ودارت الحرب بين أهل الشام وأهل العراق٢٧٧: هؤلاء يدعون إلى علي بالبيعة وتأليف الكلمة على الإمام، وهؤلاء يدعون إلى التمكين من قتلة عثمان، ويقولون: لا نبابع من يؤوي القتلة٢٧٨.
وعلي يقول: "لا أمكن طالبا من مطلوب ينفذ فيه مراده بغير حكم ولا حاكم"، ومعاوية يقول: "لا نبايع متهمًا [بقتله] أو قاتلًا له، هو أحد من نطلب فكيف نحكمه أو نبايعه، وهو خليفة عداء وتسور".
_________________
(١) ٢٧٧ في موضع يسمى صفين بقرب الرقة على شاطيء الفرات آخر تخوم العراق وأول أرض الشام، سار إليها علي بجيوشه في أواخر ذي القعدة سنة ٣٦. "خ". ٣٧٨ لما انتهى علي من حرب الجمل وسار من البصرة إلى الكوفة، فدخلها يوم الاثنين ١٢ من رجب، أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية في دمشق يدعوه إلى طاعته. فجمع معاوية رءوس الصحابة وقادة الجيوش وأعيان أهل الشام، واستشارهم فيما يطلب عليه، فقالوا: لا نبايعه حتى يقتل قتلة عثمان، أو يسلمهم إلينا، فرجع جرير إلى علي: بذلك، فاستخلف علي على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر، وخرج منها فعسكر بالنخيلة أول طريق الشام من العراق، وقد أشار عليه ناس بأن يبقى في الكوفة، وبعث غيره إلى الشام فأبى، وبلغ معاوية أن عليًّا تجهز وخرج بنفسه لقتاله، فأشار عليه رجلاه أن يخرج هو أيضًا بنفسه، فخرج الشاميون نحو الفرات من ناحية صفين، وتقدم علي بجيوشه إلى تلك الجهة، وكان جيش علي في مائة وعشرين ألفًا وجيش معاوية في تسعين ألفًا، وبدأ القتال في ذي الحجة سنة ٣٦ بمناوشات ومبارزات، ثم تهادنوا في المحرم سنة ٣٧ واستؤنف القتال بعده، وقتل في هذه الحرب سبعون ألفًا، وكانت الوقائع ٩٠ وقعة في ١١٠ أيام، وامتازت هذه الحرب بنبل الشجاعة في القتال، ونبل التعامل والاتصال عند التهادن والراحة، ثم كتب كتاب التحكيم يوم ١٣ صفر سنة ٣٧ على أن يعلن الحكمان حكمهما في رمضان بدومة الجندل بمكان منها يسمى أذرح. "خ".
[ ١٦٦ ]
وذكروا في تفاصيل ذلك كلمات آلت إلى استفعال رسائل٢٧٩، واستخراج أقوال، وإنشاء أشعار، وضرب أمثال تخرج عن سيرة السلف، يقرأها الخَلْف وينبذها الخَلَف٢٨٠.
_________________
(١) ٢٧٩ أي انتحالها زورًا ولا أصل لها، وأكثر ما تجد فيما يرويه أخباريو الشيعة عن رواة مجهولين أو كذابين. وأخفهم وطأة أبو مخنف لوط بن يحيى، قال الحافظ الذهبي: "أبو مخنف إخباري تالف، لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره". وقال فيه ابن عدي: "شيعي محترق صاحب أخبارهم" ثم جاء بعده آخرون منهم كانوا شرًّا على تاريخ الإسلام من لوط هذا فأفسدوا على الأمة معرفتها بماضيها."خ". ٢٨٠ الخَلْف بفتح الخاء وسكون اللام: الطالح. وفي التنزيل ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ . والخَلَف بفتح الخاء واللام: الصالح. ومنه الحديث "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين "*."خ ". * يريد بذلك علماء الحديث محاربي المبتدعة والمعطلة."م".
[ ١٦٧ ]