فقد قال لهم عثمان: إما أن تقيموا شاهدين علي [بذلك]، وإلا فيميني أني ما كتبت ولا أمرت١٤٣. وقد يكنز على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه١٤٤.
فقالوا: [تسلم] لنا مروان، فقال: لا أفعل، ولو سلمه لكان ظالمًا١٤٥، وأنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان وسواه، فما ثبت
_________________
(١) = الشكوى من حكم عثمان، وتتلى هذه الكتب في جامع عمرو بالفسطاط على ملأ الناس وهي مكذوبة مزورة وحملتها كانوا في مصر ولم يذهبوا إلى الحجاز، انظر كتاب الأستاذ المحقق الشيخ صادق عرجون عن عثمان بن عفان صـ ١٣٢-١٣٣. فتزوير الكتب في مأساة البغي على أمير المؤمنين عثمان كان من أسلحة البغاة، استعملوه من كل وجه وفي كل الأحوال. وقد تقدم المثال على ذلك، وسيأتي طرف منه فيما بعد. ١٤٢ وكيف يكتب إلى عبد الله بن سعيد بن أبي سرح وقد أذن له بالمجيء إلى المدينة، ويعلم أنه خرج من مصر "الطبري ١٢٢: ٥" وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة. ومضمون الكتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه. وسيأتي الكلام على ذلك كله فيما بعد. "خ". ١٤٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ١٨٨: ٣: كل ذي علم بحال عثمان يعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ولا أمثاله، ولا عرف منه قط أنه قتل أحدًا من هذا الضرب. وقد سعوا في قتله "أي في قتل أمير المؤمنين عثمان" ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا يأمر بقتالهم دفعًا عن نفسه، فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم. "خ". ١٤٤ وقد حدث مثل ذلك في زمن عمر، كما رواه البلاذري في فتوح البلدان: صـ ٤٤٨ طبع سنة ١٣٥٠، والحافظ بن حجر في الإصابة: ٥٢٨: ٣ طبع سنة ١٣٢٨. "خ". ١٤٥ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ١٨٩: ٣: بل عثمان إن كان أمر بقتل محمد بن أبي بكر هو أولى بالطاعة ممن طلب قتل مروان؛ لأن عثمان إمام هدى وخليفة راشد يجب عليه سياسة رعيته، وقتل من لا يدفع شره إلا بقتله، وأما الذين طلبوا قتل مروان فقوم خوارج مفسدون في الأرض، ليس لهم قتل أحد ولا إقامة حد، وليس مروان أولى بالفتنة والشر من محمد ابن أبي بكر، ولا هو "أي ابن أبي بكر" أشهر بالعلم والدين منه "أي من مروان". بل أخرج أهل الصحاح عدة أحاديث عن مروان، وله قول مع أهل الفتيا، واختلف في صحبته. ومحمد بن أبي بكر ليس بهذه المنزلة عند الناس ومروان من أقران ابن الزبير إلخ. "خ".
[ ١٢٠ ]
كان هو منفذه وآخذه ان كان له اخذه والممكن لمن يأخذه بالحق ومع سابقته وفصيلته ومكانته لم يثبت عليه ما يوجب خلعه فضلا عن قتله
وأمثل ما روى في قصته انه بالقضاء السابق تألب عليه قوم لأحفاداعتقدوها ممن طلب امرا فلم يصل اليه وحسد حسادة اظهر داءها وحمله على ذلك قلة دين وضعف يقين وإيثار العاجلة على الآجلة ١٤٦ وإذا نظرت اليهم ذلك صريح ذكرهم على دناءة قدرهم وبطلان أمرهم ١٤٧
كان الغافقي المصري أمير القوم ١٤٨ وكنانة بن بشر التجيبي ١٥٠
_________________
(١) ١٤٦ بمثل هذه الأوصاف وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الخطبة التي خطبها على الغرائر في معسكره بالكوفة عندما كان الصحابي الفارس المجاهد القعقاع بن عمرو التميمي يسعى بإتمام المهمة التي جاءت عائشة وطلحة والزبير لإتمامها، فروى الطبري (٥: ١٩٤) أن عليا ذكر إنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه. وقال على مسمع من قتلة عثمان: «ثم حدث هذا الحادث الذي جره على الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاء الله عليه على الفضيلة، وأرادوا رد الأشياء على أدبارها» ثم ذكر أنه راحل غدا إلى البصرة ليجتمع بأم المؤمنين وأخويه طلحة والزبير وقال: «ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان على عثمان - ﵁ - بشيء في شيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم» . ١٤٧ أجملنا في هامش ص ٥٨ أوصاف البارزين ممن خرج على عثمان. أول من اكتشف سريرتهم، ونظر إلى وجوههم بنور الله فتشاءم منهم، رجل الإسلام المحدث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صاحب الفراسة التي لا تخطئ. روى الطبري (٤: ٨٦) أن عمر لما استعرض الجيوش للجهاد سنة ١٤ مرت أمامه قبائل السكون اليمنية مع أول كندة يتقدمهم حصين بن نمير السكوني ومعاوية بن حديج أحد الصحابة الذين فتحوا مصر ثم كان أحد ولاتها، فاعترضهم عمر، فإذا فيهم فتية دلم سباط، فأعرض عنهم ثم أعرض ثم أعرض، حتى قيل له: ما لك ولهؤلاء؟ فقال: إني عنهم لمتردد، وما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم. فكان منهم سودان بن حمران وخالد بن ملجم وكلاهما من البغاة على عثمان. ١٤٨ هو الغافقي بن حرب العكي من أبناء وجوه القبائل اليمنية التي نزلت مصر عند الفتح. فلما تظاهر ابن سبأ بالتشيع لعلي. ولم يجد مرتفعا =
[ ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لفساده في الحجاز ولا في الشام، اكتفى باصطناع بعض الأعوان في البصرة والكوفة، واختار الإقامة في الفسطاط، فكان الغافقي هذا من قنائصه، وقد استمالوه من ناحية تهافته على الرئاسة والجاه. وكان محمد بن أبي حذيفة ابن عتبة الأموي ربيب عثمان الآبق من نعمته هو اليد اليمنى لتنفيذ خطط السبأيين في مصر. والغافقي للتصدر والظهور. وفي شوال سنة ٣٥ أعوا عدتهم للزحف من مصر على المدينة بأربع فرق مجموع رجالها نحو ستمائة، وعلى كل فرقة رئيس ورئيسهم العام الغافقي هذا، وتظاهروا بأنهم يقصدون الحج، وفي المدينة تطورت حركاتهم حتى استفحل الأمر، ومنعوا عثمان من الصلاة بالناس في المسجد النبوي، فصار الغافقي هو الذي يصلي بالناس "الطبري: ١٠٧: ٥" ثم لما أقنعهم الشيطان بالجرأة على الجناية الكبرى كان الغافقي أحد المجترئين عليه وضربه بحديدة معه، وضرب* المصحف برجله، فاستدار "الطبري: ١٣٠: ٥" وبعد قتل عثمان بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب "الطبري: ١٥٥: ٥". "خ". ١٥٠ وهذا أيضًا كان من قنائص ابن سبأ في مصر. ولما أرسل عثمان عمارا** إلى مصر؛ ليكتشف له أمر الإشاعات وحقيقة الحال، استماله السبأبون، وكان كنانة بن بشر هذا واحدًا منهم "الطبري: ٩٩: ٥". وعندما جمعوا أوشاب القبائل للزحف على المدينة بحيلة الحج في شوال سنة ٣٥ انقسموا في مصر إلى أربع فرق على كل فرقة أمير، وكان كنانة بن بشر أميرًا على إحدى هذه الفرق "الطبري: ١٠٣: ٥" ثم كان في طليعة من اقتحم الدار على عثمان، وبيده شعلة من نار تنضج بالنفط، فدخل من دار عمرو بن حزم، ودخلت الشعل على أثره "الطبري: ١٢٣: ٥"، ووصل كنانة التجيبي إلى عثمان فأشعره مشقصًا "أي نصلًا طويلًا عريضًا" فانتضح الدم على آية ﴿فَسَيَكْفِيْكَهُمُ الله﴾ [الطبري: ١٢٦: ٥] وقطع يد نائلة زوجة عثمان، واتكأ بالسيف على صدر عثمان وقتله "الطبري: ١٣١: ٥"، قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني المتوفى سنة ٤٣ قال: الذي قتل أمير المؤمنين عثمان هو كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي "الطبري: ١٣٢: ٥" وفيه يقول الوليد بن عقبة بن أبي معيط: * في سند الخبر الغريب الموحش سيف الذي يكتب التاريخ، وهو متهم بالكذب كما جاء في الميزان واللسان. "م". ** قضية استمالة السبئيين لعمار، وصلاة الغافقي بالناس في المدينة في سندهما سيف بن عمر التيمي الجرمي: ضعيف جدًّا واتهم بالوضع والزندقة، كما جاء في التهذيب لابن حجر، وهكذا نرى قسمًا كبيرًا من تاريخنا من وضع الزنادقة، فهل من معتبر؟!. "م".
[ ١٢٢ ]
وسودان بن حمران١٥١، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي١٢٥،
_________________
(١) = ألا إن خير الخلق بعد ثلاثة قتيل التجيبي الذي جاء من مصر وكانت عاقبة كنانة هذا وقوعه قتيلًا في الحرب التي نشبت سنة ٣٨ في مصر بين محمد بن أبي بكر الصديق نائب علي، وبين عمرو بن العاص ومن معه من جيش معاوية ابن حديج السكوني "الطبري ٥٨:٦-٥٩، ٦٠". "خ". ١٥١ السكوني، من قبائل مراد اليمنية النازلة في مصر. وقد تقدم أنه كان في سنة ١٤- أحد الذين قدموا في خلافة عمر للجهاد مع جيوش اليمن بقيادة حصين بن نمير ومعاوية بن حديج، فلما استعرضهم أمير المؤمنين وقع نظره على سودان بن حمران هذا وعلى زميله خالد بن ملجم فتشاءم منهما وكرههما. ولما أرسل أمير المؤمنين عثمان عمارًا إلى مصر؛ ليكتشف له مصدر الإشاعات الكاذبة وحقيقة الحال التف السبأيون بعمار وكان سودان بن حمران منهم "الطبري: ٩٩:٥". ولما سير السبأيون متطوعة الفتنة من أوشاب القبائل اليمنية التي في مصر في شوال سنة ٣٥ نحو المدينة وجعلوهم أربع فرق كان سودان قئد إحدى هذه الفرق "الطبري: ١٠٣:٥"، ولما وصل متطوعة الفتنة إلى المدينة، وخرج لهم محمد بن مسلمة ليعظم لهم حق عثمان وما في رقابهم من البيعة له رآهم ينقادون لأربعة هذا واحد منهم "الطبري ١١٨:٥". وفي ١٣١:٥ من تاريخ الطبري وصف تَسَوُّر سودان ومعه آخرون من دار عمرو بن حزم إلى دار عثمان، وفي ١٣٠:٥ بعض تفاصيل ما وقع من سودان عند ارتكابهم الجناية العظمى. ولما انتهوا من قتل أمير المؤمنين خرج سودان من الدار وهو ينادي: قد قتلنا عثمان بن عفان "الطبري ١٢٣:٥"."خ". ١٥٢ كان أبوه رجلًا مسنًّا من مسلمة الفتح. وورد ذكر عبد الله بن بديل في الفتنة العظمة على أمير المؤمنين عثمان، فذكر الطبري ١٢٤:٥-١٢٥ أن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بن زهرة خرج هو وعبد الله بن الزبير ومروان وغيرهم يدافعون عن أمير المؤمنين على باب الدار، فحمل عبد الله بن بديل على الأخنس بن شريق وقتله. ونقل الحافظ ابن حجر في الإصابة ٢٨٠:٢ عن ابن الكلبي أن عبد الله بن بديل وأخاه عبد الرحمن شهدا صفين مع علي وقتلا بها، والظاهر أن أخاه قتل قبله، فقد نقل ابن حجر في الإصابة ٢٨١:٢ عن ابن إسحاق في كتاب الفردوس أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما قدم الكوفة -أي مع جيش أهل الشام- لقى عبد الله بن بديل، فنصح له ابن بديل بأن لا يهرق دمه في هذه الفتنة، فاعتذر عبيد الله بن عمر بأنه يطلب بدم أمير المؤمنين عثمان الذي قتل ظلمًا، واعتذر ابن بديل بأنه يطلب بدم أخيه الذي قتل ظلمًا. وكيف يكون أخوه قتل ظلمًا =
[ ١٢٣ ]
وحكيم بن جبلة من أهل البصرة١٥٣، ومالك بن الحارث الأشتر١٥٤ في طائفة هؤلاء رؤوسهم، فناهيك بغيرهم.
_________________
(١) = وقد قتل في فتنة تطوع للمساهمة فيها مختارًا، بينما عثمان وهو أمير المؤمنين الذي له حق الولاية عليه من ابن بديل وأمثاله ومن هم أقل منه شأنًا، ومع ذلك لم يقاتل أحدًا، ولم يدافع عن نفسه، ونهى الناس عن أن يدافعوا عنه أوباشًا قدموا إلى مدينة الرسول ﵌ من مختلف البلاد ليرتكبوا الشر والإثم. وأين عثمان الذي ملأت حسناته الأرض وتعطرت بأريجها السماء، من عبد الرحمن بن بديل الذي لا يكاد يعرف له التاريخ عملًا."خ". ١٥٣ حكيم بن جبلة العبدي من قبائل عبد القيس، أصلهم من عمان وسواحل الخليج الفارسي*، وتوطن بالبصرة بعد تمصيرها، وكان حكيم هذا شابًّا شجاعًا، وكانت الجيوش الإسلامية التي تزحف نحو الشرق لنشر الدعوة والفتوح تصدر عن البصرة والكوفة، فكان حكيم بن جبلة يرافق هذه الجيوش. ويجازف في بعض حملات الخطر، كما تفعل كتائب "الكوماندوز" في هذا العصر. وقد استعملته جيوش أمير المؤمنين عثمان في إحدى هذه المهمات عند محاولتها استشكاف الهند، كما نوهت بذلك في مقالة "طلائع الإسلام في الهند"، ويؤكد شيوخ سيف بن عمر التميمي "وهو أعرف المؤرخين بتاريخ العراق" على ما نقله عنه الطبري ٩٠:٥ أن حكيم بن جبلة كان إذا قفلت الجيوش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس، فيغير على أهل الذمة ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ثم يرجع، فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر أن أحبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدًا، فحبسه "أي منعه من مبارحة البصرة". فلما قدم عبد الله بن سبأ البصرة نزل على حكيم بن جبلة، واجتمع إليه نفر، فنفث فيهم سمومه، فأخرج ابن عامر عبد الله بن سبأ من البصرة، فأتى الكوفة فأخرج منها، ومن هناك رحل ابن سبأ إلى الفسطاط ولبث فيه وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم، وذكر الطبري ١٠٤:٥ أن السبئية لما قرروا الزحف من الأمصار على مدينة الرسول ﵌ كان عدد من خرج منهم من البصرة كعدد من خرج من مصر، وهم مقسمون كذلك إلى أربع فرق، والأمير على إحدى هذه الفرق حكيم بن جبلة، ونزلوا في المدينة في مكان يسمى ذا خشب. ولما حصبوا أمير المؤمين عثمان، وهو يخطب على المنبر النبوي كان حكيم بن جبلة واحدا منهم "الطبري: ١٠٦:٥" ولما رحل الثوار عن المدينة في المرة الأولى بعد مناقشتهم لعثمان = * بل الخليج العربي. م.
[ ١٢٤ ]