"كم تكثر علينا [من الأمرة] وبقريش، فما زالت العرب تأكل من قوائم سيوفها وقريش تجاهد١٥٨" فقال له معاوية: "لا أم لك، أذكرك بالإسلام وتذكرني بالجاهلية، قبح الله من كثر على أمير المؤمنين بكم، فما أنتم ممن ينفع أو يضر. أخرجوا عني"١٥٩.
وأخبره ابن الكوا بأهل الفتنة١٦٠ في كل بلد ومؤامراتهم١٦٤.
_________________
(١) ١٥٨ وقال أيضًا لمعاوية: "وأما ما ذكرت من الجنة، فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا" أي إذا قتلنا ولاتنا صارت الولاية إلينا. ولو أن هذه الكلمة قالها ثائر وهو من قبضة حاكمه -منذ بدأت الحكومات إلى أن تقوم الساعة- ما وجد من حاكمه حلمًا وسعة صدر كالذي وجده صعصعة من معاوية مع قدرته عليه. "خ". ١٥٩ وجواب معاوية على كلام صعصعة في وصف قريش ومكانتها طويل ونفيس، وقد أورده الطبري ٨٦: ٥. "خ". ١٦٠ قد يقول قائل: فلا يدل ما وقع من الحوادث في مأساة استشهاد الخليفة عثمان على غفلته في عدم علمه فيما يجري في الخفاء من تآمر المتآمرين. في الحقيقة أن هذا الخليفة لم يكن على الرغم من اشتغاله بالفتوحات الواسعة التي تمت في عهده، غافلًا عن المؤامرات التي كانت تحاك ضده من أجل الكيد للإسلام، بل كان على مستوى الأحداث بعيدًا عن تهمة الضعف التي تتردد على ألسنة خصومه. قال الأستاذ المؤرخ محمد عزة دروزة: وقد نشط ابن سوداء "أي عبد الله بن سبأ" وجماعاته في بث الدعاية ضد عثمان وأمرائه حتى أوسعوا الأرض إذاعة كما جاء في رواية الطبري. وكانوا يكتبون كتبًا في الغيب فيهم ويرسلونها للناس في الأمصار. وبلغ ذلك أهل المدينة فجاءوا إلى عثمان يسألونه هل أتاه من الأمصار مثل ما أتاهم. فقال لهم: والله ماجاءني إلا السلامة، فأخبروه. فقال لهم: أنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا علي، فأشاروا عليه إرسال أشخاص ممن يثق فيهم للأمصار، ليقولوا لأهلها إنهم لم ينكروا شيئًا من عثمان، لا أعلامهم ولا عوامهم وأن الأمراء يقسطون بين الناس "الطبري ج٣ صـ ٣٧٩". ثم كتب إلى أهل الأمصار كتابًا عامًّا يذكر فيه ما بلغه من الإذاعات والطعن على الأمراء، ويقول: إنه تولى أمر المؤمنين ليقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنه ولى عماله على ذلك، وأنه مستعد لسماع كل شكوى منه ومن عماله وإنصاف صاحبها، وإعطاء كل ذي حق حقه، ويدعو من له شكوى إلى موافاته في الموسم "٣٨٠-٣٨١" الطبري نقلًا عن تاريخ الجنس العربي: ٢٣١/٧ ثم استدعى ولاة الأمصار واستطلعهم الأمر: وقال: إني أخشى أن=
[ ١٢٨ ]
فكتب إلى عثمان يخبره بذلك، فأرسل إليه بأشخاصهم إليه، فأخرجهم
_________________
(١) = يكون مصدقًا عليكم، فأكدوا له أنهم سالكون طريق الحق والمصلحة، وإن ما بلغه دسائس ووساوس تبث سرًّا، واقترح بعضهم تعقب المذيعين، وقتلهم، فأمرهم بالانتباه والرفق والتسامح فيما لا يكون فيه ضياع حقوق الأمة، ومن الولاة معاوية بن أبي سفيان "عن الجنس العربي: ٢٣٢/٧" وقد نقله عن الطبري، وذكر المؤرخون أن عثمان جمع بعض خاصته، فشاورهم في أمر الناس، سمع منهم ثم قال لهم: لقد سمعت كل ما أشرتم به، ولكل أمر باب يؤتى منه. إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن. وإن بابه الذي يغلق عليه ليفتحن، فنكفكفه باللين والمواتاة إلا في حدود الله، فإن فتح فلا يكونن لأحد علي حجة، وقد علم الله أن لم آل الناس خيرًا، وإن رحى الفتنة دائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها. سكِّتُوا الناس وهبوا لهم حقوقهم، فإذا تعوطيت حقوق الله فلا توهنوا، "الخليفة المفترى عليه: صـ ٦٤ للأستاذ محمد صادق عرجون". ومن أروع الأدلة على قوة عثمان ورباطة جأشه موقفه حين اشتد عليه هجوم الثوار وأصحاب الفتنة، يقتحمون عليه داره ليقتلوه، وكبار الصحابة الصناديد مع أبنائهم يرجونه للدفاع عنه، كما فصلنا القول في غير هذا المكان، "فيعزم على كل من رأى أن له عليه سمعًا وطاعة أن يكف يده ويلقى سلاحه" حرصًا على دماء المسلمين، ولو بتعريض حياته للهلاك والقتل. ليت شعري أي شجاعة نفسية، وأي صبر يطلبه الناس وراء هذا؟ إذا كانت الشجاعة هي ضبط النفس عند النوازل في غير قلق، والصبر على المكاره من غير جزع، ومصابرة الحوادث من غير سأم، والثبات لجسام الأحداث بلا تزعزع، فلم تنجب الأمهات مثل عثمان في شجاعته ورباطة جأشه، وقوة يقينه، وثباته على رأيه فإن أحدًا من الناس في مثل حال عثمان وشأنه، لم يلقَ ما لقي عثمان، ولا شيئًا منه، ولم يصبر أحد على ما لقي من البلاء والمحنة مثل ما صبر عثمان. وكيف بصبر ينتهي بصاحبه -على علم منه وبصيرة- إلى الموت قتلًا، وكان له لو كان جزوعًا وأراد إلا يصبر عن يقين ورضًا، مخارج ينفذ منها، ويعيش في خفض من العيش، ولكن عثمان ﵁ لم يكن ضعيفًا ولا مستضعفًا -كما يزعم القاصرون والمقصرون- بل كان قويَّ الإيمان، عظيم اليقين، كبير النفس، عبقري الشجاعة، نبيل الصبر، نفاذ البصيرة، فَفَدَى الأمة، ووضع لها بذلك أعظم قواعد النظام في تكوينها الاجتماعي "الخليفة المفترى عليه، للأستاذ عرجون صـ ٦٥"."م". ١٦١ قال ابن الكواء فيما نقله الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخ دمشق ٢٩٩:٧ وأبو جعفر الطبري في تاريخه ٩٢:٥ يصف لمعاوية=
[ ١٢٩ ]