إن المسلمين -بل الإنسانية كلها- أشد ما كانوا اليوم حاجة إلى معرفة فضائل أصحاب رسول الله ﵌، وكرم معدنهم، وأثر تربيته فيهم، وما كانوا عليه من علو المنزلة التي صاروا فيها الجيل المثالي الفذ في تاريخ البشر.
وشباب الإسلام معذورون إذ لم يحسنوا التأسي بالجيل المثالي في الإسلام؛ لأن أخبار أولئك الأخيار قد طرأ عليها من التحريف والأغراض والبتر والزيادة وسوء التأويل في قلوب شحنت بالغل على المؤمنين الأولين، فأنكرت عليهم حتى نعمة الإيمان.
وقد أصبح من الفرض الديني والقومي والوطني على كل من يستطيع تصحيح تاريخ صدر الإسلام أن يعتبر ذلك من أفضل العبادات، وأن يبادر له، ويجتهد فيه ما استطاع إلى أن يكون أمام شباب المسلمين مثال صالح من سلفهم يقتدون به، ويجددون عهده، ويصلحون سيرتهم بصلاح سيرته١.
وهذا التوجيه يذكرنا بأثر ورد عن الصاحبي الجليل جابر بن عبد الله: "إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على محمد ﵌".
_________________
(١) ١٢٦ من مقال "اليل المثالي" للأستاذ محب الدين الخطيب.
[ ٤٢ ]
وقد كان أول من سارع إلى القيام بهذا الواجب العلامة القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى في كتابه العظيم: "العواصم من القواصم، في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي، وتبرئتهم مما نسبه إليهم الملاحدة والمفسدون والمضللون".
وقد كشف في هذا الكتاب عن نور الحق، وخذل الباطل، فإذا هو زاهق، وأضاء المصباح بعدما كاد يخبو.
فإلى العالم الراقد في جدثه، الهانئ بمضجعه، تحفله مسحة من النور الإلهي نهدي غاديات من الدعوات، ونستمطر وابلًا من الرحمات، فقد كان بكتابه "العواصم من القواصم" كالبدر طلع علينا على خابط ليل ضل السبيل وخانه الدليل، وكالغيث أصاب أرضًا قابلة، فأنبتت من كل زوج بهيج..
والعجب من كثير من علماء المسلمين أنهم نسوا كتاب "العواصم من القواصم"*، فجعل الجيل المسلم الحقيقة التي تذبح على مائدة الخونة والمتآمرين على الإسلام؛ ليضللوه وينفروه من سيرة الجيل المثالي؛ خشية أن يقتدي به، ويحلِّق كما حلَّق سلفه من قبل في ذر المجد والعظمة، فيعيد سيرة الإسلام الأولى.
لهذا كله رأينا أن نتحف بهذا الكتاب العظيم القراء؛ ليصحح الكثيرون منهم ما تلقوه من معلومات خاطئة، آملين أن يضعوه بين أيدي أبنائهم وبناتهم، لينجوا من الأفكار الخاطئة التي علقت في أذهانهم بسب الكتب التي يتداولونها، والدروس التي يتلقونها، فيتخذوا من سيرة الصحابة مثلًا عاليًا يحتذونه، وشحنة، بل شحنات قوية تدفع بهم إلى الأمام، إلى آفاق العظمة والمجد والسؤدد، وإلى التشوق إلى حياة البطولة والجهاد والشوق لرائحة الجنة.
_________________
(١) * المقصود من عنوان الكتاب: الحقائق التي تعصم المسلم من افتراءات المفسدين القاصمة المدمرة، فتكشف عن أكاذيبهم وتجعلها هباء.
[ ٤٣ ]
وزاد هذا الكتاب روعة ونفعًا وإيضاحًا تعليقات فقيد الإسلام والعروبة العلامة محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى، وأجزل ثوابه، وأسكنه فسيح جناته.
وقد أضفنا إليه بعض التحقيقات الحديثية والتاريخية، فجاء تحفة علمية، ووثيقة تاريخية قليلة النظير.
والله سبحانه نسأل أن ينفع به ويدخر لنا ثوابه ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ .
محمد مهدي الاستنابولي
[ ٤٤ ]