الحمد لله الذي أنعم على الإنسانية برسالة الإسلام، وصلى الله وسلم على الإنسان الأعلى، والمعلم الأكمل، محمد بن عبد الله صفوته من خلقه، وأعلى مقامَ الذين قاموا بتحقيق رسالته، ممن تشرفوا بصحبته، وأحسنوا الخلافة على أمته، ومن واصلوا عملهم بعدهم، ملتزمين سنتهم، ومتحرين أهدافهم، إلى يوم الدين.
وبعد فإن هذا العالم الإسلام الذي نعتز بالانتساب إليه، ونعيش لإسعاده والسعادة به، قد افتتح أكثره في الدولة الإسلامية الأولى بعد الخلفاء الراشدين، ودخل معظم شعوبه في هداية الإسلام على أيدي الخلفاء الأمويين وولايتهم وقواد جيوشهم؛ إتمامًا لما بدأ به صاحبا رسول الله ﵌، وخليفتاه الأولان -أبو بكر وعمر- سلام الله عليهما، ورضي عنهما وأرضاهما، وأحسن جزاءهما عنا وعن الإسلام نفسه وجميع أهله.
وإن حادثة انتشار الإسلام، ودخول الأمم فيه، أصبحت في ذمة التاريخ، والأجيال التي أتت بعد ذلك إلى يومنا هذا منهم من يفتخر بذلك، ويمتليء قلبه سرورًا به، ويدعو بالخير لمن كانوا سبب هذا الخير العظيم، ومنهم من ابتأس به، واملأ فؤاده حقدًا على الذين علموا فيه، وجعل من دأبه أن يصمهم بكل نقيصة.
وقد نذر الذين لم يذوقوا حلاوة الإسلام، وحالت البيئة بينهم وبين الأنس بعظمته، وشريف أغراضه، وسيرة الذين قاموا به، إذ نظروا إلى
[ ٤٥ ]
تاريخ الإسلام نظرةخاطئة، واتخذوا له في أذهانهم صورة غير صورته التي كانت له في الواقع، ولكني أعترف -ولا فائدة من الإنكار- بأن في المنسوبين إلى الاسلام من يبغض حتى الخليفة الأول لرسول الله ﷺ، ويقلب جميع حسناته سيئات، وأن أحد الذين شاهدوا بأعينهم عدل عمر، وزهده في متع الدنيا، وإنصافه لجميع الناس، لم يتسطع أن يمنع الحقد الذي في فؤاده على الإسلام أن يدفعه إلى طعنه بالسكين دون أن يسيء إليه، وفي قوم طاعن١ عمر بالسكين من يؤلفون المؤلفات إلى يومنا هذا في تشويه حسنات هذا المثل الأعلى للعدل والإنسانية والخير، وفي عصر عثمان* من ضاقت صدورهم بطيبة ذلك الخليفة الذي خلق قلبه من رحمة الله، فاخترعوا له ذنوبًا، وما زالوا يكررونها على قلوبهم حتى صدقوها، وتفننوا في إذاعتها، ثم استحلوا سفك دمه الحرام، في الشهر الحرام، بجور قبر أبي زوجتيه محمد ﵊، وما برحت الإنسانية تشاهد المعجزات من رجالات الإسلام في نشره، وإدخال الأمم فيه، وتوسيع النطاق في الآفاق لكلمة: "الله أكبر حي على الفلاح"، حتى نودي بها على جبال السند، في ربوع الهند، وعلى سواحل المحيط غربًا، وفي أودية أوربا وجبالها، بما لم يملك أن يصفه حتى أعداء الإسلام إلا بأنه معجزة، كل هذا في زمن هذه الدولة الأموية التي لو صدر عن المجوس، وعبدة الأوثان، عشر ما صدر عنها من الخير، وجزء من مائة جزء مما أثر عن رجالها من أنصاف ومروءة وكرم وشجاعة وإيثار وفصاحة ونبل، لرفعوا لأولئك المجوس والوثنيين ألوية الثناء والتقدير في الخافقين، والتاريخ الصادق لا يريد من أحد أن يرفع لأحد لواء الثناء والتقدير، لكنه يريد من كل من يتحدث عن رجاله أن يذكر لهم حسناتهم على قدرها، وأن
_________________
(١) ١ يحتفل بعض الزنادقة من كل عام في اليوم الذي استشهد فيه الخليفة عمر على يد المجوسي أبي لؤلؤة الذي يعطونه لقب: "بابا شجاع"، فيا للخيانة الشنيعة والحقد الدفين. م. * إن عصر عثمان ﵁ هو من أسعد وأعظم العصور الإسلامية برخائه وفتوحاته العظيمة، وقد حاول تشويهه أناس لا دين لهم، وأوضحنا ذلك في الصفحات المقبلة.
[ ٤٦ ]
يتقي الله في ذكر سيئاتهم، فلا يبالغ فيها ولا ينخدع بما افتراه المغرضون من أكاذيبها.
نحن المسلمين لا نعتقد العصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ، وكل من ادعى العصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ فهو كاذب، فالإنسان إنسان، يصدر عنه ما يصدر عن الإنسان، فيكون منه الحق والخير، ويكون منه الباطل والشر، وقد يكون الحق والخير في إنسان بنطاق واسع فيعد من أهل الحق والخير، ولا يمنع هذا من أن تكون له هفوات، وقد يكون الباطل والشر في إنسان آخر بنطاق واسع، فيعد من أهل الباطل والشر، ولا يمنع هذا من أن تبدر منه بوادر صالحات في بعض الأوقات.
يجب على من يتحدث عن أهل الحق والخير إذا علم لهم هفوات، أن لا يسيء ما غلب عليهم من الحق والخير، فلا يكفر ذلك كله من أجل تلك الهفوات، ويجب على من يتحدث عن أهل الباطل والشر إذا لهم بوادر صالحات، أن لا يوهم الناس أنهم من أهل الصالحات من أجل تلك الشوارد الشاذة من أعمالهم الصالحات.
إن أحداث المائة الأولى من عصور الإسلام كانت من معجزات التاريخ، والعمل الذي عمله أهل المائة الأولى من ماضينا السعيد لم تعمل مثله أمة الرومان، ولا أمة اليونان قبلها، ولا أمة من أمم الأرض بعدها.
أما أبو بكر وعمر، وسائر الخلفاء الأربعة الراشدين، وإخوانهم من العشرة المبشرين بالجنة، وطبقتهم من أصحاب رسول الله ﷺ، خصوصًا الذين لازموه، وراقبوه وتمتعوا بجميل صحبته "من أنفق منهم من قبل الفتح وقاتل، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا" فإنهم جميعا كانوا شموسًا طلعت في سماء الإنسانية مرة، ولا تطمع الإنسانية بأن يطلع في سماءها شموس من طرازهم مرة أخرى، إلا إذا عزم المسملون على أن يرجعوا إلى فطرة الإسلام، ويتأدبوا بأدبه من جديد، فيخلق الله منهم
[ ٤٧ ]
خلقًا آخر يعيش للحق والخير، ويجاهد الباطل والشر، حتى تعرف الإنسانية طريقها الحقيقي إلى السعادة، وهذه الشموس من أصحاب رسول الله ﵌ تتفاوت أقدارها، وتتباين في أنواع فضائلها، إلا أنها كلها كانت من الفضائل في مرتقى درجاتها، وإذا بدأ المشتغلون بتاريخ الإسلام من أفاضل المسلمين في تمييز الأصيل عن الدخيل من سيرة هؤلاء الأفاضل العظماء، فإنهم ستأخذهم الدهشة لما اخترعه إخوان أبي لؤلؤة، وتلاميذه عبد الله بن سبأ، والمجوس الذين عجزوا عن مقاومة الإسلام وجهًا لوجه في قتال شريف، فادعوا الإسلام كذبًا، ودخلوا قلعته مع جنوده خلسة، وقاتلوهم بسلاح "التقية"، بعد أن حولوا مدلولها إلى النفاق، فأدخلوا في الإسلام ما ليس منه، وألصقوا بسيرة رجاله ما لم يكن فيها، ولا من سجية أهلها، وبهذا تحولت أعظم رسالات الله وأكملها إلى طريقة من الخمول والعطالة والجمود كان من حقها أن تقتل الإسلام والمسملين قتلًا، لولا قوة الحيوية الخارقة التي في الإسلام، وهي التي يرجى -إذا رجعنا إلينا، وجردناها من الطوارئ عليها، وخلصنا سيرة رجالها مما شيبت به، وسرنا في طريقهم مخلصين- أن نعود مسلمين من ذلك الطراز الأول كما كان في الواقع، لا كما أراد مبغضوا الصحابة والتابعين لهم بإحسان أن يعرضوه على الناس.
ونحن بتقديمنا هذه الحقائق من قلم الإمام ابن العربي، أو من النصوص الأصلية التي علقنا بها عليها، إنما أردنا عكس ما يريد المتعرضون لهذه البحوث من ترديد خلافات عفى عليها الزمن، والصحابة كانوا أسمى أخلاقًا، وأصدق إخلاصًا لله، وترفعا عن خسائس الدنيا من أن يختلفوا للدنيا، لكن كان في عصرهم من الأيدي الخبيثة التي عملت على إيجاد الخلاف وتوسيعه، مثل الأيدي الخبيثة التي جاءت فيما بعد فصورت الوقائع بغير صورتها، ولما كان أصحاب رسول الله ﵌ هم قدوتنا في ديننا، وهم حملة الكتاب الإلهي والسنة المحمدية إلى الذين حملوا عنهم أماناتها حتى وصلت إلينا، فإن من حق هذه الأمانات على أمثالنا أن ندرأ عن سيرة حفظتها الأولين كل ما ألصق بهم من إفك ظلمًا وعدوانًا؛ لتكون
[ ٤٨ ]
صورتهم التي تعرض على أنظار الناس هي الصورة النقية الصادقة التي كانوا عليها، فتحس القدوة بهم، وتطمئن النفوس إلى الخير الذي ساقه الله للبشر على أيديهم، وقد اعتبر في التشريع الإسلامي أن الطعن فيهم طعن في الدين الذي هم رواته، وتشويه سيرتهم تشويه للأمانة التي حملوها، وتشكيك في جميع الأسس التي قام عليها كيان التشريع في هذه الملة الحنيفية السمحة، وأول نتائجه حرمان شباب الجيل، وكل جيل بعده، من القدوة الصالحة التي مَنَّ الله بها على المسلمين؛ ليتأسوا بها، ويواصلوا حمل أمانات الإسلام على آثارها، ولا يكون ذلك إلا إذا ألَمُّوا بحسناتهم، وعرفوا كريم سجاياهم، وأدركوا أن الذين شوهوا تلك الحسنات، وصوروا تلك السجايا بغير صورتها، إنما أرادوا أن يسيئوا إلى الإسلام نفسه بالإساءة إلى أهله الأولين، وقد آن لنا أن ننتبه من هذه الغفلة فنعرف لسلفنا أقدارهم؛ لنسير في حاضرنا على هدًى ونور من سيرتهم الصحيحة وسريرتهم النقية الطاهرة.
وهذا الكتاب الذي ألفه عالم من كبار أئمة المسلمين؛ بيانًا لما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ من صفات الكمال، وإدحاضًا لما ألصق بهم وبأعوانهم من التابعين لهم بإحسان، يصلح على صغره لأن يكون صيحة من صيحات الحق، توقظ الشباب المسلم إلى هذه الدسيسة التي دسها عليهم أعداء الصحابة ومبغضوهم؛ ليتخذوها نموذجًا لأمثالها من الدسائس، فيتفرغ الموفقون إلى الخير منهم لدراسة حقيقة التاريخ الإسلامي واكتشاف الصفات النبيلة في رجاله، فيعلموا أن الله ﷿ قد كافأهم عليها بالمعجزات التي تمت على أيديهم وأيدي أعوانهم في إحداث أعظم انقلاب عرفه تاريخ الإنسانية، ولو كان الصحابة والتابعون بالصورة التي صورهم بها أعداؤهم ومبغضوهم، لكان من غير المعقول أن تتم على أيديهم تلك الفتوح، وأن تستجيب لدعوتهم الأمم بالدخول في دين الله أفواجًا.
والقاضي أبو بكر ابن العربي مؤلف "العواصم من القواصم" إمام من أئمة المسلمين، ويعتبره فقهاء مذهب الإمام مالك أحد أئمتهم المقتدى بأحكامهم، وهو من شيوخ القاضي عياض مؤلف كتاب "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى"، ومن شيوخ ابن رشد العالم الفقيه والد أبي الوليد
[ ٤٩ ]
الفيلسوف، ومن تلاميذه عشرات من هذه الطبقة كما سترى من ترجمته الآتية بعد**، وكتابه "العواصم من القواصم"، من خيرة كتبه، ألفه سنة ٥٣٦ هـ، وهو في دور النضج الكامل بعد أن امتلأت الأمصار بمؤلفاته وبتلاميذه الذين صاروا في عصرهم أئمة يهتدى بهم، وهذا الكتاب في جزئين متوسطي الحجم، ومبحث الصحابة الذي نقدمه لقرائنا هو أحد مباحث جزئه الثاني من صـ ٩٨ إلى صـ ١٩٣ من طبعة المطبعة الجزائرية الإسلامية في مدينة قسنطينة بالجزائر سنة ١٣٤٧، كان قد وقف على تلك الطبعة شيخ علماء الجزائر الأستاذ عبد الحميد بن باديس ﵀، ومما يؤسف له أن الأصل الذي اعتمد عليه في تلك الطبعة كان مكتوبًا بقلم ناسخ غير متمكن، فوقعت فيه تحريفات لفظية وإملائية حرصنا على ردها إلى أصلها، بل إن النسخة المخطوطة التي طبعت عليها طبعة الجزائر يظهر أن المجلِّد وضع بعض ورقاتها في غير موضعها، فأرجعناها إلى ما دل عليه السياق في القول، والترتيب في المسائل، وفيما عدا ذلك التزمنا الأمانة في عرض الكتاب إلى أقصى غاية، وعلقت على كل بحث منه بما يزيده وضوحًا، مقتبسًا ذلك من أوثق المراجع وأمهات الكتب الإسلامية المعتمدة، مبينًا في كل نص مأخذه بكل أمانة ووضوح.
وأرجو أن يجزل ثواب الإمام ابن العربي على دفاعه هذا عن أصحاب رسول الله الذين حملوا معه ﵌ أعظم رسالات الله، وكانوا أصدق أعوانه على تبليغها في حياته وبعد أن اختاره الله إليه، بل كانوا سبب كياننا الإسلامي، ولهم ثواب انتمائنا إلى هذه الملة الحنيفية السمحة التي لا عيب لها غير تقصيرنا في التخلق بآدابها في أنفسنا، وتعميم سننها في بيوتنا ومجتمعنا وأسواقنا ومحاكمنا ودور حكمنا، وعسى أن يكون في قراء هذا الكتاب من يعاهد الله على أن يكون خير منا عملًا وأصح منا علمًا، وعلى الله قصد السبيل.
محب الدين الخطيب*
_________________
(١) ** نلفت نظر القارئ أن الترجمة المثبتة من إعداد المكتب السلفي للتراث، وقد رتبناها على أبواب جديدة مما يجعلها أكثر فائدة "س". * توفى العلامة محب الدين الخطيب -﵀- سنة ١٣٨٩هـ.
[ ٥٠ ]