إلى فتواه، والانقياد إلى روايته، وأما السفهاء من المؤرخين والأدباء فيقولون على أقدارهم١١٤.
وأما الوليد فقد روى بعض المفسرين أنه الله سماه فاسقًا في قوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] فإنها-في قولهم- نزلت فيه، أرسله النبي ﵌ إلى بني المصطلق، فأخبر عنهم أنهم ارتدوا، فأرسل رسول الله ﵌ إليهم خالد بن الوليد، فتثبت في أمرهم فبيَّن بطلان قوله، وقد اختلف فيه، فقيل: نزلت في ذلك١١٥، وقيل في علي، والوليد في قصة
_________________
(١) ١١٤ ومن غريب أمر هؤلاء البغاة والمفترين أنهم يحملون على مروان ويتهمونه بمختلف التهم، وهو منها براء، وقد وقع أسيرًا يوم الجمل في أيدي أصحاب علي ﵁، فلم يمسه أحد بسوء، لا بإذن علي، ولا بغير إذنه. "م". ١١٥ كنت فيما مضى أعجب كيف تكون هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، ويسميه الله فاسقًا، ثم تبقى له في نفس خليفتي رسول الله ﵌ أبي بكر وعمر المكانة التي سجلها له التاريخ، وأوردنا الأمثلة عليها في هامش صـ ٩٨ عند استعراضنا ماضيه في بضعة عشر عامًا قبل أن يوليه عثمان الكوفة، إن هذا التناقض -بين ثقة أبي بكر وعمر بالوليد بن عقبة، وبين ما كان ينبغي أن يعامل به لو أن الله سماه فاسقًا- حملني على الشك في أن تكون الآية نزلت فيه، لا استبعادًا لوقوع أمر من الوليد يعد به فاسقًا، ولكن استبعادًا لأن يكون الموصوم بالفسق في صريح القرآن محل الثقة من رجلين لا نعرف في أولياء الله ﷿ بعد رسوله ﵌ من هو أقرب إلى الله منهما. وبعد أن ساورني هذا الشك أعدت النظر في الأخبار التي وردت عن سبب نزول الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .﴾، فلما عكفت على دراستها وجدتها موقوفة على مجاهد، أو قتادة، أو ابن أبي ليلى، أو يزيد بن رومان، ولم يذكر أحد منهم أسماء رواة هذه الأخبار في مدة مائة سنة أو أكثر مرت بين أيامهم وزمن الحادث، وهذه المائة من السنين حافلة بالرواة من مشارب مختلفة، وإن الذين لهم هوىً في تسويء سمعة مثل الوليد ومن هم أعظم مقامًا من الوليد قد ملأوا الدنيا أخبارًا مريبة ليس لها قيمة علمية، وما دام رواة تلك الأخبار في سبب نزول الآية مجهولين من علماء الجرح والتعديل بعد الرجال الموقوفة هذه الأخبار عليهم، وعلماء الجرح والتعديل لا يعرفون من أمرهم حتى ولا أسماءهم، فمن غير الجائز شرعًا وتاريخًا الحكم بصحة هذه الأخبار المنقطعة التي لا نسب لها، وهناك خبران موصولان =
[ ١٠٢ ]
أخرى، وقيل: إن الوليد سيق يوم الفتح في جملة الصبيان إلى رسول الله ﵌ فمسح على رؤوسهم وبرك عليهم، إلا هو فقال: إنه كان على رأسي خلوق، فامتنع [﵌] ١١٦ من مسه، فمن يكون في مثل هذه السنة يرسل مصدقًا١١٧.
_________________
(١) = أحدهما عن أمة سلمة، زعم موسى بن عبيد الله أنه سمعه من ثابت مولى أم سلمة. وموسى بن عبيدة ضعفه النسائي وابن المديني وابن عدي وجماعة، وثابت المزعوم أنه مولى أم سلمة ليس له ذكر في كل ما رجعت إليه من كتب العلم، فلم يذكر في تهذيب التهذيب، ولا في تقريب التهذيب، ولا في خلاصة تهذيب الكمال، بل لم أجده ولا في قفصي الاتهام أعني ميزان الاعتدال ولسان الميزان. وذهبت إلى مجموعة أحاديث أم سلمة في مسند الإمام أحمد فقرأتها واحدًا واحدًا، فلم أجد فيها هذا الخبر، بل لم أجد لأم سلمة أي خبر ذكر فيها اسم مولى لها يدعى ثابت. زِدْ على كل هذا أن أم سلمة لم تقل في هذا الخبر -إن صح عنها، ولا سبيل إلى أن يصح عنها- أن الآية نزلت في الوليد، بل قالت -أي قيل على لسانها-: بعث رسول الله ﵌ رجلًا في صدقات بني المصطلق، والخبر الثاني الموصول رواه الطبري في التفسير عن ابن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس. والطبري لم يلق ابن سعد ولم يأخذ عنه؛ لأن ابن سعد لما توفى ببغداد سنة ٢٣٠كان الطبري طفلًا في السادسة من، عمره ولم يخرج إلى ذلك الحين من بلده آمل في طبرستان لا إلى بغداد ولا لغيرها، وابن سعد وإن كان في نفسه من أهل العدالة في الدين والجلالة في العلم، إلا أن هذه السلسلة من سلفه يجهل علماء الجرح والتعديل أسماء أكثرهم فضلًا عن أن يعرفوا شيئًا من أحوالهم، فكل هذه الأخبار من أولها إلى آخرها لا يجوز أن يؤاخذ بها، مجاهد كان موضع ثقة أبي بكر وعمر، وقام بخدمات للإسلام يرجى له بها أعظم المثوبة إن شاء الله. أضف إلى كل ما تقدم أنه في الوقت الذي حدثت فيه لبني المصطلق الحادثة التي نزلت فيها الآية كان الوليد صغير السن كما سيأتي في الفقرة التالية."خ". ١١٦ زيادة من عمل الشيخ محب الدين الخطيب؛ لتوضيح السياق، ولكنها ليست في أي من المخطوطات الثلاثة. "س". ١١٧ هذا الحديث عن سن الوليد بن عقبة يوم فتح مكة رواه الإمام أحمد في مسنده: ٣٢:٤ الطبعة الأولى عن شيخ له هو فياض بن محمد الرقي، عن جعفر بن برقان الرقي عن ثابت بن الحجاج الكلابي الرقي عن عبد الله الهمداني "وهو عبد الله بن مالك بن الحارث" عن الوليد بن عقبة، والظاهر أن الوليد بن عقبة تحدث بهذا الحديث عندما اعتزل الناس في السنين الأخيرة =
[ ١٠٣ ]
وبهذا الاختلاف يسقط العلماء الأحاديث القوية، وكيف يفسق١١٨ رجل يتمثل هذا الكلام؟ فكيف برجل من أصحاب محمد ﵌؟!
_________________
(١) = من حياته واختيار الإقامة في قرية له من أعمال الرقة، فتسلسلت رواية الخبر في الرواة الرقيين، وأخذه الإمام أحمد عن شيخ له منهم، وعبد الله الهمداني ثقة، لكن التبس اسمه في غير هذه الرواية آخر يكنى أبا موسى واسمه مالك بن الحارث أي على اسم والد عبد الله الهمداني، وهو مجهول عند أهل الجرح والتعديل، وأما عبد الله الهمداني الذي ينتهي إليه الخبر في رواية الإمام أحمد فمعروف وموثوق به، وعلى روايته وأمثاله اعتمد القاضي ابن العربي في الحكم على سن الوليد بن عقبة، بأنه كان صبيًّا عند فتح مكة، وأن الذي نزلت فيه آية: ﴿إِنْ جَاءِكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ هو شخص آخر، ومن عجيب أمر الذين كان لهم هوىً في تشويه سمعة هذا الصحابي الشاب المجاهد الطيب النفس الحسن السيرة في الناس أهم حاولوا إدحاض حجة صغر سنه في ذلك الوقت بخبر آخر روي عن قدومه مع أخيه عمارة إلى المدينة في السنة السابعة للهجرة ليطلبا من النبي ﵌ رد أختهما أم كلثوم إلى مكة، وأصل هذا الخبر -إن صح- مقدم فيه اسم عمارة على اسم الوليد، وهذا مما يستأنس به في أن عمارة هو الأصل في هذه الرحلة وأن الوليد جاء في صحبته، وأي مانع يمنع قدوم الوليد صبيًّا بصحبة أخيه الكبير كما يقع مثل ذلك في كل زمان ومكان؟ فقول الوليد أنه كان في سنة الفتح صبيًّا ليس في خبر قدومه مع أخيه الكيبر إلى المدينة في السنة السابقة ما يمنعه أو يناقضه، فإذا تقرر عندك أن جميع الأخبار الواردة بشأن الوليد بن عقبة في سبب نزول الآية: ﴿إِنْ جَاءَكْمُ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ لا يجوز علميًّا أن ينبي عليها حكم شرعي أو تاريخي، وإذا أضفت إلى ذلك حديث مسند الإمام أحمد عن سن الوليد في سنة الفتح، يتبين لك بعد ذلك حكمة استعمال أبي بكر وعمر الوليد وثقتهما به واعتمادهما عليه مع أنه كان لا يزال في صدرشبابه."خ". ١١٨ قال محققو تفسير "زاد المسير في علم التفسير" للإمام بن الجوزي: ٤٩١/٧ طبعة المكتب الإسلامي الذي يديره الأخ الفاضل الأستاذ زهير الشاويش، وهو أحد المشتركين في التحقيق: "ذكر الواحدي أن قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكْمُ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوْا﴾ نزلت في الوليد بن عقبة" ذكر ذلك في أسباب النزول بغير سند، ورواه الطبري من حديث أم سلمة، وفي سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. ورواه أحمد في المسند من حديث الحارث بن ضرار الخزاعي. قال الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف: رواه ابن إسحاق، والطبراني من حديث =
[ ١٠٤ ]