وصوله إلى إشبيلية: ولما وصل ابن العربي إلى وطنه إشبيلية كان الحكم فيها لا يزال ليوسف بن تاشفين، واستمر على ذلك إلى أن مات سنة ٥٠٠. فاستقبل العلماء ورجال الثقافة والأدب في إشبيلية وما جاورها من عواصم الأندلس هذا الغائب القادم بعلوم المشرق استقبالا لا نظير له، وقصده طلاب العلم وأذكياء الأندلس من كل حدب وصوب، وتحول منزله إلى جامعة، وعقدت له حلقات الدرس في الجوامع، وكان ممن أخذ عنه وتلقى عليه طائفة من كبار علماء الإسلام: منهم قاضي المغرب وحافظه القاضي عياض بن موسى اليحصبي مؤلف (الشفا) و(مشارق الأنوار)، وابنه القاضي محمد بن عياض، والحافظ المؤرخ أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال، والإمام الزاهد العابد أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد الإشبيلي، وأبو جعفر بن الباذش، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم الخزرجي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن خليل القيسي، وأبو الحسن بن النعمة، وأبو بكر محمد بن خير الأموي الإشبيلي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حبيش، والإمام عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي شارح السيرة، وأبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الصقر الأنصاري، وأبو الحسن علي بن عتيق القرطبي، وأبو القاسم أحمد بن محمد بن خلف الحوفي، وأبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الخراط، وأبو بكر محمد بن محمد اللخمي البلنقي، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الغاسل الغرناطي، وأبو الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي، وأبو العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشد، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن سعيد العبدري شارح صحيح مسلم، وأبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن عياد، والحافظ أبو الحجاج يوسف بن إبراهيم العبدري، والقاضي أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء اللخمي وأبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن قرقول شارح مشارق الأنوار، وعالم لا يحصى
[ ٢٣ ]
من نمط هؤلاء الأجلاء منهم من ذكر مترجمو ابن العربي أسماءهم ومنهم من لم يسموهم لكثرتهم أو لأنهم من تلاميذه المتأخرين في الزمن عندما بلغ هذا الأمام سن الشيخوخة. ولعل من هؤلاء راوي كتابه (العواصم من القواصم) صالح بن عبد الملك بن سعيد الذي ذكر في أول الكتاب أنه قرأه على ابن العربي. وقد قلنا إن أبا بكر بن العربي كان بعد عودته من المشرق إلى الأندلس جامعة يصدر عنها العلم إلى كل معاصر له ممن يستطيع لقاءه، فهو مربي الجيل الذي عاش معه في تلك الديار. قال مترجموه: بقي ابن العربي يفتي ويدرس أربعين سنة، وقبل أن يتولى القضاء صدر له التقليد من السلطات الرسمية بأن يتولى منصب المشاور للقضاء، وهو منصب رفيع يصدر به ما يسمى الآن في الديار المصرية (مرسوما) وما يسمى في المغرب (ظهيرا) ومن نماذج مرسوم هذا المنصب ما تراه في هامش ص٨٩ من كتاب (غابر الأندلس وحاضرها) للأستاذ محمد كرد علي وفي هامش (٠١، ١٦٢) من (شجرة النور الزكية) لمخلوف. وكان لا يباح للعالم في الأندلس أن يفتي إلا إذا استظهر (الموطأ) و(المدونة) أو عشرة آلاف حديث، ويتميز حينئذ بلبس القلنسوة ويقال له المقلس.
ولما كنت حلقة ابن العربي تخرج علماء الجيل، كانت مملكة على بن يوسف بن تاشفين تزداد اتساعا واستفحالا بما كان يستحلفه من بلاد ملوك الطوائف، وبما استرده أو فتحه من الأسبانيين. وكان الوالي على شرق الأندلس وجنوبها لعلي بن يوسف بن تاشفين أخوه تميم بن يوسف، وفي سنة ٥١٣ انتعش الأسبانيون وأخذوا في إزعاج البلاد الإسلامية فجاز علي بن يوسف بن تاشفين من المغرب إلى الأندلس وقاتلهم وانتصر عليهم وعاد سنة ٥١٥، فاستمرت الحال على ذلك إلى أن توفي تميم بن يوسف سنة ٥٢٠، فولى علي بن يوسف بن تاشفين على الأندلس ابنه تاشفين بن علي، وفي هذا الدور كان ابن العربي قد بلغ القمة في مكانته العلمية بما ظهر من مؤلفاته العظيمة، وما
[ ٢٤ ]
انتشر في ربوع الأندلس والمغرب من تلاميذه ومريديه، فدعي في رجب سنة ٥٢٨ لتولي القضاء في إشبيلية. وقد أجمعت كلمة الذين تحدثوا عنه- كالقاضي عياض، وابن بشكوال، وابن سعيد وجميع مؤرخي الأندلس-على أنه كان مثال العدل والاستقامة وحسن القيام بأمر القضاء، قال القاضي عياض: فنفع الله به أهل إشبيلية لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه، وكانت له في الظالمين سورة مرهقة، مع الرفق بالمساكين، والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واستمر في هذه المدة على إلقاء دروسه مع القيام بأمر القضاء ومواصلة التأليف. إلا أن وقته أصبح ضيقا حتى اضطر تلميذه الإمام الزاهد العابد أبو عبد الله الإشبيلي إلى أن ينقطع عن درسه. فقيل له في ذلك، فقال: (كان يدرس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب إلى السلطان) .
إن المكانة التي وصل إليها ابن العربي في العلم وعزته وسيادته على القلوب-قبل ولايته القضاء-كانت مثار الحسد له والإحنة عليه من العلماء الرسميين الذين يتجرون بقشور العلم ليبنوا بها دنياهم، فلما ازدادت مكانته رفعة بالقضاء مضى فيه مجاهدا في سبيل العدل والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلها من سبيل الله، يجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة، ولين الكنف، وكثرة الاحتمال، وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود. فازداد غيظ حاسديه، واشتد ضغن صغار النفوس عليه، ولا سيما أهل الجور والظلم والغصب الذين كان شديد الأحكام عليهم والأخذ منهم للمظلومين، منضما إليهم أهل المجون والفسقة الذين تناولهم ابن العربي بطريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما كان أكثر أهل المجون يومئذ في إشبيلية. يدلك على ذلك حوار عن إشبيلية وقرطبة دار في مجلس منصور بن عبد المؤمن بين أبي الوليد بن رشد وأبي بكر بن زهر، فقال ابن رشد لابن زهر: ما أدري ما نقول، غير أنه إذا مات عالم في إشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حملت إلى إشبيلية.
[ ٢٥ ]
وشعر ابن العربي في مدة قضائه بأن سور إشبيلية لا يقاوم أحداث الدهر إذا ألمت بالبلد ملمة، فعزم على ترميمه، وسد بعض الثلم الواقعة فيه. واتفق وقوع ذلك في زمن انصرفت فيه الحكومة عن مثل هذا الأمر. أو أن المال اللازم لذلك لم يكن متوافرا لديها، فخرج ابن العربي عن كل ما تحت يده من ماله الخاص ورصده لتحقيق هذا الواجب الملي العام، ودعا الأمة إلى البذل فيه، وأقبلت في خلال ذلك الأيام الأولى من شهر ذي الحجة، فكان ابن العربي أول من خطر على باله الاستفادة من جلود الأضاحي في المصالح العامة، فحض الناس على أن يتبرعوا بجلود أضاحيهم لبناء هذا السور، فكان في ذلك موفقا، إلا أن أعداءه ومبغضي طريقته أثاروا العامة عليه بأساليبهم الخبيثة حتى نابه بداره في أحد الأيام مثل الذي ناب أمير المؤمنين عثمان بن عفان لما تألب البغاة عليه وهاجموه في داره. ولا شك أن هذه الحادثة وقعت له في آخر ولايته للقضاء، وقد أشار إليها في كتابنا هذا (العواصم من القواصم) الذي ألفه في سنة ٥٣٦ فهي إذن وقعت بعد سنة ٥٣٠ وقبل سنة ٥٣٦ وقد قال في كتابنا هذا ص١٣٧-١٣٨ يصفها (ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يك في الأرض منكر. واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب فتألبوا وألبوا وثاروا إلي، فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي فعاثوا علي، ولولا ما سبق من حسن المقدار، لكنت قتيل الدار. وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور: أحدها وصاية النبي ﷺ (أي بالكف عن القتال في الفتنة) . الثاني الاقتداء بعثمان. والثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله ﷺ المؤيد بالوحي (١) .
_________________
(١) أي لما أراد عمر بن الخطاب أن يقتل ابن سلول عند عودة النبي ﷺ من غزوة بني المصطلق لقول ابن سلول " إذا رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأزل " فمنع النبي ﷺ عمر من قتله وقال " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ".
[ ٢٦ ]
فنكب ابن العربي في هذه الثورة ونهبت كتبه كلها. وانصرف أو صرف عن القضاء، وتحول مؤقتا إلى قرطبة. وكان له فيها تلاميذ ومريدون، فازداد بهذه الرحلة تلاميذه من أذكيائها ومريدوه.
وكان من حكمة الله في هذه النازلة أن تفرغ ابن العربي للعلم، وواصل إكمال مؤلفاته الكبيرة، وقد آن لنا أن نشير إلى تراثه العلمي. فمن مؤلفاته:
١ -أنوار الفجر في تفسير القرآن: ألفه في عشرين سنة وبلغ ثمانين ألف ورقة (أي مائة ألف وستين ألف صفحة) ورآه يوسف الحزام المغربي في القرن الثامن في خزانة أمير المسلمين السلطان أبي عنان فارس بمدينة مراكش (وكان يخدم السلطان في حزم كتبه ورفعها) فعد أسفاره فبلغت ثمانين سفرا، وقال بعض مترجمي ابن العربي إنه في تسعين مجلدا، وكان الناس يتداولون هذا التفسير أثناء تأليفه، فكلما انتهى من تأليف مقدار منه تناسخه الناس وتناقلوه.
٢ -قانون التأويل في تفسير القرآن: كتاب كبير، كان موجودا ومنتشرا إلى القرن الحادي عشر الهجري، ونقل عنه المقري في نفح الطيب، ونقلنا عنه شيئا منه في هذه الترجمة.
٣ -أحكام القرآن: كتاب نفيس طبعه سلطان المغرب مولاي عبد الحفيظ في إحدى المطابع المصرية.
٤ -الأحكام الصغرى، منه مخطوط بمكتبة عبد الحي الكتاني بالمغرب.
٥ -الناسخ والمنسوخ في القرآن: توجد منه مخطوطة بخزانة القرويين.
٦ -كتاب المشكلين: مشكل الكتاب ومشكل السنة.
٧ -كتاب النيرين: في الصحيحين.
٨ -القبس: في شرح موطأ مالك بن أنس. وهو من أواخر مؤلفاته. ذكر فيه تفسيره (أنوار الفجر) وفي مكتبة الكتاني بالمغرب مخطوطة من القبس وفي مكتبة الجلاوي بمراكش مخطوطة.
[ ٢٧ ]
٩ -ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك: في مكتبة طلعت (٧٩٣ حديث) .
١٠ -عارضة الأحوذي، شرح جامع الترمذي: وهو من أول مؤلفاته، ويقول الحافظ ابن عساكر: إنه بدأ بتأليفه في منقلبه إلى المغرب عائدا من رحلته الكبرى. وقد اطلعنا على مخطوطة منه في مكتبة جمعية الهداية الإسلامية جاء بها من تونس صديقنا العلامة الجليل السيد محمد الخضر حسين. ثم طبع هذا الكتاب في مصر سنة ١٣٥٠ مع جامع الترمذي في ١٤ جزءا.
١١ -شرح حديث جابر في الشفاعة.
١٢ - حديث الإفك.
١٣ - العواصم من القواصم.
١٤ -شرح حديث أم زرع.
١٥ -الكلام على مشكل حديث السبحات والحجاب.
١٦ -السباعيات.
١٧ - المسلسلات.
١٨ -الأمد الأقصى بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا.
١٩ -تفصيل التفضيل، بين التحميد والتهليل.
٢٠ -التوسط في معرفة صحة الاعتقاد، والرد على من خالف السنة وذوي البدع والإلحاد في مجموع مخطوط بمكتبة عبد الحي الكتاني في المغرب (عقيدة ابن العربي) .
٢١ -المحصول في علم الأصول.
٢٢ -الإنصاف، في مسائل الخلاف: عشرون مجلدا.
٢٣ - شرح غريب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني.
٢٤ -كتاب ستر العورة.
٢٥ -الخلافيات.
٢٦ - مراقي الزلف.
٢٧ - سراج المريدين (وهو ينقل عنه ويشير إليه في العواصم من القواصم) ومنه مخطوطة بمكتبة عبد الحي الكتاني وبأولها خط المؤلف.
٢٨ - نواهي الدواهي.
[ ٢٨ ]
٢٩ - العقل الأكبر للقلب الأصغر.
٣٠ - الكافي في أن لا دليل على النافي.
٣١ -سراج المهتدين.
٣٢ - تبيين الصحيح، في تعيين الذبيح.
٣٣ - ملجأة المتفقهين، إلى معرفة غوامض النحويين.
٣٤ -أعيان الأعيان.
٣٥ -تخليص التلخيص.
٣٦ - ترتيب الرحلة للترغيب في الملة: منه مخطوطة ناقصة في مكتبة عبد الحي الكتاني بالمغرب.
وفى خلال اشتغال ابن العربي بالتدريس والتأليف في العشر الأواخر من سني حياته، كان يتردد على الأدباء، ويساجلهم الأدب والشعر بقريحة وقادة، وبيان جزل، ولا يتسع هذا المقام لوصف مقامه الأدبي، ونكتفي بإيراد المثل الآتي لهذه الناحية: دخل عليه الأديب ابن صارة الشنتريني وبين يدي القاضي أبي بكر نار علاها رماد فقال لابن صارة: قل في هذه. فقال:
شابت نواصي النار بعد سوادها وتسترت عنا بثوب رماد
ثم قال لابن العربي: أجز. فقال:
شابت كما شبنا وزال شبابنا فكأنما كنا على ميعاد
ونختم هذه الترجمة قبل ذكر وفاته، بفصل عقده وصاف أدب أدباء الأندلس الوزير أبو نصر الفتح بن خاقان القيسي في كتابه (المطمح) فقال يصف الفقيه الأجل الحافظ أبا بكر بن العربي:
(علم الأعلام الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء إياس. وترك التقليد للقياس، وانتجع الفرع من الأصل، وغدا في يد الإسلام أمضى من النصل، سقى الله به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف، ومد عليها من الظل الوارف. فكساها رونق نبله، وسقاها ريق وبله، وكان أبوه أبو محمد بإشبيلية بدرا في فلكها. وصدرا في مجلس ملكها. واصطفاه معتمد
[ ٢٩ ]
بني عباد، اصطفاء المأمون لابن أبي داود وولاه الولايات الشريفة وبوأه المراتب المنيفة. فلما أقفرت حمص من ملكهم وخلت (١) وألقتهم منها وتخلت. رحل به إلى المشرق، وحل فيه محل الخائف الفرق. فجال في أكنافه، وأجال قداح الرجاء في استقبال العز واستئنافه. فلم يسترد ذاهبا، ولم يجد كمعتمده باذلا له وواهبا فعاد إلى الرواية والسماع. وما استفاد من إجالة تلك الأطماع. وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوَّح، وفي روض الشباب زهر ما صوَّح، فألزمه مجالس العلم رائحا وغاديا، ولازمه سائقا إليها وحاديا، حتى استقرت به مجالسه، واطردت له مقايسه. فجد في طلبه، واستجد به أبوه منخرق أربه ثم أدركه حمامه ووارته هناك رجامه. وبقي أبو بكر متفردا، وللطلب متجردا، حتى أصبح في العلم وحيدا، ولم تجد عنه الرياسة محيدا، فكر إلى الأندلس فحلها والنفوس إليه متطلعة، ولأنبائه متسمعة، فناهيك من حظوة لقي، ومن عزة سقي، ومن رفعة سما إليها ورقي، وحسبك من مفاخر قلدها، ومن محاسن أنس أنبتها فيها وخلدها.
وفي السنوات الأخيرة من حياة ابن العربي مات علي بن يوسف بن تاشفين صاحب المغرب والأندلس، فقام بعده (سنة٥٣٧) ابنه تاشفين الذي كان واليا لأبيه على الأندلس. وفي زمنه استفحلت دعوة الموحدين التي كان دعا إليها ابن تومرت مدعي المهدوية فتولاها بعده صنيعته عبد المؤمن بن علي، وتغلب عبد المؤمن على المعز تاشفين وشرده إلى وهران في غرب الجزائر، ثم قتله في وهران في رمضان سنة ٥٣٩، وحاصر أخاه إسحاق بن علي بن يوسف
_________________
(١) كانت إشبيلية في زمن الفتح الإسلامي منزل الفاتحين من أبناء " حمص " إحدى المدن الشامية، فسموا إشبيلية باسم بلدهم، ولذلك يقول فيها ابن عبدون: هل تذكر العهد الذي لم أنسه ومودتي مخدومة بصفاء ومبيتنا في أرض حمص والحجى قد حل عقد صباه بالصهباء ودموع طل الليل يخلق أعينا ترنو إلينا من عيون الماء
[ ٣٠ ]
بن تاشفين في مراكش سنة ٥٤٠ مدة تسعة أشهر واستولى عليه وعليها في شوال سنة ٥٤١، فانقرضت دولة المرابطين أو الملثمين بعد أن حكمت ١٤١ سنة. وهكذا شهد ابن العربي سقوط دولة آل عباد على يد يوسف بن تاشفين في أول شبابه. ثم شاهد سقوط دولة بني تاشفين على يد عبد المؤمن بن علي صاحب دولة الموحدين في أواخر شيخوخته. وعقب ذلك أخذت وفود مدائن الأندلس تفد على مراكش طالبة من عبد المؤمن الاستيلاء على بلادهم من بقايا المرابطين. وحضر في سنة ٥٤٢ وفد (إشبيلية) برئاسة عظيمها وكبير علمائها الإمام أبي بكر بن العربي. ولسبب غامض لا نعرفه إلى الآن حبس عبد المؤمن هذا الوفد في مراكش نحو عام، ثم سرحوا، فأدركته منيته منصرفه من مراكش في موضع يسمي (أغلان) على مسيرة يوم من فاس غربا منها، فاحتمل ميتا إلى فاس في اليوم الثاني من موته، وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج، ودفن في يوم الأحد ٧ ربيع الأول سنة ٥٤٣ خارج المحروق أعلى مدينة فاس بتربة القائد مظفر. ﵀ وأعلى مقامه في دار الخلود.
[ ٣١ ]