وساروا إليه (١) على أهل مصر عبد الرحمن بن عديس البلوي (٢)
_________________
(١) أي إلى أمير المؤمنين عثمان في مدينة الرسول ﷺ.
(٢) فارس شاعر، نزل مصر مع جيش الفتح، ولم يعرف له في سيرته شيء انفراد بالامتياز به غير اشتراكه في هذه الفتنة، مع دعواه أنه كان من الذين بايعوا تحت الشجرة. وأظنه لم يكن من الرءوس المدبرين للفتنة، ولكن مدبريها استغلوا ميله إلى الرئاسة، فاستفادوا من سنه ووجاهته بين فرسان القبائل العربية بمصر، وولوه القيادة على إحدى الفرق الأربع التي خرجت من مصر إلى المدينة (وقادة الفرق الثلاث الأخرى: كنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة السكوني. ورئيسهم الأعلى الغافقي بن حرب العكي) . وكان عبد الرحمن بن عديس في مدة الحصار شديد الوطأة على أمير المؤمنين عثمان وأهل بيته. ثم كانت عاقبته القتل في جبل الجليل بالقرب من حمص، لقيه أحد الأعراب، فلما اعترف له أنه من قتلة عثمان بادر بقتله (معجم البلدان لياقوت: الجليل) . وأخطأ من نسب ابن عديس إلى تجيب، فإنه بلوي من قضاعة. أما تجيب بنت ثوبان المذحجية فلا ينسب إليها إلا بنو ولديها سعد وعدي بن أشرس بن شبيب بن السكون من كندة، وأين كندة من قضاعة! .
[ ١٢٣ ]
وعلى أهل البصرة حكيم بن جبلة (١) وعلى أهل الكوفة الأشتر مالك بن الحارث النخعي (٢) . فدخلوا المدينة هلال ذي القعدة سنة خمس وثلاثين (٣) . فاستقبلهم عثمان. فقالوا: ادع بالمصحف. فدعا به، فقالوا: افتح التاسعة (٤) - يعني يونس - فقالوا: اقرأ. فقرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] قالوا له: قف. قالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى، أذن الله لك أم على الله افتريت؟ قال: امضِهْ، إنما نزلت في كذا. وقد حمى عمر، وزادت الإبل فزدت (٥) .
_________________
(١) تقدم التعريف به في ص١١٥ـ ١١٦. وهو أمير إحدى الفرق الأربع البصرية (والثلاثة الآخرون: ذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح "الحطم"، وابن المحرش الحنفي. ورئيسهم الأعلى حرقوص بن زهير السعدي) .
(٢) تقدم التعريف به في ص١١٦ـ ١١٩. وهو أمير إحدى الفرق الأربع الكوفية (والثلاثة الآخرون: زيد بن صوحان العبدي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم. ورئيسهم الأعلى عمرو بن الأصم) .
(٣) نزلوا خارج المدينة على ثلاث مراحل منها، ثم تقدم ثوار البصرة فنزلوا في ذي خشب، ونزل ثوار الكوفة الأعوص، ونزل عامتهم بذي المروة.
(٤) كذا في المطبوعة الجزائرية (٢: ١١٧) ولعله خطأ صوابه "السابعة" كما في تاريخ الطبري (٥: ١٠٧)، ويقال: إن ذلك ترتيب سورة يونس في مصحف ابن مسعود على ما في الفهرست لابن النديم ص٣٩ طبع مصر.
(٥) تقدم الكلام على الحمى في ص٧٢ - ٧٣ بقدر ما يحتمل هذا المختصر.
[ ١٢٤ ]
فجعلوا يتبعونه هكذا، وهو ظاهر عليهم. حتى قال لهم: ماذا تريدون؟
فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه ستا أو خمسا (١) أن المنفي يعاد والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذوو الأمانة والقوة. فكتبوا ذلك في كتاب. وأخذ عليهم ألا يشقوا عصًا ولا يفرقوا جماعة. ثم رجعوا راضين (٢) .
وقيل أرسل إليهم عليًّا فاتفقوا على الخمس المذكورة، ورجعوا راضين. فبينما هم كذلك (٣) إذا راكب
_________________
(١) أي اشترطوا عليه ستة شروط أو خمسة في المعاني الآتية.
(٢) كان الزاحفون من أمصارهم على مدينة الرسول ﷺ فريقين: رؤساء خادعين على درجات متفاوتة، ومرءوسين مخدوعين، وهم الكثرة التي بثت فيها دعايات مغرضة حتى ظنت أن هنالك منفيين مظلومين ومحرومين سلبوا حقهم. . . الخ. وقد رأيت في ص٥٤ـ ٥٥ شهادة أصدق شاهدين في العراق حينئذ وهما الحسن البصري وصنوه ابن سيرين عن وفرة الأعطيات والأرزاق وأنواع الخيرات. حتى كان منادي عثمان ينادي بدعوة الناس لها فلا يمنع عنها أحد. ورأيت في ص١٠٠ شهادة الإمام الشعبي عن تعميم الرزق والخير حتى إلى الإماء والعبيد. ولما أصغى عامة الثائرين إلى أجوبة عثمان وعرفوا الحقيقة اقتنعوا ورجعوا، وكان رجوعهم من طريقين مختلفين باختلاف اتجاه أمصارهم فالمصريين اتجهوا شمالا لغرب ليسايروا ساحل البحر الأحمر إلى السويس ومصر، والعراقيون من بصريين وكوفيين اتجهوا شمالا لشرق منجدين ليبلغوا البصرة والكوفة من أرض العراق.
(٣) أي فبينما العراقيون من بصريين وكوفيين في طريقهم نحو الشرق إلى الشمال، والمصريون في طريقهم نحو الغرب إلى الشمال، وبين الفريقين مراحل بعيدة؛ لأنهما تقدما في السير والمسافة تزداد بعدا بينهما.
[ ١٢٥ ]
يتعرض لهم (١) .
ثم يفارقهم، مرارًا (٢) قالوا: ما لك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر (٣) . ففتشوه، فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم ويقطع أيديهم وأرجلهم (٤) .
_________________
(١) أي للمصرين وحدهم.
(٢) ولا يتعرض لهم ثم يفارقهم ويكرر ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه. ويثير شكوكهم فيه. وهذا ما أرداه مستأجرو هذا الرجل لتمثيل هذا الدور، ومدبرو هذه المكيدة لتجديد الفتنة بعد أن صرفها الله وأراح المسلمين من شرورها. ولا يعقل أن يكون تدبير هذا الدور التمثيلي صادرا عن عثمان أو مروان أو أي إنسان يتصل بهما، لأنه لا مصلحة لهما في تجديد الفتنة بعد أن صرفها الله، وإنما المصلحة في ذلك للدعاة الأولين إلى إحداث هذا الشغب، ومنهم الأشتر وحكيم بن جبلة اللذان لم يسافرا مع جماعتهما إلى بلديهما، بل تخلفا في المدينة (الطبري ٥: ١٢٠) ولم يكن لهما أي عمل يتخلفان في المدينة لأجله إلا مثل هذه الخطط والتدابير التي لا يفكران يومئذ في غيرها.
(٣) وقد صرحوا بأنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح (الطبري ٥: ١٢٠) ولا يعقل أن يكتب إليه عثمان أو مروان؛ لأنه كان عقب حركة الثوار من مصر متوجهين إلى المدينة كتب إلى عثمان يستأذنه بالقدوم عليه (الطبري ٥: ١٢٢)، وخرج بالفعل من مصر نحو العريش وفلسطين وأيلة (العقبة) وتغلب محمد بن أبي حذيفة على الحكم في مصر، وهو عدو الله ورسوله، وخارج على خليفة المسلمين. فكيف يكتب عثمان أو مروان إلى عبد الله بن سعد وعندهما كتابه الذي يستأذن به في القدوم إلى المدينة؟ .
(٤) الأخبار التي جاء فيها أن الراكب غلام عثمان، وأن الجمل جمل الصدقة، وأن عثمان اعترف بذلك، كلها أخبار مرسلة لا يعرف قائلها. أو مكذوبة أذاعها رواة مطعون في صدقهم وأمانتهم. ومضمون الكتاب اضطربت الروايات فيه، ففي بعض الروايات: "إذا قدم عليك عبد الرحمن بن عديس فاجلده مائة واحلق رأسه ولحيته وأطل حبسه حتى يأتيك أمري. وعمرو بن الحمق فافعل به مثل ذلك. وسودان بن حمران مثل ذلك، وعروة بن التباع الليثي مثل ذلك". وفي رواية: "إذا أتاك محمد بن أبي بكر الصديق - وفلان وفلان - فاقتلهم وأبطل كتابهم وقر على عملك حتى يأتيك رأيي". وفي رواية ثالثة أن مضمون الكتاب أمر عامله بالقتل والقطع والصلب على هؤلاء الثوار. وهذا الاختلاف في مضمون كتاب واحد مما يزيد الريبة في أمره.
[ ١٢٦ ]
فأقبلوا حتى قدموا المدينة (١) فأتوا عليًّا فقالوا له: ألم تر إلى عدو الله.
_________________
(١) وأعجب العجب أن قوافل الثوار العراقيين التي كانت متباعدة في الشرق عن قوافل الثوار المصريين في الغرب عادتا معًا إلى المدينة في آن واحد، أي أن قوافل العراقيين التي كانت بعيدة مراحل متعددة عن قوافل المصريين ولا علم لها بالرواية المسرحية التي مثلت في البويب رجعت إلى المدينة من الشرق وقت رجوع المصريين من الغرب ووصلتا إلى المدينة معًا كأنما كانوا على ميعاد! ومعنى هذا أن اللذين استأجروا الراكب ليمثل دور حامل الكتاب أمام قوافل المصريين استأجروا راكبًا آخر خرج من المدينة معه قاصدًا قوافل العراقيين ليخبرهم بأن المصريين اكتشفوا كتابًا بعث به عثمان إلى عبد الله بن سعد في مصر بقتل محمد بن أبي بكر. قال الطبري (٥: ١٠٥): فقال لهم علي: «كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة!» (يشير كرم الله وجهه إلى تخلف الأشتر وحكيم في المدينة، وأنهما هما اللذان دبرا هذه المسرحية. قال الثوار العراقيون بلسان رؤسائهم: «فضعوه على ما شئتم. لا حاجة لنا إلى هذا الرجل. ليعتزلنا» وهذا تسليم منهم بأن قصة الكتاب مفتعلة، وأن الغرض الأول والأخير هو خلع أمير المؤمنين عثمان وسفك دمه الذي عصمه الله بشريعة رسوله ﷺ.
[ ١٢٧ ]
كتب فينا بكذا؟ وقد أحل الله دمه، قالوا له: فقم معنا إليه، قال: والله لا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم، فنظر بعضهم إلى بعض (١) وخرج علي من المدينة.
_________________
(١) الطبري (٥: ١٠٨) . وهذا الحوار بين علي والثوار مجمع عليه في كل الروايات وهو نص قاطع على أن اليد التي زورت الكتاب على عثمان وبعثت إلى العراقيين تخبرهم بذلك وتطلب منهم أن يعودوا إلى المدينة، هي اليد التي زورت على علي كتابًا إلى الثوار العراقيين بأن يعودوا. وقد قلنا في ص ١٢٥ أن الثوار فريقان - خادع ومخدوع - فالذين نظر بعضهم إلى بعض عندما حلف علي بأنه لم يكتب إليهم هم من الفريق المخدوع يتعجب كيف لم يكتب علي إليهم وقد جاءهم كتابه. ومن ذا الذي يكون قد كتب الكتاب على لسانه إذا لم يكن هو الذي كتبه؟ وسيأتي في ص ١٣٦ أن مسروق بن الأجدع الهمداني - وهو من الأئمة الأعلام المقتدى بهم - عاتب أم المؤمنين عائشة بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان، فأقسمت له بالذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون أنها ما كتبت إليهم سوادًا في بياض. قال سليمان بن مهران الأعمش - أحد الأئمة الأعلام الحفاظ -: «فكانوا يرون أنه كتب على لسانها» . أيها المسلمون في هذا العصر وفي كل عصر، إن الأيدي المجرمة التي زورت الرسائل الكاذبة على لسان عائشة وعلي وطلحة والزبير هي التي رتبت هذا الفساد كله، وهي التي طبخت الفتنة من أولها إلى آخرها، وهي التي زورت الرسالة المزعومة على لسان أمير المؤمنين عثمان إلى عامله في مصر في الوقت الذي كان يعلم فيه أنه لم يكن له عامل في مصر، وقد زورت هذه الرسالة على لسان عثمان بالقلم الذي زورت به رسالة أخرى على لسان علي، كل ذلك ليرتد الثوار إلى المدينة بعد أن اقتنعوا بسلامة موقف خليفتهم، وأن ما كان قد أشيع عنه كذب كله، وأنه كان يتصرف في كل أمر بما كان يراه حقًا وخيرًا. ولم يكن صهر رسول الله ﷺ المبشر منه بالشهادة والجنة هو المجني عليه وحده بهذه المؤامرة السبئية الفاجرة، بل الإسلام نفسه كان مجنيًا عليه قبل ذلك. والأجيال الإسلامية التي تلقت تاريخ ماضيها الطاهر الناصع مشوهًا ومحرفًا هي كذلك ممن جنى عليهم ذلك اليهودي الخبيث، والمنقادون له بخطام الأهواء والشهوات.
[ ١٢٨ ]
فانطلقوا إلى عثمان فقالوا له: كتبت فينا كذا. قال لهم إما أن تقيموا اثنين من المسلمين، أو يميني - كما تقدم ذكره - فلم يقبلوا ذلك منه (١) . ونقضوا عهده (٢) وحصروه.