وقد سموا من قام عليه، فوجدناهم أهل أغراض سوء حيل بينهم وبينها (١) فوعظوا وزجروا (٢) وأقاموا عند عبد الرحمن بن خالد
_________________
(١) الذين شاركوا في الجناية على الإسلام يوم الدار طوائف على مراتب: فيهم الذين غلب عليهم الغلو في الدين، فأكبروا الهنات، وارتكبوا في إنكارها الموبقات. وفيهم الذين ينزعون إلى عصبية يمنية على شيوخ الصحابة من قريش، ولم تكن لهم في الإسلام سابقة. فحسدوا أهل السابقة من قريش على ما أصابوا من مغانم شرعية جزاء جهادهم وفتوحهم، فأرادوا أن يكون لهم مثلها بلا سابقة ولا جهاد. وفيهم الموتورون من حدود شرعية أقيمت على بعض ذويهم، فاضطغنوا في قلوبهم الإحنة والغل لأجلها. وفيهم الحمقى الذين استغل السبئيون ضعف قلوبهم فدفعوهم إلى الفتنة والفساد والعقائد الضالة. وفيهم من أثقل كاهله خير عثمان ومعروفه نحوه، فكفر معروف عثمان عندما طمع منه بما لا يستحقه من الرئاسة والتقدم بسبب نشأته في أحضانه. وفيهم من أصابهم من عثمان شيء من التعزير لبوادر بدرت منهم تخالف أدب الإسلام، فأغضبهم التعزير الشرعي من عثمان، ولو أنهم قد نالهم من عمر أشد منه لرضوا به طائعين. وفيهم المتعجلون بالرياسة قبل أن يتأهلوا لها اغترارا بما لهم من ذكاء خلاب أو فصاحة لا تغذيها الحكمة، فثاروا متعجلين بالأمر قبل إبانه. وبالإجمال، فإن الرحمة التي جبل عليها عثمان وامتلأ بها قلبه أطمعت الكثير فيه، وأرادوا أن يتخذوا من رحمته مطية لأهوائهم. ولعلي إذا اتسع لي الوقت أتفرغ لدراسة نفسيات هؤلاء الخوارج على عثمان، وتنظيم المعلومات الصحيحة التي بقيت لنا عنهم، ليكون من ذلك درس عبرة لطلاب التاريخ الإسلامي.
(٢) وقد وعظهم وزجرهم أهل العافية والحكمة والرضا من أعيان أمصارهم وعلمائها في الكوفة والبصرة والفسطاط، ثم وعظهم وزجرهم معاوية في مجالس له معهم عندما سيرهم عثمان إلى الشام كما سيجيء عند كلام المؤلف على سطوهم على المدينة - بحجة الحج - فحولوا حجهم الكاذب إلى البغي على خليفتهم وسفك دمه الحرام في الشهر الحرام بجوار قبر المصطفى ﵊.
[ ٥٨ ]
ابن الوليد (١) وتوعدهم حتى تابوا (٢) فأرسل بهم إلى عثمان فتابوا (٣) . وخيرهم فاختاروا التفرق في البلاد، فأرسلهم: فلما سار كل إلى ما اختار أنشأوا الفتنة، وألبوا الجماعة، وجاءوا إليه (٤) بجملتهم، فاطلع عليهم من حائط داره ووعظهم، وذكرهم، وورعهم عن دمه (٥) وخرج طلحة يبكي ويورع الناس، وأرسل علي ولديه (٦) وقال الناس لهم (٧) إنكم أرسلتم إلينا " أقبلوا إلى من غير سنة الله (٨) "، فلما جئنا قعد هذا في بيته - يعنون عليا -
_________________
(١) وكان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد واليا لمعاوية على حمص وما يليها من شمال الشام إلى أطراف جزيرة ابن عمر، وسيأتي الحديث عن أحوالهم عندما قبض عليهم هذا الشبل المخزومي بمثل مخالب أبيه.
(٢) بل تظاهروا بأنهم تابوا، " وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ".
(٣) خيرهم عبد الرحمن بن خالد في أن يذهبوا إلى عثمان، فذهب كبيرهم الأشتر النخعي، وله قصة نذكرها في موضعها من هذا الكتاب.
(٤) أي إلى أمير المؤمنين عثمان.
(٥) ورعهم عن الشيء: كفهم ومنعهم بالحجة والحق المنير.
(٦) ليكونا في حراسة أمير المؤمنين عثمان، ويدافعا عنه.
(٧) أي قال البغاة يخاطبون عليا وطلحة والزبير.
(٨) زعم البغاة أنهم تلقوا من علي وطلحة والزبير كتبا يدعونهم بها للثورة على عثمان بدعوى أنه غير سنة الله. وسيأتي إنكار علي وطلحة والزبير أنهم كتبوا بذلك، والظاهر أن الفريقين صادقان، أن منظمي الفتنة من السبئيين زوروا الرسائل التي ذكرها البغاة الثائرون.
[ ٥٩ ]
وخرجت أنت (١) تفيض عينيك. والله لا برحنا حتى نريق دمه. وهذا قهر عظيم، وافتئات على الصحابة، وكذب في وجوههم وبهت لهم، ولو أراد عثمان لكان مستنصرا بالصحابة، ولنصروه في لحظة (٢) وإنما جاء القوم مستجيرين متظلمين (٣) . فوعظهم، فاستشاطوا. فأراد الصحابة ألَّهُمْ (٤) فأوعز إليهم عثمان ألا يقاتل أحد بسببه أبدا، فاستسلم، وأسلموه برضاه.
وهي مسألة من الفقه كبيرة: هل يجوز للرجل أن يستسلم، أم يجب عليه أن يدافع عن نفسه؟
وإذا استسلم وحرَّم على أحد أن يدافع عنه بالقتل، هل يجوز لغيره أن يدافع عنه ولا يلتفت إلى رضاه؟ اختلف العلماء فيها.
فلم يأت عثمان منكرا لا في أول الأمر، ولا في آخره، ولا جاء الصحابة بمنكر. وكل ما سمعت من خبر باطل إياكَ أن تلتفت إليه (٥) .
_________________
(١) الخطاب لطلحة بن عبيد الله.
(٢) ولقد راودوه في ذلك مرارا، وعرض عليه معاوية أن ينقل دار الخلافة إلى الشام، أو يمده بجند من الشام لا يعرف له التاريخ إلا التقدم والظفر.
(٣) أي أن البغاة ظهروا بمظهر المتظلم وهو يدعي أمورا يشكوها، فكان عثمان يرى لهم حقا عليه أن يبين لهم وللناس حجته فيما ادعوا، ووجهة نظره في الأمور التي زعموا أنهم جاءوا يتظلمون منها.
(٤) ألَّهُ: طعنه بالألَّة، وهي الحربة العريضة النصل.
(٥) ومعيار الأخبار في تاريخ كل أمة الوثوق من مصادرها، والنظر في ملاءمتها لسجايا الأشخاص المنسوبة إليهم. وأخبار التاريخ الإسلامي نقلت عن شهود عيان ذكروها لمن جاءوا بعدهم. وهؤلاء رووها لمن بعدهم وقد اندس في هؤلاء الرواة أناس من أصحاب الأغراض زوروا أخبارا على لسان آخرين وروجوها في الكتب، إما تقربا لبعض أهل الدنيا، أو تعصبا لنزعة يحسبونها من الدين. ومن مزايا التاريخ الإسلامي - تبعا لما جرى عليه علماء الحديث - أنه قد تخصص فريق من العلماء في نقض الرواية والرواة، وتمييز الصادقين منهم عن الكذبة، حتى صار ذلك علما محترما له قواعد، وألفت فيه الكتب، ونظمت للرواة معاجم حافلة بالتراجم، فيها التنبيه على مبلغ كل راو من الصدق والتثبت والأمانة في النقل، وإذا كان لبعضهم نزعات حزبية أو مذهبية قد يجنح معها على الهوى ذكروا ذلك في ترجمته ليكون دارس أخبارهم ملما بنواحي القوة والضعف من هذه الأخبار. والذين يتهجمون على الكتابة في تاريخ الإسلام وتصنيف الكتب فيه قبل أن يستكملوا العدة لذلك - ولا سيما في نقد الرواة ومعرفة ما حققه العلماء في عدالتهم أو تجريحهم - يقعون في أخطاء كان في إمكانهم أن لا يقعوا فيها لو أنهم استكملوا وسائل العلم بهذه النواحي.
[ ٦٠ ]