٨- وأما ترك القصر: فاجتهاد، إذ سمع الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة، فتركها مصلحة٩٨ خوف الذريعة٩٩، مع أن جماعة من العلماء
_________________
(١) = وسلم له، وثنائه عليه، وتخصيصه بابنتيه، وشهادته له بالجنة، وإرساله إلى مكة، ومبايعته له عنه، وتقديم الصحابة له في الخلافة، وشهادة عمر وغيره له بأن رسول الله ﵌ مات وهو عنه راضٍ، وأمثاله ذلك مما يوجب العلم القطعي بأنه من كبار أولياء الله المتقين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. فلا يدفع هذا بنقل لا يثبت إسناده، ولا يعرف كيف وقع، ويجعل لعثمان ذنب بأمر لا تعرف حقيقته إلخ، وانظر أيضًا: ٢٣٥: ٣-٢٣٦ من منهاج السنة، ونقل الإمام أبو محمد ابن حزم في كتاب "الإمامة والمفاضلة" المدرج في الجزء الرابع من كتابه "الفصل": صـ ١٥٤ قول من احتج لعثمان على من أنكروا ذلك عليه: ونفي رسول الله ﵌، ثم يكن حدًّا واجبًا، ولا شريعة على التأبيد، وإنما كان عقوبة على ذنب استحق به النفي والتوبة مبسوطة، فإذا تاب سقطت عنه تلك العقوبة بلا خوف من أحد من أهل الإسلام، وصارت الأرض كلها مباحة، ونقل مجتهد الزيدية السيد محمد بن إبراهيم الوزير اليمني "المتوفى سنة ٨٤٠" في كتابه "الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم: ١٤١: ١-١٤٢" قول الحاكم المحسن بن كرامة المعتزلي الشيعي في كتابه "سرح العيون" أن رسول الله ﵌ أذن في ذلك لعثمان. قال ابن الوزير: "إن المعتزلة والشيعة من الزيدية يلزمهم قبول هذا الحديث، وترك الاعتراض على عثمان لذلك؛ لأن راوي الحديث عندهم من المشاهير بالثقة والعلم وصحة العقيدة، ثم بسط ابن الوزير الكلام على هذا الموضوع بحجج واستدلالات استغرقت ثلاث صفحات دفاعا عن أمير المؤمنين عثمان في رده الحكم، وهذه الحجج من أحد أئمة الزيدية ومجتهدين-بعد روايته ذلك الحديث عن الإمام المعتزلي المتشيع- لها دلالتها الخاصة، بعد الذي سمعته من إمامَيْ أهل السنة شيخ الإسلام ابن تيمية والقاضي ابن العربي، ومن إمام أهل الظاهر أبي محمد بن حزم. "خ". ٩٨ "ب"، "ج"، "ز" بدون هذه الكلمة، ولكنها وجدت في "د". "م". ٩٩ كان ذلك في منىً في موسم الحج سنة ٢٩، وقد عاتب عبد الرحمن بن عوف عثمان في إتمامه الصلاة وهم في منىً، فاعتذر له عثمان بأن بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس قالوا في العام الماضي: إن الصلاة للمقيم، ركعتان، وهذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين، ثم قال عثمان لعبد الرحمن بن عوف: وقد اتخذت بمكة أهلًا "أي أنه صار في حكم المقيم، لا المسافر"، فرأيت أن أصلي أربعًا لخوف ما أخاف على الناس، ثم خرج عبد الرحمن بن عوف من =
[ ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عند عثمان فلقى عبد الله بن مسعود وخاطبه في ذلك فقال ابن مسعود: "الخلاف شر* قد بلغني أنه صلى أربعًا، فصليت بأصحابي أربعًا"، فقال عبد الرحمن بن عوف: "قد بلغني أنه صلى أربعًا فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول" يعني: نصلى معه أربعًا" الطبري: ٥٦: ٥-٥٧. * قد يعترض معترض، فيقول: كيف يقول ابن مسعود: الاختلاف شر، والحديث النبوي يقول: "اختلاف أمتي رحمة"، وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن هذا الحديث لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا، حتى قال السيوطي في الجامع الصغير: "ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا". وهذا بعيد عندي إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه ﵌، وهذا مما لا يليق بمسلم اعتقاده، ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: "وليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع"، وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على تفسير البيضاوي: ق٢/٩٢. ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء، فقال العلامة ابن حزم في الإحكام في الأحكام: ٦٤/٥ بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: "وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط"، وقال في مكان آخر: "باطل مكذوب". وإن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيرًا من المسلمين يقرون بسببه الاختلاف الواقع بين المذاهب الأربعة ولا يحاولون أبدًا لرجوع بها إلى الكتاب والسنة الصحيحة كما أمرهم بذلك أئمتهم ﵃، بل إن أولئك ليرون أن مذاهب هؤلاء الأئمة ﵃ إنما هي كشرائع متعددة، كما صرح المناوي في: فيض القدير: ٢٠٩/١، يقولون هذا مع علمهم بما بينها من اختلاف وتعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا برد بعضها المخالف للدليل، وقبول البعض الآخر الموافق له، وهذا ما لا يفعلون، وبذلك فقد نسبوا إلى الشريعة التناقض، وهو وحده دليل على أنه ليس من الله ﷿ لو كانوا يتأملون قوله =
[ ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تعالى في حق القرآن: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله، فكيف يصح إذن جعله شريعة متبعة، ورحمة منزلة؟ وبسبب هذا الحديث ونحوه ظل أكثر المسلمين بعد الأئمة الأربعة إلى اليوم مختلفين في كثير من المسائل الاعتقادية والعملية، ولو أنهم كانوا يرون أن الخلاف شر كما قال ابن مسعود وغيره ﵃ ودلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة لسعوا إلى الاتفاق، ولأمكنهم ذلك في أكثر هذه المسائل بما نصب الله تعالى عليها من الأدلة التي يعرف بها الصواب من الخطأ، والحق من الباطل، ثم عذر بعضهم بعضًا فيما قد يختلفون فيه، ولكن لماذا هذا السعي وهم يرون أن الاختلاف رحمة، وأن المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة. وإن شئت أن ترى أثر هذا الاختلاف والإصرار عليه، فانظر إلى كثير من المساجد، تجد فيها أربعة محاريب يصلي فيها أربعة من الأئمة، ولكل منهم جماعة ينتظرون الصلاة معه كأنهم أصحاب أديان مختلفة، وكيف لا، وعالمهم يقول: إن مذاهبهم كشرائع متعددة، يفعلون ذلك وهم يعلمون قوله ﵌: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" رواه مسلم وغيره، ولكنهم يستجيزون مخالفة هذا الحديث وغيره محافظة منهم على المذهب، كأن المذهب محترم عندهم ومحفوظ أكثر من أحاديثه ﵊. وجملة القول أن الاختلاف مذموم في الشريعة، فالواجب محاولة التخلص منه ما أمكن؛ لأنه من أسباب ضعف الأمة كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أما الرضا به وتسميته رحمة، فخلاف للآيات الكريمة المصرحة بذمه، ولا مستند إلا هذا الحديث الذي لا أصل له عن رسول الله ﵌. وهنا وقد يرد سؤال وهو: إن الصحابة قد اختلفوا وأفاضل الناس، أفيلحقهم الذم المذكور؟ وقد أجاب عنه ابن حزم رحمه الله تعالى، فقال: ٦٧/٥-٦٨: كلا، ما يلحق أولئك شيء من هذا؛ لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله، ووجهته الحق، فالمخطيء منهم مأجور أجرًا واحدًا؛ لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطأهم لأنهم لم يستعمدوه ولا قصدوه ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفى عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد المنصوص، لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى وهو القرآن وكلام النبي ﵌ بعد بلوغ النص إليه وقيام الحجة به عليه، وتعلق بفلان وفلان =
[ ٩٢ ]
قالوا: إن المسافر مخير بن القصر والإتمام١٠٠، واختلف في ذلك
_________________
(١) ١٠٠ ما أحسن كلام القاضي أبي بكر بأن ترك عثمان ﵁ للقصر في الصلاة في السفر "فاجتهاد" وفي الحديث: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر" وعثمان في هذه المرة قد أخطأ، نقول ذلك بصراحة، فإن الحق أحق أن يتبع، وهو مع ذلك مأجور على اجتهاده. والدليل على خطئه من قول ابن عمر ﵄: "صحبت النبي ﵌، وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك" رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى. قال الإمام الشوكاني: قوله: "وكان لا يزيد في السفر على ركعتين" فيه أن النبي ﵌ لازم القصر في السفر، ولم يصل فيه تمامًا. وحديث عائشة المتفق عليه: "فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر". وفي هذين الحديثين دليل قوي على أن القصر للوجوب، لا للندب كما زعم بعضهم. وإلى وجوب القصر في السفر ذهب علي وعمر وأكثر علماء السلف، وفقهاء الأمصار، وعمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن، والحنفية، وقال حماد بن سليمان: يعيد من يصلي في السفر أربعا، وقال مالك: "يعيد ما دام في الوقت. = مقلدًا عامًّا للاختلاف داعيًا إلى عصبية وحمية الجاهلية، قاصدًا للفرقة، متحريًا في دعواه برد القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النص أخذ به، وإن خالفها تعلق بجاهليته وترك القرآن وكلام النبي ﵌، فهؤلاء هم المختلفون المذمومون، وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كل عالم، مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله وعن رسول الله ﵌. ويشير في آخر كلامه إلى "التلفيق" المعروف عند الفقهاء، وهو أخذ قول العالم بدون دليل، وإنما اتباعًا للهوى أو الرخص، وقد اختلفوا في جوازه والحق تحريمه؛ لوجوه لا مجال الآن لبيانها، وتجويزه مستوحىً من هذا الحديث وعليه استند من قال: "من قلد عالمًا لقى الله سالما" وكل هذا من آثار الأحاديث الضعيفة، فكن على حذر منها إن كنت ترجو النجاة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَاْ بَنُوْنَ، إِلَّا مَنْ أَتَىْ اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيْمٍ﴾، "الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ٧٠/١-٧٢"."م".
[ ٩٣ ]
الصحابة١٠١.
_________________
(١) = والقائلون بأن القصر للندب لا للوجوب لا حجة قاطعة لهم، والأحاديث التي يحتجون بها غير صحيحة، ومن أراد التحقق من ذلك فليراجع كتاب نيل الأوطار للشوكاني: ٢١٣/٣. وقد أنكر جماعة من الصحابة على عثمان لما أتم بمنىً، وتأولوا له تأويلات، قال ابن القيم: أحسنها أنه كان قد تأهل بمنىً، والمسافر إذا أقام بموضع وتزوج فيه، أو كان له زوجة أتمَّ، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: أيها الناس لما قدمت تأهلت بها، وإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: "إذا تزوج رجل ببلد فليصل به صلاة مقيم"، وقد أعلَّ البيهقي هذا الحديث بانقطاعه، وفي إسناده عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف كما قال البيهقي. قال في الفتح: هذا حديث لا يصح؛ لأنه منقطع، وفي رواته من لا يُحتَجُّ به. وكذلك لا يصح ما نسب إلى عثمان أنه إنما ترك القصر خشية من أن يظن بعض الأعراب أن الصلاة للمقيم ركعتين، راجع هامش صـ ٦٤. وإذا صح أن عائشة ﵂ تأولت ما تأول عثمان ﵁ فكان يصلي في السفر أربعًا، فيصدق عليها ما سبق، وقلناه في عثمان ﵁ من أنها اجتهدت فأخطأت كما أخطأ الخليفة الراشد، والعصمة للأنبياء فقط."م". ١٠١ نقل محمد بن يحيى الأشعري المالكي المعروف بابن بكر: ٦٧٤-٧٤١ في كتابه "التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان" وهو من مخطوطات دار الكتب المصرية "برقم ٢٣ تاريخ" أنه روى عن جماعة من الصحابة إتمام الصلاة في السفر، منهم عائشة وسلمان وأربعة عشر من الصحابة، وفي أبواب التقصير من صحيح البخاري: ك ١٨ ب ٥-ج ٢، صـ ٣٦ حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: "الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر" قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: ثم تأولت ما تأول عثمان، وفي مسند أحمد: ٩٤:٤ عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: لما قدم علينا معاوية حاجًّا قدمنا معه مكة، فصلى بنا الظهر ركعتين، ثم انصرف إلى دار الندوة، وكان عثمان حين أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا أربعًا، فإذا خرج إلى منىً وعرفات قصر الصلاة، فإذا فرع من الحج وأقام بمنىً أتم الصلاة حتى يخرج من مكة، فلما صلى بنا "أي معاوية" الظهر ركعتين نهض إليه مروان وعمر بن عثمان فقالا له: ما عاب أحد ابن عمك بأقبح مما عبته. قال لهما: وما ذاك؟ فقالا له: لم تعلم أنه أتم الصلاة بمكة، "فذكرهما أنه صلاهما مع النبي ﵌ وأبي بكر وعمر". قالا: فإن ابن عمك كان أتمها، "والظاهر أن معاوية رأى أن القصر رخصة، وأن المسافر على التخيير، فصلى العصر أربعًا"."خ".
[ ٩٤ ]