عليه وآله وسلم ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام، ولا شهد أحد
_________________
(١) = رجاله كلهم ثقات، وقد صححه ابن حبان ١٨٣١ والحاكم والحافظ والذهبي وابن كثير. وبمناسبة الكلام على حديث الحوأب، لا بد لنا من التصريح بأن خروج عائشة ﵂ كان اجتهادًا منها لتحقيق غاية طلحة والزبير، والتعاون مع علي ﵁ من أجل إطفاء الفتنة والقضاء على المنافقين والمفسدين من قتلة عثمان ﵃ جميعًا. وقد جاء في كتاب التحفة الاثنى عشرية في رد المطاعن في حق أم المؤمنين وحبيبة حبيب رب العالمين عائشة الصديقة وزوج مفخرة العوالم على الحقيقة. منها أنها خرجت من المدينة إلى مكة، ومنها إلى البصرة، ومعها يزيد على ستة عشر ألف رجل من العسكر. وقد قال تعالى في الأزواج المطهرات: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ فأمرهن بالسكون في البيوت، ونهاهن عن الخروج من بيوتهن. والجواب: أن الأمر باستقرارهن في البيوت والنهي عن الخروج منها ليس بمطلق، ولو كان مطلقًا لما أخرجهن رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم بعد نزول الآية إلى الحج والعمرة والغزوات، ولا رخص بهن بزيارة الوالدين وعيادة المريض وتعزية أقاربهن. واللازم باطل، فكذا الملزوم. والمراد من هذا الأمر والنهي تأكيد التستر والحجاب، بأن لا يدرن ولا يتسكعن في الطرق كنساء العوام. وما طعن به أعداء الله على أم المؤمنين ﵂ وجد في فاطمة ﵂ لما ثبت في كتبهم بطريق التواتر أن الأمير -عليًّا- قد أركب فاطمة على مطية وطاف بها في محلات المدينة ومساكن الأنصار طالبًا منهم الإعانة على ما غصب من حقها في خلافة أبي بكر ﵁، وذلك بناء على رواية الخصوم. ولما ظهر علي ﵁ جاء إلى أم المؤمنين ﵂ فقال: "غفر الله لك"، قالت: "ولك، ما أردت إلا الإصلاح". ثم أنزلها دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار في البصرة على سنية بنت الحارث أم طلحة الطلحات، وزارها ورحبت به وبايعته وجلس عندها. فقال رجل: يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلين ينالان من عائشة، فأمر القعقاع بن عمرو أن يجلد كل منهما مئة جلدة وأن يجردهما من ثيابهما ففعل. "الطبري: ٢٢٣: ٥" ولما أرادت الخروج من البصرة بعث إليها بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وأرسل معها أربعين امرأة وسير معها أخاها محمدًا. ولما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي ﵁ فوقف على الباب =
[ ١٦٣ ]
بشهادتهم، وقد كتبت شهاداتكم بهذا الباطل وسوف تسألون٢٧٦.
_________________
(١) = وخرجت من الدار في الهودج، فودعت الناس ودعت لهم وقالت: "يا بني، لا يغتب بعضكم بعضًا، إنه والله ما كان بيني وبين علي بن أبي طالب ﵁ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه لمن الأخيار"، فقال علي ﵁: "صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم ﵌ في الدنيا والآخرة، وسار معها مودعا أميالًا سرح بيته معها بقية ذلك اليوم. أما خروج عائشة ﵂ فهو اجتهاد منها لتحقيق غاية طلحة والزبير، والتعاون مع علي من أجل إطفاء الفتنة والقضاء على المنافقين من قتلة عثمان ﵃ جميعا. "التحفة صـ ٢٦٠-٢٦٨، ٢٧٥، ٢٧٦ باختصار". فأين هذه البراءة مما زعمه بعض المفترين بأن خروج عائشة ﵂ يوم الجمل كان انتقامًا من علي ﵁ من أنه حض الرسول ﵌ على طلاقها في حادثة الإفك لما رأى من حزنه من كلام بعض الناس. وقد قال غير واحد أنها اجتهدت، ولكنها أخطأت في الاجتهاد، ولا إثم على المجتهد المخطيء، بل له أجر على اجتهاده، وكونها رضي الله تعالى عنها من أهل الاجتهاد مما لا ريب فيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن عائشة لم تقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت كلما ذكرت تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقن ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير ﵃ أجمعين، ولم يكن لهؤلاء قصد في القتال، ولك وقع القتال بغير اختيارهم. "المنتقى صـ ٢٢٣"."م". ٢٧٦ تقدم بيان موضع الحوأب. وأن الكلام الذي نسبوه إلى النبي ﵌ وزعموا أن عائشة ذكرته عند وصولهم إلى ذلك الماء ليس له موضع في دواوين السنة المعتبرة. وقد رأينا خبره عند الطبري ١٧٠:٥ فرأيناه يرويه عن إسماعيل بن موسى الفزاري "وهو رجل قال فيه ابن عدي: أنكروا منه الغلو في التشيع"، ويرويه هذا الشيعي عن علي بن عابس الأزرق "قال عنه النسائي: ضعيف"، وهو يرويه عن أبي الخطاب الهجري "قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: مجهول" وهذا الهجري المجهول يرويه عن صفوان بن قبيصة الأحمسي "قال عنه
[ ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال": مجهول". هذا هو خبر الحوأب. وقد بني على أعرابي زعموا أنهم لقوه في طريق الصحراء ومعه جمل أعجبهم، فأرادوا أن يكون هو جمل عائشة، فاشتروه منه، وسار الرجل معهم حتى وصلوا إلى الحوأب، فسمع هذا الكلام ورواه، مع أنه هو نفسه -أي الأعرابي صاحب الجمل- مجهول الاسم، ولا نعرف عنه أن كان من الكذابين أو الصادقين. ويظهر لي أنه ليس من الكذابين ولا من الصادقين؛ لأنه من أصله رجل موهوم لم يخلق، ولأن جمل عائشة واسمه "عسكر" جاء به يعلى بن أمية من اليمن وركبته عائشة من مكة إلى العراق، ولم تكن ماشية على رجلها حتى اشتروا لها ٠جملا من هذا الأعرابي الذي زعموا أنهم قابلوه في الصحراء، وركبوا على لسانه هذه الحكاية السخيفة ليقولوا أن طلحة والزبير -المشهود لهما بالجنة ممن لا ينطق عن الهوى- قد شهدا الزور، ولو كنا نستجيز نقل الأخبار الواهية لنقلنا في معارضة هذا الخبر خبرًا آخر نقله ياقوت في معجم البلدان "مادة حوأب" عن سيف بن عمر التميمي أن المنبوحة من كلاب الحوأب هي أم زمل سلمى بنت مالك الفزارية التي قادت المرتدين ما بين ظفر والحوأب، فسباها المسلمون، ووهبت لعائشة فأعتقتها، فقيلت فيها هذه الكلمة. وهذا الخبر ضعيف والخبر الذي أوردوه عن عائشة أوهى منه. وما برح الكذب بضاعة يتجر بها الذين لا يخافون الله. ذكرنا فيما سبق أن خبر الحوأب صحيح فليرجع إليه. "م".
[ ١٦٥ ]