إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
الثقافة الإسلامية بين الأصيل والدخيل.
١- الإسلام دين صاغ "دائرة معارف" هائلة لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، وقد انبثق من هذه الدائرة العديد من العلوم والفنون والمؤلفات بل و"دوائر المعارف" أيضًا.
وظلت البشرية منذ أن ابتدأت هذه الدائرة ترسل أضواءها الأولى بدءًا من: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ تعبُّ من هذا الحريق المختوم، وترتوي من هذا المعين الصافي، وتتزود من هذا الزاد الذي لا ينفد..
بحيث يحق لنا أن نقول: إن دائرة المعارف الإسلامية التي وضع لبناتها الأولى الرسول الخاتم محمد بن عبد الله، عليه صلوات الله بوحي
[ ٦ ]
من الله، ومدد من هداه، ظلت، وستظل المصدر الأول لكل ثقافة، والمرجع الأساسي لكل علم، والمحرك العظيم لأي حضارة
أقر بهذا من أقر، وجهله من جهله، وأنكره من أنكر
وموسوعة الثقافة الإسلامية هذه وسعت بين دفاتها عقولًا، وأممًا، ومدارس، واتجاهات، وصاغت كل أولئك صياغة إسلامية موفقة، وباهرة.
ولم يكن بناة هذه الحضارة ودعاتها وأساتذتها من العرب وحدهم، بصفتهم هم أول من تلقى الوحي، وآمن به.
وإنما شارك في ثراء هذه الحضارة الفكرية أجيال من المفكرين والعلماء والأئمة مذكورون ومسطورون في أعز وأغلى صفحات الفكر الإسلامي والإنساني.
إن الحضارة الفكرية الإسلامية لم تكن، ولن تكون ملكًا لأمة من الأمم، أو دولة من الدول، أو جيل من الأجيال، بحيث يحق لأي فرد أو جماعة أن يحتفظ لنفسه أو لأمته بحقوق التأليف والنشر والتصرف.
لأن هذه الثقافة ثقافة مرتبطة بالوحي الذي أنزله الله، لهداية البشر، كل البشر.
٢- وكانت السمة الغالبة على هذه الثقافة: الحرية، والاجتهاد، والاختيار، وتلك ميزات نعرفها للثقافة التي تتفاعل مع الإنسان، كل إنسان، وتتعامل مع الزمان، كل زمان، وتنداح حتى تستوعب المكان، كل مكان.
وظل باب الاجتهاد في هذه الثقافة مفتوحًا، على كل مصاريعه؛ ليقول كلمة الحق في كل ما يعتري المسيرة البشرية من مشكلات وتطلعات وارتباطات.
[ ٧ ]
وينبغي لنا، ويجمل بنا، أن نتوقف عند هذه النقطة من هذه المقدمة لنقول:
إن ثراء الثقافة الإسلامية
وإن باب الاجتهاد المفتوح على مصاريعه فيها
وإن ترحيبها المستمر بكل الأمم والشعوب
إن كل أولئك كان مدخلًا تسللت منه رواسب ثقافات، وبقايا اعتقادات، ومزج من الخرافات التي لا تتفق مع الإسلام في الشكل أو في الموضوع، أرأيت إلى النهر العظيم، وهو يهدر في مجراه، وينساب قويًّا عظيمًا ليروي الظماء من البشر والحيوان والطير والقفار.
كذلك نهر الثقافة الإسلامية.
ثم
أرأيت إلى ما يعلق بهذا النهر من غثاء، ونباتات طفيلية، وجنادل، وصخور ناتئة من شطآنه، أو ملقاة في سبيل مد الهادر.
وإذا كان كل نهر في حاجة إلى من يطهر مجراه، ويعمقه، ويزيل ما علق بمجراه، من كل ما يعوق تدفقه واندفاعه، فكذلك الإسلام، وهذا هو دور المجددين الذين قال فيهم رسول الله ﷺ:
"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها"
وكلمة "من" لا تعني مجددًا واحدًا، بل تعني عشرات، ومئات، وألوف المجددين، على طول الزمان، وعرض المكان.
[ ٨ ]
والتجديد يكون لأمر الدين لا للدين نفسه.
وأمر الدين كله تتسع لتشمل كل المعارف التي فجرها هذا الدين، سواء أكانت في أصول الدين، أم أصول الفقه، أم أصول الدنيا.
٤- إن الأمم الكثيرة، والأملاء التي لا تكاد تنتهي حصرًا واستقصاء من الداخلين في هذا الدين، قد جروا معهم عن قصد أو عن غير قصد، بحسن نية أو بسوء نية مجموعة من الأفكار، والاتجاهات، والمأثورات الشعبية، والأساطير القومية، والاتجاهات السياسية، والانتماءات الحزبية.
وكل ذلك وغيره كثير شكل ركامًا من الدخيل الذي ألصق بالثقافة الإسلامية إلصاقًا، ومثل من نسميه بالخرافات والبدع والأقاصيص.
ولقد كان المجال التاريخي -ولا زال، وسيظل- معبرًا للتصورات الباهتة، والروايات الموضوعة، التي تؤيد حزبًا ضد حزب، وتعين فريقًا على فريق، إن الرواية التاريخية أصبحت على لسان المحاربين كالسيف الذي في أيديهم يقتلون بها، ويثيرون القلاقل في صفوف أعدائهم.
وإذا كانت الحرب الباردة تعتمد على الإشارة والأكاذيب، فإن الإشاعة والأكاذيب تحولت إلى روايات تاريخية، بل إلى روايات حديثية، يضعها الوضاعون، ثم يرفعونها بلا خوف ولا خجل إلى الرسول ﷺ، أو يقفونها بلا حياء ولا استخزاء عند صحابته رضوان الله عليهم.
٥- وإن الله الذي تعهد بحفظ ذكره ووحيه قيض لهذه الثقافة من ينفي عنها الخبث والعبث والضلال والتضليل والزيف والدخيل.
[ ٩ ]
وما هذا الكتاب الذي نقدمه للناس اليوم إلا واحد من هذه الأعمال الجليلة التي قام بها علماء أجلاء ينافحون بها عن دين الله، ويبعدون بها الخرافة والضلالة عن كواه.
ومؤلف هذا الكتاب هو الإمام الحجة الثبت محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعافري الأشبيلي المعروف بالقاضي أبي بكر بن العربي، ولد في ٢٢ شعبان سنة ٤٦٨هـ، وتوفي في ربيع الأول سنة ٥٤٣هـ.
٦- والعواصم من القواصم مؤلف عظيم للقاضي أبي بكر بن العربي.
نشره الشيخ عبد الحميد بن باديس سنة ١٣٤٧هـ في جزئين وذلك عن مخطوطة جامع الزيتونة بتونس، وبالمخطوطة خروم وسقطات وتقديم وتأخير، ولعل ذلك من الناسخ.
أخذ منه الشيخ محب الدين الخطيب قسمًا من الجزء الثاني منه، ابتداء من صفحة ٩٨ إلى صفحة ١٩٣، ونشره معتمدًا على هذه المطبوعة فقط، ولم يلتفت إلى أي مخطوطة أخرى٣، وسماه:
"العواصم من القواصم"
في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ.
وذلك للمرة الأولى سنة ١٣٧١هـ ثم توالت الطبعات عن هذه الطبعة نفسها.
نشر الكتاب بعد ذلك كاملًا في قسمين الأستاذ الدكتور "عمار طالبي" الأستاذ بكلية الآداب جامعة الجزائر، ورئيس قسم الفلسفة آنذاك.
- القسم الأول: دراسة لآراء أبي بكر بن العربي الكلامية، ونقده للفلسفة اليونانية.
_________________
(١) ٣ انظر مقدمته للكتاب، صفحة ٨.
[ ١٠ ]
القسم الثاني: النص الكامل والصحيح للمرة الأولى لكتاب: "العواصم من القواصم".
نشر الأستاذ محمود مهدي الإستنابولي حفظه الله، طبعة الشيخ محب الدين الخطيب نفسها محتفظًا بتعليقات الشيخ الخطيب كاملة، إلا أنه زاد عليه في التعليق فقط في إثبات بعض التحقيقات الحديثية والتاريخية.
٧- وما قام به الأخوة الكرام في المكتب السلفي لتحقيق التراث١ هو:
- المقابلة على مخطوطات ثلاث كلها في دار الكتب المصرية:
١- الأولى برقم ٢٢٠٣١ب.
٢- الثانية برقم ٦٢١ عقائد تيمور.
٣- الثالثة برقم ٤ ش علم الكلام.
وإثبات ما رأوه صحيحًا بين قوسين [-] .
- حذف التعليقات التي بناها الشيخ الخطيب على أخطاء مطبوعة الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس.
مع الاحتفاظ بكل التعليقات الأخرى، وقليل ما حذفوا.
- عمل ترجمة للإمام القاضي أبي بكر بن العربي وكتبه.
- زيادة تخريج وتحقيق الأحاديث النبوية، وإن كان صديقنا العلامة
_________________
(١) ١ هو هيئة علمية تتكون من خيرة متخصصة في تحقيق التراث، وهي تابعة لدار الكتب السلفية تقوم بنشر النادر والثمين من تراثنا الإسلامي. وقد أخذت على عاتقها إعادة نشر كتب التراث التي لم تأخذ حقها من التحقيق، أو نشرت بدون الاعتماد على مخطوطات موثقة، كذا إعداد الفهارس؛ لتيسير البحث والاستفادة لطلاب العلم، والله الموفق وهو وحده المستعان.
[ ١١ ]
محمود مهدي الإستانبولي-حفظه الله- قد قام بذلك، ولكن صدق من قال: "كم ترك الأول للآخر".
وكذلك قد أثبتوا جميع الفوائد التي كتبها الشيخ محمود مهدي في نشرته.
- توثيق نص الكتاب بالاعتماد على المخطوطات سالفة الذكر، دون أخطاء.
- إضافة بعض التعليقات التي اقتضاها الموضوع.
وإنني إذ أقدم هذا الكتاب العظيم، لذلك المؤلف العظيم، لا يسعني إلا أن أسجل هنا كلمة تحية وتقدير للشاب السلفي الغيور الأستاذ شرف حجازي: الذي قام بخراج هذا الكتاب ومتابعة العمل فيه، على هذا النحو الجيد
وإن كنت لا أنسى أن أسجل له -أعزه الله ووفقه- جهوده الكبيرة والكريمة في سبيل إخراج كثير من كتب التراث النافعة، بهذا الإخراج الطيب.
فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
الزيتون في ٣ من شهر جمادى الآخرة ١٤٠٥هـ..
الدكتور محمد جميل غازي
رئيس المركز الإسلامي العام لدعاة التوحيد والسنة
[ ١٢ ]