت أغر مدججًا من الحديد يصيح: أنا أبو ذات الودع دلوني على محمد. فضرب طلحة عرقوب فرسه، فاكتسعت. ثم تناول رمحه فلم يخطئ به عن حدقته، فخار كما يخور الثور، فما برح طلحة واضعًا رجله على خده حتى مات. قالت بنتاه - عائشة وأم إسحاق -: جرح أبونا يوم أحد أربعًا وعشرين جراحة في جميع جسده، وقد غلبه الغشي، وهو مع ذلك محتمل رسول الله ﷺ حين كسرت رباعيتاه يرجع به القهقرى، كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب. فكان النبي ﷺ يقول إذا رأى طلحة: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله» رواه أبو نعيم الأصبهاني. وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كان يوم طلحة. وسمع علي بن أبي طالب رجلًا يقول بعد يوم الجمل: ومن طلحة؟ فزبره علي وقال: إنك لم تشهد يوم أحد، لقد رأيته وإنه ليحترس بنفسه دون رسول الله ﷺ وإن السيوف لتغشاه وإن هو إلا جنة بنفسه لرسول الله ﷺ. أخرج الحافظ ابن عساكر (٧: ٧٨) من طريق ابن مندة عن طلحة قال: سماني رسول الله ﷺ يوم أحد (طلحة الخير)، وفي غزوة العسرة (طلحة الفياض) ويوم حنين (طلحة الجود) .
[ ١٤٥ ]
شرط البيعة، وإنما يبايعونه على الحكم بالحق، وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب، وتقع الدعوى، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويقع الحكم. فأما على الهجم عليه بما كان من قول مطلق، أو فعل غير محقق، أو سماع كلام، فليس ذلك في دين الإسلام (١) .
قالت العثمانية: تخلف عنه من الصحابة جماعة، منهم سعد بن أبي
_________________
(١) وانظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢٣١ و٢٣٥ و٢٣٦: وحقيقة موقف علي من قتلة عثمان عند البيعة له كانوا هم المسئولين على زمام الأمر في المدينة وفي حالة الإرهاب التي كانت سائدة يومئذ لم يكن في استطاعة علي ولا غيره أن يقف منهم مثل موقف الصحابة من عبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان. مع الفارق العظيم بين دم أمير المؤمنين الخليفة الراشد، والأسير الحربي المجوسي الذي قال إنه أسلم بعد وقوعه في الأسر. ولما انتقل علي من المدينة إلى العراق ليكون على مقربة من الشام انتقل معه قتلة عثمان ولا سيما أهل البصرة والكوفة منهم، فلما صاروا في بصرتهم وكوفتهم في معقل قوتهم وعنجهية قبائلهم، ولا شك أن عليًّا أعلن البراءة منهم وأراد أن يتفق مع أصحاب الجمل على ما يمكن الاتفاق عليه في هذا الشأن، فأنشب قتلة عثمان القتال بين معسكر علي ومعسكر أصحاب الجمل، وتمكن أصحاب الجمل من قتل البصريين من قتلة عثمان إلا واحدا من بني سعد بن زيد مناة بن تميم حمته قبيلته، فلما اتسعت الأمور وسفكت الدماء كان علي في موقف يحتاج فيه إلى بأس هؤلاء المعروفين بأنهم من قتلة عثمان وفي مقدمتهم الأشتر وأمثاله، وأن كثيرين منهم انقلبوا على علي بعد ذلك وخرجوا عليه معتقدين كفره. ويقول علماء السنة والمؤرخون: إن الله كان بالمرصاد لقتلة عثمان، فانتقم منهم بالقتل والنكال واحدًا بعد واحد، حتى الذين طال بهم العمر إلى زمن الحجاج كانت عاقبتهم سفك دمائهم جزاء بما قدمت أيديهم والله أعدل الحاكمين.
[ ١٤٦ ]
وقاص، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وأسامة بن زيد وسواهم من نظرائهم.
قلنا: أما بيعته فلم يتخلف عنها. وأما نصرته فتخلف عنها قوم منهم من ذكرتم، لأنها كانت مسألة اجتهادية، فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره (١) .