وأما عثمان فسكت.
وأما عمر فأهجر وقال: "ما مات رسول الله ﵌،
_________________
(١) = ومبايعته إلخ، وبيعة علي هذه هي الثانية بعد بيعته الأولى في سقيفة بني ساعدة، وأضاف الحافظ ابن كثير في: البداية والنهاية "٢٤٩: ٥" أن عليًّا لم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلف الصديق، وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرًا سيفه يريد قتل أهل الردة. ويحتمل أن يكون مراد المؤلف باستخفاء علي ما كان منه ومن الزبير قبيل الاجتماع في سقيفة بني ساعدة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى ذلك في خطبته الكبرى التي خطبها في المدينة في عقب ذي الحجة بعد آخر حجة حجها عمر، وهذه الخطبة في مسند الإمام أحمد ٥٥: ١ الطبعة الأولى، ج١، رقم٣٩١، الطبعة الثانية من حديث ابن عباس. "خ". ١٦ أن هذا الخبر لا يتفق مع الخبر الوارد في أعلى هذا الكلام القائل بأن عليًّا لم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلف الصديق، وإنه خرج معه لما خرج أبو بكر شاهرًا سيفه لقتال المرتدين. والحقيقة: لقد اضطربت الروايات في بيان موقف علي بن أبي طالب من خلافة أبي بكر الصديق، ولعبت الدسائس دورها، ونسجت الافتراءات والأكاذيب حولها بقصد زعزعة الثقة بالإسلام بصورة عامة، وبالصحابة بصورة خاصة، وإظهارهم بمظهر الجشع والتهالك على المناصب والأموال ولو بمخالفة الشريعة، ونحن ننقل فيما يلي أصح الروايات عن موقف علي النبيل، ثم نأتي على بعض الروايات الأخرى التي تقول بامتناعه عن البيعة حتى وفاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ونوضح زيفها وكذبها. قال العلامة محمد عزة دروزة في كتابه: "الجنس العربي: ١٤: ٧"، وما بعدها: لقد روى الطبري عن عبد الله بن سعيد الزهري، عن عمه يعقوب، عن سعيد بن عمر، عن الوليد بن عبد الله، عن الوليد بن جميع الزهري، أن عمرو بن حريث سأل سعيد بن زيد: قال: فمتى بويع أبو بكر؟. أشهدت وفاة النبي؟ قال: نعم قال: يوم مات رسول الله ﵌ كرهوا أن يبقوا بعض يوم، وليس في جماعة، قال: فخالف عليه أحد؟ قال: لا، إلا مرتد أو من قد كاد أن يرتد، لولا أن الله أنقذهم من الأنصار. قال: فهل قعد أحد من المهاجرين؟ قال: لا تتباعوا على بيعته من غير أن يدعوهم: ج٢صـ ٤٤٧، والمتبادر أن القائل أراد بما ذكره عن الأنصار =
[ ٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) موقف سعد بن عبادة وأنصاره يوم السقيفة، وتطلعهم إلى رئاسة الحكم، فأنقذهم الله وجعلهم يتراجعون ويتابعون أبا بكر دون افتراق وخلاف ونزاع. والرواية تعبر عما كان من شدة حرص أصحاب رسول الله ﷺ من مهاجرين وأنصار على سرعة البت في أمر الرئاسة؛ حتى تجتمع كلمتهم، وتفيد أن الهاشميين أيضًا -وهم من المهاجرين- قد تتابعوا على بيعة أبي بكر، ولم يقعد منهم أحد. ولقد روى الطبري خبر مبايعة علي لأبي بكر فورًا، وبحركة رائعة، حيث روى بأسانيده عن حبيب بن أبي ثابت أن عليًّا كان في بيته، فأتى إليه الخبر عن جلوس أبي بكر للبيعة، فخرج في قميصه ما عليه إزار ولا رداء عجلًا؛ كراهية أن يبطيء عنه حتى بايعه، ثم جلس إليه وبعث، فأحضر ثوبه وتخلله ولزم مجلسه: ٤٤٧/٢. وعلى كل حال فإن المتفق عليه في روايات الشيعة وغيرهم أن عليًّا وبني هاشم بايعوا أبا بكر فورًا، كما يروي الطبري، أو بعد تردد كما تروي رواية الشيعة، وتعاونوا معه، حيث يدل هذا دلالة حاسمة على أنه لم يكن هناك وصية صريحة أو ضمنية من النبي ﵌ بأن يكون الأمر لعلي من بعده، وما رواه الطبري كذلك بأسانيد أخرى خبر امتناع علي وبني هاشم عن بيعة أبي بكر طوال حياة فاطمة؛ لأن فاطمة جاءت هي والعباس إلى أبي بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله ﵌، وهو أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: "أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال"، وإني والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته، فهجرته فاطمة، فلم تكلمه في ذلك حتى توفيت بعد ستة أشهر من وفاة النبي ﵌، ورأى علي انصراف وجوه الناس عنه، وكان لم يبايع أبا بكر هو ولا أحد من بني هاشم، والقصة طويلة وفي ختامها: بايع علي أبا بكر، أي بعد وفاة فاطمة، ويلحظ أن صيغة خبر الطبري تجعل مسألة الميراث سببًا لامتناع علي، وبني هاشم عن مبايعة أبي بكر، ومطالبتهم بالميراث من أبي بكر تقتضي أن تكون بعد الاعتراف بخلافته، وفي هذا من التناقض ما يجعل القصة متهافتة، وإن كان لها أصل ما فكل ما يمكن أن يكون هو أنهم بعد مبايعتهم لأبي بكر طالبوا بما اجتهدوا أنه ميراثهم من النبي، فأورد أبو بكر عليهم حديث النبي ﷺ الذي سمعه، ووقف الأمر عند هذا الحد، ويكون ما عدا ذلك من مزيدات الشيعة ومدسوساتهم؛ لأنه لا يمكن أن يكون علي وفاطمة وبنو هاشم لم يصدقوا أبا بكر في الحديث الذي رواه، كما لا يمكن أن يكونوا كابروا وأصروا بعد سماعهم لحديث النبي ﵌. ا. هـ. "الجنس العربي: ١٧/٧".
[ ٥٦ ]
وإنما واعده الله كما واعد موسى١٧، وليرجعن رسول الله ﵌، فليقطعن أيدي ناس وأرجلهم"١٨.
_________________
(١) = ومن الغريب أن أعداء الإسلام الذين يحملون على أبي بكر ﵁ منع فاطمة من إرثها في فدك وسهمها من خيبر، بينما علي نفسه لما تولى الخلافة لم يعط أحد ورثها ولا لأحد من بني هاشم ما تركه رسول الله ﵌ لحديث: "لا نورث ". وإذا كان أبو بكر منع ذلك، فيكون قد منع ابنته عائشة أيضًا من هذا الإرث. وهناك روايات أخرى مختلطة ومكذوبة في رفض علي وبني هاشم بيعة أبي بكر ضربنا عنها صفحًا؛ لتهافتها، وللروايات الكثيرة التي تثبت مسارعة علي لبيعة أبي بكر ومعاونته في شئون الخلافة، وهو أعرف الناس بفضله. "م". ١٧ إشارة إلى قول الله ﷿ في سورة البقرة: ٥١: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾، وقوله سبحانه في سورة الأعراف:١٤٢: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ."خ". ١٨ مسند أحمد: "١٩٦:٣ الطبعة الأولى"، حديث أنس بن مالك عن يوم وفاة النبي ﵌ وفيه: "ثم أرخى الستر، فقبض في يومه ذاك، فقام عمر فقال: إن رسول الله ﵌ لم يمت، ولكن ربه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فمكث عن قومه أربعين ليلة، وإني لأرجو أن يعيش رسول الله ﵌ حتى يقطع أيدي رجال المنافقين وألسنتهم يزعمون "أو قال: يقولون": إن رسول الله ﵌ قد مات، وفي كتاب "فضائل الصحابة من صحيح البخاري: ك٦٢ ب٥" عن عائشة: فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﵌ والله ما يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم"، ونقل الحافظ ابن كثير في: البداية والنهاية: ٢٤٢:٥ ما رواه البيهقي من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير قال: قام عمر بن الخطاب يخطب الناس ويتوعد من قال "مات" بالقتل والقطع، ويقول: إن رسول الله ﵌ في غشية لو قد قام قتل وقطع* وفي "٢٤١:٥" من البداية والنهاية من حديث * في سنده ابن لهيعة، فهو ضعيف في هذه الحال."م". تنبيه: يفهم من إطلاق الأستاذ مهدي الاستنابولي أن في الإسناد عبد الله بن لهيعة أن الحديث ضعيف، ولكن في أمر ابن لهيعة تفصيل كبير، فهو قد اختلط في آخره، فمن سمع منه قبل الاختلاط فحديثه حسن، كالعبادلة الثلاثة، ومن سمع منه بعد الاختلاط فحديثه ضعيف، انظر تقريب التهذيب: ٤٤٤/١. "س".
[ ٥٧ ]