٩- وأما معاوية: فعمر ولاه، وجمع له الشامات كلها، وأقره عثمان، بل إنما ولاه أبو بكر الصديق ﵁؛ لأنه ولي أخاه يزيد، واستخلفه يزيد، فأقره عمر لتعلقه بولاية أبي بكر لأجل استخلاف واليه له، فتعلق عثمان بعمر وأقره، فانظروا إلى هذه السلسلة ما أوثق عراها، [وأقدر سردها] ١٠٢، ولن يأتي مثلها بعدها أبدًا١٠٣.
_________________
(١) ١٠٢ سقطت من طبعة الشيخ محب الدين الخطيب، ولكنها موجودة في المخطوطات، وأثبتها الدكتور عمار طالبي. "س". ١٠٣ إنما بلغت دولة الإسلام في خلافة أبي بكر وعمر الذروة في العزة، وكانت مضرب الأمثال في الفلاح الإنساني وسعادة المجتمع؛ لأن أبا بكر وعمر كانا يكتشفان بنور الله ﷿ كوامن السجايا في أهلها وعناصر الرجولة في الرجال، فيوليانهم القيادة، ويبوِّئانهم مقاعد السيادة، ويأتمنانهم على أمة محمد ﵌، وهما يعلمان أنهما مسئولان عن ذلك بين يدي الله ﷿، وقد رأيت أن يزيد بن أبي سفيان وأخاه معاوية كانا من رجال دولة أبي بكر الصديق الذين اختارهم لحمل أعباء الأمة في حربها وسلمها، فأحسن بذلك كل الإحسان، ولما ولي يزيد قيادة أحد جيوشه خرج معه أبو بكر يشيعه ماشيًا. "الطبري ٣٠: ٤". ومعاوية مذكور في التاريخ بعد أخيه يزيد؛ لأنه أصغر منه سنًّا، لا لأنه أقل منه في استكمال صفات القيادة والسيادة، وقبل أن يكون معاوية من رجال الدولتين البكرية والعمرية كان أحد الذين استعملهم رسول الله ﵌ واستعان بهم، وكان يدعوه لذلك في بعض الأحيان -ومعاوية يأكل- ويلح في دعوته، ويرسل إليه المرة بعد المرة يستعجله في المجيء إليه، فالنبي ﵌ ولى معاوية شيئًا من عمله قبل أن يوليه أبو بكر وعمر، وولى يزيد بن أبي سفيان أيضًا كما في فتوح البلدان للبلاذري: "صـ ٤٨ طبع مصر سنة ١٣٥٠". والذين يضطغنون البغضاء والحقد لأصحاب رسول الله ﵌ ولاسيما بني أمية منهم لم يستطيعوا أن ينكروا أن النبي ﵌ استعمل معاوية في الكتابة له، فقالوا: إنه كان يكتب له، ولكنه لم يكن يكتب الوحي، وهم يقولون هذا بوحي أوحي إليهم من الشيطان، وليس في يدهم نص تاريخي أو دليل شرعي يرجعون إليه، فميزوا بين أمور لا حجة لهم في التمييز بينها، والنبي ﵌ لو كان يميز بين كتبته في أمور دون أمور لتواتر ذلك عنه، ولنقله الناقلون كما وقع فيما هو أقل من هذا شأنًا. سألني مرة أحد شباب المسلمين ممن يحسن الظن برأيي في الرجال: ما تقول في معاوية؟ فقلت له: ومن أنا حتى أُسأَل عن عظيم من عظماء هذه الأمة، وصاحب من خيرة أصحاب محمد ﵌؟ إنه مصباح من مصابيح =
[ ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الإسلام، لكن هذا المصباح سطع إلى جانب أربع شموس ملأت الدنيا بأنوارها، فغلبت أنوارها على نوره. نقل الحافظ ابن كثير في: البداية والنهاية: ١٣٣: ٨ عن الليث بن سعد "وهو إمام مصر وعالمها ورئيسها المتوفى سنة ١٧٥" قال: حدثنا بكير، "وهو ابن عبد الله الأشج المدني المصري المتوفى سنة ١٢٧، قال عنه الإمام النسائي: ثقة ثبت" عن بسر بن سعيد المدني "المتوفى سنة ١٠٠ قال عنه ابن معين: ثقة. وقال عنه الليث بن سعد: كان من العباد المنقطعين، أهل الزهد في الدنيا والورع" أن سعد بن أبي وقاص "أحد العشرة المبشرين المبشرين بالجنة" قال: "ما رأيت أحدًا بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب" يعني معاوية، وروى ابن كثير أيضًا: ١٣٥: ٨ عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني أحد الأئمة الأعلام الحفاظ "وكان ينسب إلى التشيع"، عن معمر بن راشد أبي عروة البصري ثم اليماني وكان أحد الأعلام، عن همام بن منبه الصنعاني وكان ثقة قال: سمعت ابن عباس يقول: "ما رأيت رجلًا أخلق بالملك من معاوية، وهل يكون الرجل أخلق بالملك إلا أن يكون عادلًا حكيمًا حليمًا، يحسن الدفاع عن ملكه، ويستعين الله في نشر دعوة الله في الممالك الأخرى، ويقوم بالأمانة في الأمة التي ائتمنه الله عليها؟ والذي يكون أخلق الناس بالملك، هل يلام عثمان على توليته؟ ويا عجبًا كيف يلام عثمان على توليته، وقد ولاه من قبله عمر، وتولى لأبي بكر من قبل عمر، وتولى بعض عمل رسول الله ﵌ قبل أن تصير الخلافة إلى أبي بكر وعمر وعثمان، إن المخ الذي يعبث به الشيطان فيسول له مثل هذه الوساوس لا شك أنه مخ فاسد، يفسد على الناس عقولهم ومنطقهم قبل أن يفسد عليهم دينهم وتاريخهم، فمن الواجب على محبي الحق والخير أن يتحاموا كل من يحمل في رأسه مثل هذا المخ كما يتحامون المجذوم، روى الإمام الترمذي عن أبي إدريس الخولاني من كبار علماء التابعين، وأعلم أهل الشام بعد أبي الدرداء أن عمر بن الخطاب لما عزل عمير بن سعد الأنصاري الأوسي عن حمص وولى معاوية، قال الناس: عزل عميرًا وولي معاوية، قال البغوي في معجم الصحابة: وكان عمير يقال له نسيج وحده، قال ابن سيرين: أن عمر كان يسميه بذلك؛ لإعجابه به. وكان عمير من الزهاد فقال عمير: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: "اللهم اهد به"، ويروى أن الذي شهد هذه الشهادة لمعاوية أمير المؤمنين عمر، فإن كان هو الذي شهدها له، وروى دعاء رسول الله ﵌ لمعاوية بأن يهدي الله به، فذلك أمر عظيم؛ لعظم مكانة عمر، وإن كان الذي شهد بذلك عمير بن سعد الأنصاري مع أنه هو المعزول بمعاوية عن ولاية حمص، فإن ذلك لا يقل عظمة عما لو كانت الشهادة لمعاوية من عمر، وقد علمت أن عميرًا من أصحاب =
[ ٩٦ ]