وعلى أهل البصرة حكيم بن جبلة١٧٠، وعلى أهل الكوفة الأشتر مالك بن الحارث النخعي١٧١. فدخلوا المدينة هلال ذي القعدة سنة خمس وثلاثين١٧٣.
فاستقبلهم عثمان، فقالوا: ادع بالمصحف، فدعا به. فقالوا: افتح [السابعة] ١٧٣-يعني يونس- فقالوا: اقرأ. فقرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُوْنَ﴾ قالوا له: قف. قالوا له: أرايت ما حميت من الحمى، أذن الله لك أم علي الله افتريت؟ قال: امضه، إنما نزلت في كذا، وقد حمى عمر، وزادت الإبل فزدت.
فجعلوا يتبعونه هكذا، وهو ظاهر عليهم، حتى قال لهم: ماذا تريدون؟ فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه ستًّا أو خمسًا١٧٥: أن المنفي [يقلب] ١٧٦
_________________
(١) = بقتله "معجم البلدان لياقوت الحموي: الجليل". وأخطأ من نسب ابن عديس إلى تجيب، فإنه بلوي من قضاعة، أما تجيب بنت ثوبان المذحجية فلا ينسب إليها إلا بنو ولديها سعد وعدي ابني أشرس بن شبيب بن السكون من كندة، وأين كندة من قضاعة. "خ". ١٧٠ تقدم التعريف به، وهو أمير إحدى الفرق الأربع البصرية "والثلاثة والآخرون: ذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح "الحطم"، وابن المحرش الحنفي، ورئيسهم الأعلى حرقوص بن زهير السعدي". "خ". ١٧١ تقدم التعريف به، وهو أمير إحدى الفرق الأربع الكوفية "والثلاثة الآخرون: زيد بن صوحان العبدي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، ورئيسهم الأعلى عمرو بن الأصم". "خ". ١٧٢ نزلوا خارج المدينة على ثلاث مراحل منها، ثم تقدم ثوار البصرة فنزلوا في ذي خشب، ونزل ثوار الكوفة الأعوص، ونزل عامتهم بذي المروة. "خ". ١٧٣ ب، ج، ز: التاسعة. قارن "الطبري ج٢ صـ ١١٧" "ويونس" يأتي ترتيبها السابعة في مصحف ابن مسعود ﵁. ونسخة "د" تتفق مع ما ورد في الطبري. وكان الشيخ محب الدين الخطيب ﵀ قد أثبتها التاسعة في أصل الكتاب. "س". ١٧٥ أي اشترطوا عليه ستة شروط أو خمسة في المعاني الآتية. "خ". ١٧٦ ب، ج، ز: "يعلب". وكتبها الشيخ محب الدين: "يعاد"؛ اجتهادًا منه، ولكنه لم ينبه إلى ذلك، رغم أن الشيخ ابن باديس اقترح نفس اللفظة "بقلب" في الهامش. وشهدت نسخة "د" لاقتراح العلامة ابن باديس. "س".
[ ١٣٢ ]
والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل [ذو] الأمانة والقوة، فكتبوا ذلك في كتاب، وأخذ عليهم أن لا يشقوا عصًا، ولا يفرقوا جماعة، ثم رجعوا راضين١٧٧، وقيل: أرسل إليهم عليًّا فاتفقوا على الخمس المذكورة ورجعوا راضين، فبينما هم كذلك١٧٨، إذا راكب يتعرض لهم١٧٩، ثم يفارقهم مرارًا١٨٠. قالوا: مالك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر١٨١ ففتشوه، فإذا هم بالكتاب على لسان
_________________
(١) ١٧٧ كان الزاحفون من أمصارهم على مدينة الرسول ﵌، فريقين: رؤساء خادعين على درجات متفاوتة، ومرءوسين مخدوعين، وهم الكثرة التي بثت فيها دعايات مغرضة حتى ظنت أن هنالك منفيين مظلومين ومحرومين سلبوا حقهم إلخ. وقد رأيت شهادة أصدق شاهدين في العراق حينئذ، وهما الحسن البصري وصنوه ابن سيرين عن وفرة الأعطيات والأرزاق وأنواع الخيرات حتى كان منادي عثمان ينادي بدعوة الناس لها فلا يمنع عنها أحد. ورأيت فيما سبق شهادة الإمام الشعبي عن تعميم الرزق والخير حتى إلى الإماء والعبيد. ولما أصغى عامة الثائرين إلى أجوبة عثمان وعرفوا الحقيقة اقتنعوا ورجعوا، وكان رجوعهم من طريقين مختلفين باختلاف اتجاه أمصارهم، فالمصريون اتجهوا شمالًا لغرب ليسايروا ساحل البحر الأحمر إلى السويس ومصر، والعراقيون من بصريين وكوفيين اتجهوا شمالًا لشرق منجدين ليبلغوا البصرة والكوفة من أرض العراق."خ". ١٧٨ أي فبينما العراقيون من بصريين وكوفيين في طريقهم نحو الشرق إلى الشمال، والمصريون في طريقهم نحو الغرب إلى الشمال، وبين الفريقين مراحل بعيدة؛ لأنهما تقدما في السير والمسافة تزداد بعدًا بينهما."خ". ١٧٩ أي للمصرين وحدهم."خ". ١٨٠ ولا يتعرض لهم، ثم يفارقهم، ويكرر ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه، ويثير شكوكهم فيه. وهذا ما أراده مستأجروا هذا الرجل لتمثيل هذا الدور، ومدبرو هذه المكيدة لتجديد الفتنة بعد أن صرفها الله وأراح المسلمين من شرورها، ولا يعقل أن يكون تدبير هذا الدور التمثيلي صادرًا عن عثمان أو مروان أو أي إنسان يتصل بهما؛ لأنه لا مصلحة لهما في تجديد الفتنة بعد أن صرفها الله، وإنما المصلحة في ذلك للدعاة الأولين إلى إحداث هذا الشغب، ومنهم الأشتر وحكيم بن جبلة اللذان لم يسافرا مع جماعتهما إلى بلديهما، بل تخلفا في المدينة "الطبري ١٢٠:٥"، ولم يكن لهما أي عمل يتخلفان في المدينة لأجله إلا مثل هذه الخطط والتدابير التي لا يفكران يومئذ في غيرها."خ". ١٨١ وقد صرحوا بأنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح "الطبري: ١٢٠:٥" =
[ ١٣٣ ]
عثمان، عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم ويقطع أيديهم وأرجلهم١٨٢.
فأقبلوا حتى قدموا المدينة١٨٣، فأتوا عليًّا فقالوا له: ألم تر إلى عدو الله
_________________
(١) = ولا يعقل أن يكتب إليه عثمان أو مروان؛ لأنه كان عقب خروج الثوار من مصر متوجهين إلى المدينة كتب إلى عثمان يستأذنه بالقدوم عليه "الطبري: ١٢٢:٥" وخرج بالفعل من مصر نحو العريش وفلسطين وأيلة "العقبة" وتغلب محمد ابن أبي حذيفة على الحكم في مصر، وهو عدو لله ورسوله، وخارج على خليفة المسلمين. فكيف يكتب عثمان أو مروان إلى عبد الله بن سعد وعندهما كتابه الذي يستأذن به في القدوم إلى المدينة؟."خ". ١٨٢ الأخبار التي جاء فيها أن الراكب غلام عثمان، وأن الجمل جمل الصدقة، وأن عثمان اعترف بذلك، كلها أخبار مرسلة لا يعرف قائلها أو مكذوبة أذاعها رواة مطعون في صدقهم وأمانتهم، ومضمون الكتاب اضطربت الروايات فيه، ففي بعض الروايات: "إذا قدم عليك عبد الرحمن بن عديس، فاجلده مائة واحلق له رأسه ولحيته وأطل حبسه حتى يأتيك أمري. وعمرو ابن الحمق فافعل به مثل ذلك. وسودان بن حمران مثل ذلك. وعروة ابن التباع الليثي مثل ذلك"، وفي رواية: "إذا أتاك محمد بن أبي بكر الصديق وفلان وفلان فاقتلهم، وأبطل كتابهم، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي"، وفي رواية ثالثة أن مضمون الكتاب أمر عامله بالقتل والقطع والصلب على هؤلاء الثوار، وهذا الاختلاف في مضمون كتاب واحد مما يزيد بالريبة في أمره."خ". ١٨٣ وأعجب العجب أن قوافل الثوار العراقيين التي كانت متباعدة في الشرق والغرب عادت معًا إلى المدينة في آن واحد، أي أن قوافل العراقيين التي كانت بعيدة مراحل بعيدة عن قوافل المصريين علمت بالرواية المسرحية في الساعة التي مثلت فيها في البويب فرجعت إلى المدينة وقت رجوع المصريين، ووصلتا إلى المدينة معًا كأنما كانوا على ميعاد. ومعنى هذا أن الذين استأجروا الراكب ليمثل دور حامل الكتاب أمام قوافل المصريين استأجروا راكبًا آخر خرج من المدينة معه قاصدًا قوافل العراقيين ليخبرهم بأن المصريين اكتشفوا كتابًا بعث به عثمان إلى عبد الله بن سعد في مصر بقتل محمد بن أبي بكر، قال الطبري: ١٠٥:٥. فقال لهم علي: "كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقى أهل مصر، وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة" "يشير كرم الله وجهه إلى تخلف الأشتر وحكيم في المدينة، وأنهما هما اللذان دبرا هذه المسرحية". قال الثوار العراقيون: "فضعوه على ما شئتم. لا حاجة لنا إلى هذا الرجل. ليعتزلنا" وهذا تسليم منهم بأن قصة الكتاب مفتعلة، وأن الغرض الأول والأخير هو خلع أمير المؤمنين عثمان وسفك دمه الذي عصمه الله بشريعة رسوله ﵌."خ".
[ ١٣٤ ]
كتب فينا بكذا؟ وقد أحل الله دمه، قالوا له: فقم معنا إليه، قال والله لا أقوم معكم، قالوا له: فلم كتبت١٨٤ إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم. فنظر بعضهم إلى بعض١٨٥. وخرج علي من المدينة.
فانطلقوا إلى عثمان، فقالوا له: كتبت فينا كذا. قال لهم: إما أن تقيموا
_________________
(١) ١٨٤ "د": "كتب" ورواية خليفة بن خياط: "كتبت" "تاريخ خليفة بن خياط: ١٤٦/١" والمؤلف هنا اعتمد على خليفة بن خياط في رواية أخبار الفتنة، ووثقه فيها ونوه بإسناده "د. عمار طالبي"."س". ١٨٥ الطبري ١٠٨:٥. وهذا الحوار بين علي والثوار مجمع عليه في كل الروايات، وهو نص قاطع على أن اليد التي زورت الكتاب على عثمان، وبعثت إلى العراقيين تخبرهم بذلك وتطلب منهم أن يعودوا إلى المدينة، وهي اليد التي زورت على علي كتابًا إلى الثوار العراقيين بأن يعودوا. وقد قلنا من قبل أن الثوار فريقان -خادع ومخدوع- فالذين نظر بعضهم إلى بعض عندما حلف علي بأنه لم يكتب إليهم هم الفريق المخدوع، يتعجب كيف لم يكتب علي إليهم وقد جاءهم كتابه، ومن ذا الذي يكون قد كتب الكتاب على لسانه إن لم يكن هو الذي كتبه؟ وسيأتي قريبا أن مسروق بن الأجدع الهمداني "وهو من الأئمة الأعلام المقتدى بهم" عاتب أم المؤمنين عائشة بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان، فأقسمت له بالله الذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون أنها ما كتبت إليهم سوادًا في بياض. قال سليمان بن مهران الأعمش "أحد الأئمة الأعلام الحفاظ": "فكانوا يرون أنه كتب على لسانها"، أيها المسملون في هذا العصر وفي كل عصر، إن الأيدي المجرمة التي زورت الرسائل الكاذبة على لسان عائشة أو علي وطلحة والزبير هي التي رتبت هذا الفساد كله، وهي التي طبخت الفتنة من أولها إلى آخرها، وهي التي زورت الرسالة المزعومة على لسان أمير المؤمنين عثمان إلى عامله في مصر في الوقت الذي كان يعلم فيه أنه لم يكن له عامل في مصر، وقد زورت هذه الرسالة على لسان عثمان بالقلم الذي زورت به رسالة أخرى على لسان علي، كل ذلك ليرتد الثوار إلى المدينة بعد أن اقتنعوا بسلامة موقف خليفتهم، وأن ما كان ولم يكن صهر رسول الله ﵌ المبشر منه بالشهادة والجنة هو المجني عليه وحده بهذه المؤامرة السبئية الفاجرة، بل الإسلام نفسه كان مجنيًّا عليه قبل ذلك. والأجيال الإسلامية التي تلقت تاريخها الطاهر الناصع مشوهًا ومحرفًا هي كذلك ممن جنى عليهم ذلك اليهودي الخبيث، والمنقادون له بخطام الأهواء والشهوات.
[ ١٣٥ ]