١٧ - وأما امتناعه عن قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان، فإن ذلك باطل (٢) . فإن كان لم يفعل فالصحابة متوافرون، والأمر في
_________________
(١) لو أن أمير المؤمنين عثمان كان من حواري المسيح ﵇، وكانت له من سيدنا عيسى ابن مريم مثل هذه المنقبة التي كرمه الله بها من نبي الرحمة محمد ﷺ، لعبدته النصارى لأجلها. فالعجب لأمة يكون فيها جهلة يعيبون على عثمان - في زمانه - غيبته عن بيعة الرضوان، ويكون فيهم من يستشعر الشجاعة في نفسه عند الإقدام على سفك دم هذا الخليفة الرحيم لأمور هذا منها، ثم يحمل مثل هذا الجهل في دماغه رجل جاء يعبد الله بأداء فريضة الحج فيواجه به جماعة الصحابة من قريش ورئيسهم عبد الله بن عمر. ثم تمس الحاجة إلى التعرض لبيان هذه الحقائق في عصر القاضي أبي بكر بن العربي، ثم يشعر أمثالنا في عصرنا بأن عثمان لا يزال من بعض أمته في موقف يحتاج فيه إلى إنصافه ودفع قالة السوء عنه. حقا إننا أمة مسكينة. . . ولأمر ما بلغ بنا الحال بين الأمم إلى ما كنا فيه، وإلى ما لا نزال غارقين فيه " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ".
(٢) بشهادة ابنه القماذبان. روى الطبري (٥: ٤٣ - ٤٤ مصر و١: ٢٨٠١ طبعة أوروبا) عن سيف بن عمر بسنده إلى أبي منصور قال: سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه. . . قال: " فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه " (أي من عبيد الله بن عمر بن الخطاب) ثم قال: " يا بني هذا قاتل أبيك، وأنت أولى به منا، فاذهب، فاقتله ". فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم. وسبوا عبيد الله. فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا. وسبوه. فتركته لله ولهم. فاحتملوني. فوالله ما بلغت المنزل إلا على رءوس الرجال وأكفهم ". هذا كلام ابن الهرمزان وإن كل منصف يعتقد (ولعل ابن الهرمزان أيضا كان يعتقد) أن دم أمير المؤمنين عمر في عنق الهرمزان، وأن أبا لؤلؤة لم يكن إلا آلة في يد هذا السياسي الفارسي. وإن موقف عثمان وإخوانه أصحاب رسول ﷺ من هذا الحادث لا نظير له في تاريخ العدالة الإنسانية.
[ ١٠٦ ]
أوله (١) وقد قيل: إن الهرمزان سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر وظهر تحت ثيابه (٢) وكان قتل عبيد الله له وعثمان لم يل بعد، ولعل عثمان
_________________
(١) وقد تصرف عثمان في هذا الأمر بعد أن ذاكر الصحابة فيه. قال الطبري (٥: ٤١) جلس عثمان في جانب المسجد ودعا عبيد الله وكان محبوسا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده. . . فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا علي في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق. فقال علي: أرى أن تقتله. فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس، ويقتل ابنه اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن الله أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك. قال عثمان: أنا وليهم، وقد جعلتها دية، واحتملتها في مالي.
(٢) وفي تاريخ الطبري: (٥: ٤٢) حديث سعيد بن المسيب أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال غداة طعن عمر: " مررت على أبي لؤلؤة عشي أمس، ومعه جفينة (وكان نصرانيا من أهل الحيرة ظئرا لسعد بن أبي وقاص) والهرمزان، وهم نجي، فلما رهقتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه. فانظروا بأي شيء قتل " وخرج في طلبه رجل من بني تميم، فرجع إليهم التميمي وقد كان ألظ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر حتى أخذه. وجاء بالخنجر الذي وصف عبد الرحمن بن أبي بكر. فسمع بذلك عبيد الله بن عمر، فأمسك حتى مات عمر، ثم اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله.
[ ١٠٧ ]
كان لا يرى على عبيد الله حقا، لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله (١) وأيضا فإن أحدا لم يقم بطلبه. وكيف يصح مع هذه الاحتمالات كلها أن ينظر في أمر لم يصح؟ .
_________________
(١) وكذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس رأى جواز قتل علوج الفرس الذين في المدينة بلا استثناء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٣: ٢٠٠): وقد قال عبد الله بن عباس لما طعن عمر - وقال له عمر: كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة - فقال (أي ابن عباس): " إن شئت أن نقتلهم " فقال عمر: " كذبت، أفبعد أن تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم؟ ". قال ابن تيمية: فهذا ابن عباس - وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير - يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد، اعتقد جواز مثل هذا. . . وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان من المفسدين في الأرض المحاربين فيجب قتله لذلك. ولو قدر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله، لكن كان القاتل متأولا ويعتقد حل قتله لشبهة ظاهرة، صار ذلك شبهة تدرأ عن القاتل (يعني عن عبيد الله بن عمر) قلت: وإلى هذا ذهب عثمان في اكتفائه بالدية واحتملها من ماله الخاص. ولو أن حادث مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - بجميع ظروفه - وقع مثله في أي بلد آخر مهما بلغ في ذروة الحضارة لما كان منهم مثل الذي كان من الصحابة في تسامحهم إلى حد المطالبة حتى بقتل ابن أمير المؤمنين المقتول بيد الغدر والنذالة والبغي الذميم.
[ ١٠٨ ]