عاصمة أما خروجهم إلى البصرة فصحيح لا إشكال فيه.
ولكن لأي شيء خرجوا؟ لم يصح فيه نقل، ولا يوثق فيه بأحد لأن الثقة لم ينقله، وكلام المتعصب لا يسمع. وقد دخل على المتعصب من
_________________
(١) كان الفريقان يطلبان التفاهم وجمع الكلمة، أما الباغي فهم قتلة عثمان، وقد قتلهم الله جميعا إلا واحدا منهم، وسيأتي بيانه.
(٢) الذي قتل الزبير عمير بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع التميمي. والأحنف أتقى لله من أن يأمرهم بقتله، بل سمعوه يتذمر من قتال المسلمين بعضهم مع بعض فلحقوا بالزبير فقتلوه (الطبري ٥: ١٩٨) .
(٣) كان طلحة أصدق إيمانا وأسمى أخلاقا من أن يبايع وينكث. وإنما كان يريد جمع الكلمة للنظر في أمر قتلة عثمان، استجاب علي لهذه الدعوة كما سيأتي ص ١٥٦، ولكن الذين جنوا على الإسلام أول مرة بالبغي على عثمان كانوا أعداء الله مرة أخرى بإنشاب القتال بين هذين الفريقين من المسلمين.
[ ١٥٠ ]
يريد الطعن في الإسلام واستنقاض الصحابة.
فيحتمل أنهم خرجوا خلعًا لعلي لأمر ظهر لهم (١) وهو أنهم بايعوا لتسكين الثائرة، وقاموا يطلبون الحق.
ويحتمل أنهم خرجوا ليتمكنوا من قتلة عثمان (٢) .
ويمكن أنهم خرجوا في جمع طوائف المسلمين، وضم نشرهم، وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا. وهذا هو الصحيح، لا شيء سواه، وبذلك وردت صحاح الأخبار.
فأما الأقسام الأولى فكلها باطلة وضعيفة:
أما بيعتهم كرهًا فباطل قد بيناه (٣) .
وأما خلعهم فباطل؛ لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع، فيمكن أن يولى واحد أو اثنان، ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان (٤) .
_________________
(١) وهذا الاحتمال بعيد عن هؤلاء الأفاضل الصالحين، ولم يقع منهم ما يدل عليه، بل الحوادث كلها دلت علي نزاهتهم عنه. وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣ - ٤١: ٤٢) فنقل عن كتاب (أخبار البصرة) لعمر بن شبة قول المهلب: "إن أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة ".
(٢) وهذا ما كانوا يذكرونه، إلا أنهم يريدون أن يتفقوا مع علي على الطريقة التي يتوصلون بها إلي ذلك. وهذا ما كان يسعى به الصحابي المجاهد القعقاع بن عمرو، ورضي به الطرفان كما سيأتي.
(٣) في ص ١٤٣ - ١٤٤.
(٤) انظر (التمهيد) للباقلاني ص ٢١١ - ٢١٢ وص ٢٣٢ في موضوع الخلع.
[ ١٥١ ]
وأما خروجهم في أمر قتلة عثمان، لأن الأصل قبله تأليف الكلمة، ويمكن أن يجتمع الأمران (١) .
ويروى أن في تغيبهم (٢) قطع الشغب بين الناس. فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ﵃ رجاء أن يرجع الناس إلي أمهم فيرعوا حرمة نبيهم. واحتجوا عليها (٣) بقول الله تعالي: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] (النساء: ١١٤) . وقد خرج النبي ﷺ في الصلح وأرسل فيه. فرجت المثوبة، واغتنمت القصة، وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها.
وأحس بهم أهل البصرة، فحرض من كان بها من المتألبين على عثمان الناس، وقالوا: اخرجوا إليهم حتى تروا ما جاءوا إليه. فبعث عثمان بن حنيف حكيم بن جبلة (٤) فلقي طلحة والزبير
_________________
(١) واجتماع الأمرين هو الذي كاد يقع، لولا أن السبئيين أحبطوه. فأصحاب الجمل جاءوا في قتلة عثمان، ولم يجيئوا إلا لذلك. إلا أنهم أرادوا أن يتفاهموا عليه مع علي؛ لأن التفاهم معه أول الوسائل للوصول إلي ما جاءوا له.
(٢) أي تغيب طلحة والزبير وعائشة عن المدينة.
(٣) لما أقنعوها بالخروج إلى البصرة.
(٤) عثمان بن حنيف أنصاري من الأوس، كان عند هجرة النبي ﷺ إلى المدينة أحد الشبان الأوسيين الخمسة عشر الذين انضموا إلي عبد عمرو بن صيفي عند خروجه إلى مكة مغاضبا النبي ﷺ، وكان عبد عمرو يسمى في الجاهلية الراهب فسماه النبي ﷺ الفاسق (الطبري ٣: ١٦) . والظاهر أن عثمان بن حنيف عاد من مكة وأسلم قبل وقعة أحد لأنها أول مشاهده (الإصابة ٢: ٤٥٩) وتزعم الشيعة أنه شاغب على خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق في أول خلافته (تنقيح المقال للمامقاني ١: ١٩٨) وأعتقد أن هذا من كذبهم عليه، وقد تولى لعمر مساحة أرض العراق وضرب الجزية والخراج على أهلها، فلو صح ما زعموه من شغبه على أبي بكر لتنافى هذا مع استعمال عمر له، إلا أن يكون تاب. ولما بويع لعلي آخر سنة ٣٥ واختار ولاته في بداية سنة ٣٦ ولى عثمان بن حنيف على البصرة (الطبري ٥: ١٦١) . ولما وصل أصحاب الجمل إلى الخفير على أربعة أميال من البصرة أرسل إليهم عثمان بن حنيف عمران بن حصين الخزاعي صاحب راية النبي ﷺ على خزاعة يوم الفتح ليعلم له علمهم، فلما عاد إليه وذكر له حديثه مع أصحاب الجمل قال له عثمان بن حنيف: أشر علي يا عمران. فقال له: إني قاعد فاقعد. فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين علي، وأشار عليه هشام بن عامر الأنصاري - أحد الصحابة المجاهدين الفاتحين - بأن يسالمهم حتى يأتي أمر علي، فأبى عثمان بن حنيف ونادى في الناس، فلبسوا السلاح، وأقبل عثمان على الكيد (الطبري ٥: ١٧٤ - ١٧٥)، وكانت العاقبة فشله وخروج الأمر من يده إلي أيدي أصحاب الجمل. ووقع ابن حنيف في أسر الجماهير فنتفت لحيته، ثم أنقذه أصحاب الجمل منهم فانسحب إلى معسكر علي في الثعلبية ثم في ذي قار. هذا هو عثمان بن حنيف وموقفه من أصحاب الجمل. أما حكيم بن جبلة فالقارئ يعلم أنه من قتلة أمير المؤمنين عثمان، وقد تقدم التعريف به في (ص ١١٥ - ١١٦) .
[ ١٥٢ ]
بالزابوقة، فقتل حكيم (١) ولو خرج مسلما مستسلما لا مدافعا لما (٢)
_________________
(١) الزابوقة: موضع قريب من البصرة كانت فيه وقعة الجمل في دورها الأول بعد أن خطب طلحة والزبير وعائشة في المربد. أما مصرع حكيم بن جبلة فكان بعد المعارك الأولى التي انتهت بغلبة أصحاب الجمل واستيلائهم على الحكم في البصرة، فتمرد حكيم بن جبلة على هذه الحالة الجديدة وقاتل مع ثلاثمائة من أعوانه حتى قتل.
(٢) أي مقاتلا.
[ ١٥٣ ]
أصابه شيء. وأي خير كان له في المدافعة، وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة، وإنما جاءوا ساعين في الصلح، راغبين في تأليف الكلمة، فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم، كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد.
فلما واصلوا إلى البصرة تلقاهم الناس بأعلى المربد مجتمعين (١) حتى لو رمي حجر ما وقع إلا على رأس إنسان. فتكلم طلحة (وتكلم الزبير) وتكلمت عائشة ﵃ (٢) .
وكثر اللغط (٣) وطلحة يقول «أنصتوا!» فجعلوا يركبونه ولا يتصنتون،
_________________
(١) مربد البصرة: موضع كانت تقام فيه سوق الإبل خارج البلد، ثم صارت تكون فيه مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء. ثم اتسع عمران البصرة فدخل المربد في العمران فكان من أجل شوارعها، وسوقه من أجل أسواقها، وصار محلة عظيمة سكنها الناس. ولما انحطت منزلة البصرة وهرم عمرانها تضاءلت فأمسى المربد بائنًا عنها حتى كان بينه وبين البصرة في زمن ياقوت ثلاثة أميال، والمربد خراب. كالبلدة المفردة في وسط البرية. وكان موضع البصرة يومئذ قريبًا من موضع ضاحيتها الزبير في أيامنا هذه.
(٢) كان أصحاب الجمل في ميمنة المربد، وعثمان بن حنيف ومن معه في ميسرته، وقد لخص الطبري (٥: ١٧٥) خطب طلحة والزبير وعائشة راويًا ذلك عن سيف بن عمر التميمي عن شيوخه، وهم أعرف الإخباريين بحوادث العراق.
(٣) لأن الذين في الميسرة كانوا يقولون تعليقًا على خطبتي طلحة والزبير: فجرا وغدرا، وقالا الباطل، وأمرا به. قد بايعا ثم جاءا يقولان ما يقولان. والذين كانوا في الميمنة يقولون: صدقا، وبرا، وقالا الحق، وأمرا بالحق، وتحاثى الناس وتحاصبوا وأرهجوا. إلا أنه لما انتهت عائشة من خطبتها ثبت الذين مع أصحاب الجمل على موالاتهم لهم، وافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين فقالت فرقة: صدقت والله وبرت وجاءت بالمعروف، وقال الآخرون: كذبتم ما نعرف ما تقولون. فتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا.
[ ١٥٤ ]
فقال «أُف، أُف. فراش نار، وذباب طمع» . وانقلبوا على غير بيان (١) .
وانحدروا إلى بني نهد، فرماهم الناس بالحجارة حتى نزلوا الجبل (٢) والتقى طلحة والزبير وعثمان بن حنيف - عامل علي على البصرة - وكتبوا بينهم أن يكفوا عن القتال، ولعثمان دار الإمارة والمسجد وبيت المال، وأن ينزل طلحة والزبير من البصرة حيث شاءا، ولا يعرض بعضهم لبعض
_________________
(١) لما رأت عائشة ما يفعل أنصار عثمان بن حنيف انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقتين لابن حنيف حتى وقفوا في موضع آخر. ومال بعض الذين كانوا مع ابن حنيف إلى عائشة وبقي بعضهم مع عثمان بن حنيف (الطبري ٥: ١٧٥) .
(٢) حفظ لنا الطبري (٥: ١٧٦ - ١٧٧) وصفًا دقيقًا نقله سيف بن عمر التميمي عن شيخيه محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة وطلحة بن الأعلم الحنفي عن الموقف السلمي لأصحاب الجمل في هذه الوقعة، وإسراف حكيم بن جبلة في إنشاب القتال. قالا: وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن ثم حجز الليل بين الفريقين. وفي اليوم التالي انتقل أصحاب الجمل إلى جهة دار الرزق، وأصبح عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة فجددا القتال، وكان حكيم يطيل لسانه بسب أم المؤمنين، ويقتل من يلومه على ذلك من نساء ورجال، ومنادي عائشة يدعو الناس إلى الكف عن القتال فيأبون، حتى إذا مسهم الشر وعضهم نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح.
[ ١٥٥ ]
حتى يقدم علي (١) .