مهاجر بعد إبراهيم الخليل ﵌، دخل به في باب "أول من٤٥" وهو علم كبير جمعه الناس.
ولما صحت إمامته قتل مظلومًا٤٦؛ ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ما نصب حربًا٤٧ ولا جيش عسكرًا٤٨، ولا سعى إلى فتنة٤٩ ولا دعا إلى بيعة٥٠، ولا حاربه ولا نازعه من هو من أضرابه ولا أشكاله٥١،
_________________
(١) ٤٥ للجلال السيوطي وغيره من العلماء قبله وبعده كتب ألفوها في تسمية الأشخاص الذين سبقوا غيرهم إلى شيء من الأعمال المحمودة وغيرها، فيقولون مثلًا: كان عثمان أول من هاجر في سبيل الله الهجرة الأولى إلى الحبشة. "خ". تكملة: تسمى هذه الكتب ب "الأوائل" منها: - الأوائل: لأبي هلال العسكري. - الأوائل: للإمام الطبراني. "س". - الأوائل: للإمام المزي. ٤٦ روى الإمام أحمد في: مسنده: ١١٥: ٢ الطبعة الأولى -ج ٨ رقم ٥٩٥٣ الطبعة الثانية" عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: ذكر رسول الله ﵌ فتنة، فمر رجل، فقال ﵌: "يقتل فيها هذا المقنَّع يومئذ مظلومًا" قال "عبد الله بن عمر": "فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان، قال الشيخ أحمد شاكر: والحديث رواه الترمذي ٣٢٣: ٤ ونقل شارحه عن الحافظ ابن حجر أنه قال: إسناده صحيح. وروى الحاكم في المستدرك: ١٠٢: ٣ نحوه من حديث مرة بن كعب، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. "خ". ٤٧ أي لقتال أهل القبلة، أما حروبه لإعلاء كلمة الله ونشر دعوة الحق، فكانت من أنشط ما عرفه التاريخ الإسلامي. "خ". ٤٨ أي للدفاع عن نفسه، وكبح جماح البغاة عليه. "خ". ٤٩ بل كان أشد خلق الله كرهًا لها، وحرصًا على تضييق دائرتها؛ حقنًا لدماء المسلمين، ولو أدى ذلك به إلى أن يكون هو ضحية لغيره. "خ". ٥٠ وإنما أتته منقادة على غير تشوف منه إليها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: ١٦٤: ٣: إن الصحابة اجتمعوا على عثمان ﵁؛ لأن ولايته كانت أعظم مصلحة وأقل مفسدة من ولاية غيره، ثم قال في الصفحة التالية: ولا ريب أن الستة الذين توفي رسول الله ﵌ وهو عنهم راضٍ-أي الذين عينهم عمر- لا يوجد أفضل منهم، وإن كان في كل منهم ما كرهه، فإن غيرهم يكون فيه من المكروه، أعظم، ولهذا لم يتولَّ بعد عثمان خير منه ولا أحسن سيرة. "خ". ٥١ أضراب أمير المؤمين عثمان، وأشكاله هم إخوانه الذين أشركهم أمير المؤمنين عمر في الشورى، أما الذين استطاع عبد الله بن سبأ وتلاميذه أن
[ ٧٢ ]
ولا كان يرجوها لنفسه ولا خلاف انه ليس لأحد ان يفعل ذلك في غير عثمان فكيف بعثمان ﵁
وقد سموا من قام عليه فوجدناهم أهل أغراض سوء حيل بينهم وبينها ٥٢فوعظوا وزجروا ٥٣ وأقاموا بحمص عند عبد الرحمن
_________________
(١) = يوقعوهم في حبائل الفتنة فبينهم وبين مستوى أهل الشورى أبعد مما بين الحضيض والقمة، بل أبعد مما بين الشر والخير. وإن الشر الذي أقحموه على تاريخ الإسلام بحماقاتهم وقصر أنظارهم لو لم يكن من نتائجه إلا وقوف حركة الجهاد الإسلامي فيما وراء حدود الإسلام سنين طويلة لكفى به إثما وجناية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٢: ١٨٦): إن خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان. لا قتل، ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن. وكان علي ﵁ يقول «اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل» ."خ" ٥٢ الذين شاركوا في الجناية على الإسلام يوم الدار طوائف على مراتب: فيهم الذين غلب عليهم الغلو في الدين، فأكبروا الهنات، وارتكبوا في إنكارها الموبقات. وفيهم الذين ينزعون إلى عصبية يمنية على شيوخ الصحابة من قريش، ولم تكن لهم في الإسلام سابقة. فحسدوا أهل السابقة من قريش على ما أصابوا من مغانم شرعية جزاء جهادهم وفتوحهم، فأرادوا أن يكون لهم مثلها بلا سابقة ولا جهاد. وفيهم الموتورون من حدود شرعية أقيمت على بعض ذويهم، فاضطغنوا في قلوبهم الإحنة والغل لأجلها. وفيهم الحمقى الذين استغل السبئيون ضعف قلوبهم فدفعوهم إلى الفتنة والفساد والعقائد الضالة. وفيهم من أثقل كاهله خير عثمان ومعروفه نحوه، فكفر معروف عثمان عندما طمع منه بما لا يستحقه من الرئاسة والتقدم بسبب نشأته في أحضانه. وفيهم من أصابهم من عثمان شيء من التعزير لبوادر بدرت منهم تخالف أدب الإسلام، فأغضبهم التعزير الشرعي من عثمان، ولو أنهم قد نالهم من عمر أشد منه لرضوا به طائعين. وفيهم المتعجلون بالرياسة قبل أن يتأهلوا لها اغترارا بما لهم من ذكاء خلاب أو فصاحة لا تغذيها الحكمة، فثاروا متعجلين بالأمر قبل إبانه. وبالإجمال، فإن الرحمة التي جبل عليها عثمان وامتلأ بها قلبه أطمعت الكثير فيه، وأرادوا أن يتخذوا من رحمته مطية لأهوائهم. ولعلي إذا اتسع لي الوقت أتفرغ لدراسة نفسيات هؤلاء الخوارج على عثمان، وتنظيم المعلومات الصحيحة التي بقيت لنا عنهم، ليكون من ذلك درس عبرة لطلاب التاريخ الإسلامي. ٥٣ وقد وعظهم وزجرهم أهل العافية والحكمة والرضا من أعيان =
[ ٧٣ ]
ابن خالد بن الوليد٥٤ يؤنبهم ويؤدبهم، حتى تابوا ٥٥ فأرسل بهم إلى عثمان فتابوا٦، وخيرهم فاختاروا التفرق في البلاد، فأرسلهم، فلما سار كل ما اختار أنشأوا الفتنة، وألبوا الجماعة، وجاءوا إليه٥٧ بجملتهم، فاطلع عليهم من حائط داره ووعظهم، وذكرهم، وورعهم عن دمه٨٥، وخرج طلحة يبكي ويورع الناس، وأرسل علي ولديه٥٩، وقال الناس لهم٦٠: أنك أرسلتم إلينا "أقبلوا إلى من غير سنة الله"٦١.
فلما جئنا قعد هذا في بيته يعنون عليًّا -وخرجت أنت٦٢ تفيض عينيك، والله لا برحنا حتى نريق دمه.
وهذا قهر عظيم، وافتئات الصحابة، وكذب في وجوههم، وبهت
_________________
(١) = أمصارهم وعلمائها في الكوفة والبصرة والفسطاط، ثم وعظهم وزجرهم معاوية في مجالس له معهم عندما سيرهم عثمان إلى الشام كما سيجيء عند كلام المؤلف على سطوهم على المدينة -بحجة الحج- فحولوا حجهم الكاذب إلى البغي على خليفتهم وسفك دمه الحرام في جوار قبر المصطفى ﵊. "خ". ٥٤ وكان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد واليًا لمعاوية على حمص وما يليها من شمال الشام إلى أطراف جزيرة ابن عمر، وسيأتي الحديث عن أحوالهم عندما قبض عليهم هذا الشبل المخزومي بمثل مخالب أبيه."خ". ٥٥ بل تظاهروا بأنهم تابوا،: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَىْ شَيَاطِيْنِهِمْ قَاْلُوْا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ . خ. ٥٦ خيَّرَهم عبد الرحمن بن خالد في أن يذهبوا إلى عثمان، فهب كبيرهم الأشتر النخعي، وله قصة نذكرها في موضعها من هذا الكتاب."خ". ٥٧ أي إلى أمير المؤمنين عثمان."خ". ٥٨ ورعهم عن الشيء: كفهم ومنعهم بالحجة والحق المنير."خ". ٥٩ ليكونا في حراسة أمير المؤمني عثمان، ويدافعا عنه بالسلاح إذا شاء."خ". ٦٠ أي قال البغاة بخاطبون عليًّا وطلحة والزبير."خ". ٦١ زعم البغاة أنهم تلقوا من علي وطلحة والزبير رسائل يدعونهم بها للثورة على عثمان بدعوى أنه غير سنة الله. وسيأتي إنكار علي وطلحة والزبير أنهم كتبوا بذلك، والظاهر أن الفريقين صادقان، وأن منظمي الفتنة من السبأيين زوروا الرسائل التي ذكرها البغاة الثائرون. "خ". ٦٢ الخطاب لطلحة بن عبيد الله."خ".
[ ٧٤ ]
لهم، ولو أراد عثمان لكان مستنصرًا بالصحابة، ولنصروه في لحظة٦٣.
وإنما جاء القوم مستجيرين متظلمين٦٤، فوعظهم، فاستشاطوا، فأراد الصحابة [إليهم] *، فأوعز إليهم عثمان لا يقاتل أحد بسببه أبدًا.
فاستسلم، وأسلموه برضاه.
وهي مسألة من الفقه كبيرة: هل يجوز للرجل أن يستسلم، أم يجب عليه أن يدافع عن نفسه؟
وإذا استسلم وحرم على أحد أن يدافع عنه بالقتل، هل يجوز لغيره أن يدافع عنه ولا يلتفت إلى رضاه؟ اختلف العلماء فيها.
فلم يأتِ عثمان منكرًا لا في أول الأمر، ولا في آخره، ولا جاء الصحابة بمنكرة، وكل ما سمعت من خبر باطل إياك أن تلتفت إليه٦٦.
_________________
(١) ٦٣ ولقد راوده في ذلك مرارًا، وعرض عليه معاوية أن ينقل دار الخلافة إلى الشام، أو يمده بجند من الشام لا يعرف له التاريخ إلا التقدم والظفر."خ". ٦٤ أي أن البغاة ظهروا بمظهر المتظلم، وهو يدعى أمورًا يشكوها، فكان عثمان يرى لهم حقًّا عليه أن يبين لهم وللناس حجته فيما ادعوا، ووجهة نظره في الأمور التي زعموها أنهم جاءوا يتظلمون منها."خ". * كذا في جميع النسخ "إليهم" إلا أن الشيخ محب الدين غيره إلى "ألهم" دون أن يشير إلى ذلك، والظاهر أن النص كما هو مثبت والمقصود منه أنهم ارادوا القيام إليهم ومدافعتهم عن عثمان "من تعليق الدكتور عمار طالبي"."س". ٦٦ ومعيار الأخبار في تاريخ كل أمة الوثوق من مصادرها، والنظر في ملائمتها لسجايا الأشخاص المنسوبة إليهم، وأخبار التاريخ الإسلامي نقلت عن شهود عيان ذكروها لمن جاءوا بعدهم، وهؤلاء رووها لمن بعدهم، وقد اندس في هؤلاء الرواة أناس من أصحاب الأغراض زوروا أخبارًا على لسان آخرين وروَّجوها في الكتب إما تقربًا لبعض أهل الدنيا، أو تعصبًا لنزعة يحسبونها من الدين، ومن مزايا التاريخ الإسلامي-تبعًا لما جرى عليه علماء الحديث- إنه قد تخصص فريق من العلماء في نقد الرواية والرواة، وتمييز الصادقين منهم عن الكذبة، حتى صار ذلك علمًا محترمًا له قواعد، وألفت فيه الكتب، ونظمت للرواة معاجم حافلة بالتراجم، فيها التنبيه على مبلغ كل راوٍ من الصدق والتثبت والأمانة في النقل، وإذا كان لبعضهم نزعات حربية أو مذهبية =
[ ٧٥ ]