وعقد له البيعة طلحة، فقال الناس: بايع عليًّا يد شلاء، والله لا يتم هذا الأمر٢٣٥.
فإن قيل: بايعا مكرهين٢٣٦. قلنا: حاشا لله أن يكرها، لهما ولمن بايعهما، ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك؛ لأن واحدا أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعًا، ولو لم يبايعا ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام٢٢٧.
وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع، ولم يكن كذلك٢٢٨.
فإن قيل: فقد قال طلحة: "بايعت واللج٢٢٩ على قفى"٢٣٠. قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل الحديث في "القفا" لغة "قفى" كما يجعل في "الهوى": "هوى". وتلك لغة هذيل لا قريش٢٣١ فكانت كذبة لم تدبر.
_________________
(١) = فيه حق إلا إن أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم عقدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد" فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس. وهذه الوقائع على بساطتها تدل على أن بيعة علي كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدرها وفي إبانها، وإنها مستمدة من رضا الأمة في حينها، لا من وصية سابقة مزعومة أو رموز خيالية موهومة. "خ". ٢٢٥ قائل هذه الكلمة حبيب بن ذؤيب. رواه الطبري: ١٥٣: ٥ عن أبي المليح الهذلي. "خ". ٢٢٦ يعني طلحة والزبير. "خ". ٢٢٧ القاضي ابن العربي يقر هنا الحكم الشرعي في عقد البيعة، لا على أنه رأى له، وللإمام أبي بكر الباقلاني كلام سديد في التمهيد: صـ ٢٣١. "خ". ٢٢٨ وقد علمت أن أهل الكوفة يقولون إن الأشتر كان أول من بايع، ولو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أعظم بركة؛ لأنها يد دافعت عن رسول الله ﵌، ويد الأشتر لا تزال رطبة من دم الشهيد المبشر بالجنة. "خ". ٢٢٩ في جميع النسخ المخطوطة "اللح" وصوابه "اللج" وهو كالسيف، وقد أصلحه الشيخ محب الدين الخطيب ولم ينبه إلى ذلك. "س". ٢٣٠ بل هي أبعد عن لغة قريش من لهجة هذيل، فقد قال ابن الأثير في النهاية "مادة لجج" إنها لغة طائية، يشددون ياء المتكلم. "خ". ٢٣١ كان طلحة من العصابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله =
[ ١٤٨ ]
وأما قولهم "يد شلاء" لو صح فلا متعلق فهم فيه، فإن يدًا شلت في وقاية رسول الله ﵌ يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه٢٣٢، وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه. وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه.
_________________
(١) = وسلم على الموت يوم أحد حين انهزم المسلمون، فصبروا ولزموا، ورمى مالك بن زهير الجشمي بسهم يريد رسول الله ﵌وكان لا يخطيء رميه- فاتقاه طلحة بيده عن رسول الله ﵌، فكان ذلك سبب الشلل في يده من خنصره، وأقبل رجل من بني عامر يجر رمحًا له على فرس كميت أغر مدججًا في الحديد يصيح أنا أبو ذات الودع، دلوني على محمد، فضرب طلحة عرقوب فرسه، فاكتسعت، ثم تناول رمحه فلم يخطيء به عن حدقته، فخار كما يخور الثور، فما برح طلحة واضعًا رجله على خده حتى مات، قالت بنتاه -عائشة وأم إسحاق-: جرح أبونا يوم أحد أربعًا وعشرين جراحة في جميع جسده، وقد غلبه الغشى، وهو مع ذلك محتمل رسول الله ﵌ حتى كسرت رباعيتاه يرجع به القهقرى، كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب. فكان النبي ﵌ يقول إذا رأى طلحة: "من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" * رواه أبو نعيم الأصبهاني، وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: "ذاك يوم كان يوم طلحة". وسمع علي بن أبي طالب رجلًا يقول بعد يوم الجمل: ومن طلحة؟ فزبره علي، وقال: "إنك لم تشهد يوم أحد، لقد رأيته وإنه ليحترس بنفسه دون رسول الله ﵌، وإن السيوف لتغشاه، وإن هو إلا جنة بنفسه لرسول الله ﵌". أخرج الحافظ ابن عساكر: ٧٨:٧ من طريق ابن منده عن طلحة قال: سماني رسول الله ﵌ يوم أحد "طلحة الخير"، وفي غزوة العسرة "طلحة الفياض" ويوم حنين "طلحة الجود"."خ". ٢٣٢ وانظر "التمهيد" للباقلاني: صـ ٢٣١، ٢٣٥، ٢٣٦، وحقيقة موقف علي من قتلة عثمان أنهم عند البيعة له كانوا هم المستولين على زمام الأمر في المدينة، وفي حالة الإرهاب التي كانت سائدة يومئذ لم يكن في استطاعة علي ولا غيره أن يقف منهم مثل موقف الصحابة من عبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان، مع الفارق العظيم بن دم أمير المؤمنين الخليفة الراشد، والأسير الحربي المجوسي الذي قال أنه أسلم بعد وقوعه في الأسر، ولما انتقل علي من المدينة إلى العراق ليكون على مقربة من الشام انتقل معه قتلة عثمان، ولاسيما أهل البصرة والكوفة منهم، فلما صاروا في بصرتهم وكوفتهم صاروا في معقل = * إسناده صحيح لشواهده كما جاء في الأحاديث الصحيحة "٢/ ٣٢."م".
[ ١٤٩ ]