وكتبوا بينهم أن يكفوا عن القتال، ولعثمان دار الإمارة والمسجد وبيت المال، وأن ينزل طلحة والزبير من البصرة حيث شاءا، ولا يعرض بعضهم لبعض حتى يقدم علي٢٦٣.
وروي أن حكيم بن جبلة عارضهم حينئذ، فقل بعد الصلح.
وقدم علي البصرة٢٦٥، وتدانوا ليتراءوا٢٦٦، فلم يتركهم أصحاب الأهواء، وبادروا بإراقة الدماء، واشتجر [بينهم] الحرب، وكثرة الغوغاء على البوغاء؛ كل ذلك حتى لا يقع برهان، ولا [تقف] الحال على بيان، ويخفى قتلة عثمان، وإن واحدًا في الجيش يفسد تدبيره، فكيف بألف.
_________________
(١) ٢٦٣ ونص كتاب الصلح في تاريخ الطبري ١٧٧: ٥: ولما بلغ عليًّا ما وقع كتب إلى عثمان بن حنيف يصفه بالعجز، وجمع طلحة والزبير الناس، وقصدوا المسجد وانتظروا عثمان بن حنيف فأبطأ، ولم يحضر، ووقعت فتنة في المسجد من رعاع البصرة أتباع حكيم بن جبلة، وكان لها رد فعل من أناس ذهبوا إلى عثمان بن حنيف ليحضروه، فتوطأه الناس ونتفوا شعر وجهه، أمرهم بذلك مجاشع بن مسعود السلمي زعيم هوازن وبني سليم والأعجاز من قبائل البصرة. "الطبري ١٧٨: ٥". "خ". ٢٦٥ فنزل مكانًا منها يسمى الزاوية. وكان أصحاب الجمل نازلين مكانًا منها يسمى الفرضة. "خ". ٢٦٦ عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، وكان ذلك يوم الخميس في النصف من جمادى الأخرة سنة ٣٦ "الطبري ١٩٩: ٥". وكان الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي قد قام بين الفريقين بالوساطة الحكيمة المعقولة، فاستجاب له أصحاب الجمل، وأذعن علي لذلك، وبعث علي إلى طلحة والزبير، يقول: "إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو، فكفوا حتى ننزل، فننظر في هذا الأمر"، فأرسلا إليه::إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس". قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: ٢٣٩: ٧: فاطمأنت النفوس وسكنت، واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين. فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم، وبعثوا محمد بن طلحة السجاد إلى علي، وعولوا جميعًا على الصلح، وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية. وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة. وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السر، واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من =
[ ١٥٩ ]
وقد روي أن مروان لما وقعت عينه في الاصطفاف على طلحة قال: لا [أطلب] أثرًا بعد عين، ورماه بسهم فقتله٢٦٧. ومن يعلم هذا إلا علام الغيوب، ولم ينقله ثبت.
وقد روي "أنه" أصابه سهم بأمر مروان، لا أنه رماه.
وقد خرج كعب بن سور بمصحف منشور بيده يناشد الناس أن لا يريقوا دماءهم٢٦٩، فأصابه سهم غرب فقتله٢٧٠، ولعل طلحة مثله.
_________________
(١) = الشر، فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم، انسلوا إلى ذلك الأمر انسلالًا "وانظر مع ذلك الموضع من تاريخ ابن كثير تاريخ الطبري ٢٠٢:٥-٢٠٣ ومنهاج السنة ١٨٥:٥، ٢٢٥:٣، ٢٤١" وهكذا أنشبوا الحرب بين علي وأخويه الزبير وطلحة، فظن أصاب الجمل أن عليًّا غدر بهم، وظل علي أن إخوانه غدروا به، وكل منهم اتقى الله من أن يفعل ذلك في الجاهلية، فكيف بعد أن بلغوا أعلى المنازل من أخلاق القرآن."خ". ٢٦٧ آفة الأخبار رواتها، وفي العلوم الإسلامية علاج آفة الكذب الخبيثة، فإن كل راوي خبر يطالبه الإسلام بأن يعين مصدره على قاعدة: من أين لك هذا؟ ولا تعرف أمة مثل هذه الدقة في المطالبة بمصادر الأخبار كما عرفه المسملون، ولا سيما أهل السنة منهم، وهذا الخبر عن طلحة ومروان لقيط لا يعرف أبوه ولا صاحبه، وما دام لم ينقله ثبت بسند معروف عن رجال ثقات فإن للقاضي ابن العربي أن يقول بملء فيه: ومن يعلم هذا إلا علم الغيوب؟ ٢٦٩ كعب بن سور الأزدي أو قضاةء المسلمين على البصرة ولاه أمير المؤمنين عمر. قال الحافظ بن عبد البر: كان مسلمًا في زمن النبي ﵌ لكنه لم يره. ٢٧٠ قال الحافظ ابن عساكر ٨٥:٧ في ترجمة طلحة: وقالت عائشة لكعب بن سور الأزدي: "خلِّ يا كعب عن البعير، وتقدم بكتاب الله فادعهم إليه"، ودفعت إليه مصحفًا، وأقبل القوم وأمامهم السبئية يخافون أن يجري الصلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، وعلي من خلفهم يزعهم ويأبون إلا إقدامًا، فلما دعاهم كعب رشقوه رشقًا واحدًا فقتلوه، ثم راموا أم المؤمنين فكان أول شيء أحدثته حين أبوا أن قالت: "أيها الناس، العنوا قتلة عثمان وأشياعهم"، وأقبلت تدعو، وضج أهل البصرة بالدعاء. وسمع علي =
[ ١٦٠ ]
ومعلوم أنه عند الفتنة، وفي ملحمة القتال يتمكن أولوا الإحن والحقود، من حلِّ العرى ونقض العهود، وكانت آجالا حضرت، ومواعد انتجزت٧٧١.
فإن قيل: لم خرجت عائشة ﵂ وقد قال صلى الله عليه وآله
_________________
(١) = الدعاء فقال: "ما هذه الضجة؟ " فقالوا: عائشة تدعو ويدعو الناس معها على قتلة عثمان وأشياعهم. فأقبل علي يدعو وهو يقول: "اللهم العن قتلة عثمان وأشياعهم". قلت: وهكذا اشترك صالحوا الفريقين في لعن قتلة أمير المؤمنين الشهيد المظلوم في الساعة التي كان فيها قتلة عثمان ينشبون القتال بين صالحي المسلمين. ٢٧١ نقل الحافظ ابن عساكر ٨٦:٧-٨٧ قول الشعبي: رأى علي بن أبي طالب طلحة ملقى في بعض الأودية، فنزل فمسح التراب عن وجهه، ثم قال: "عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلًا في الأودية وتحت نجوم السماء. إلى الله أشكو عجري وبجري" "قال الأصمعي: أي سرائري وأحزاني التي تجول في جوفي". وقال: "ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة". وقال أبو حبيبة مولى طلحة: دخلت أنا وعمران بن طلحة على علي بعد الجمل، فرحب بعمران وأدناه وقال: "إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك من الذين قال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، وكان الحارث الأعور* جالسًا في ناحية، فقال: الله أعدل من أن نقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة، فقال له علي: قم إلى أبعد أرض الله وأسحقها، فمن هو ذا إن لم أكن أنا وطلحة في الجنة؟ وذكر محمد بن عبد الله أن عليًّا تناول دواة فحذف بها الأعور يريده بها فأخطأه، وقال له ابن الكواء**: "الله أعدل من ذلك"، فقام إليه علي بدرة فضربه، وقال له: "أنت -لا أم لك- وأصحابك تنكرون هذا؟ ". * هو الحارث بن عبد الله الهمداني الحوثي أبو زهير الكوفي الأعور أحد كبار الشيعة. قال عنه الشعبي وابن المديني: كذاب. قلت: وإنما كان يدفعه إلى الكذب تحزبه وتشيعه، فالحزبية والتشيع والتعصب المذهبي من مدارج الباطل، والإسلام دين الاعتدال والإنصاف والصدق، وأن تقول الحق ولو على نفسك."م". ** ابن الكواء: عبد الله بن أبي أوفى اليشكري أحد القائمين بالفتنة على عثمان. وبعد صفين والتحكيم كان على رأس الخوارج على علي، فلما حاجهم علي وابن عباس رجع إلى علي قبل وقعة النهروان، هذان التعليقان السابقان للخطيب."م".
[ ١٦١ ]
وسلم لهن في حجة الوداع "هذه ثم ظهور الحصر"٢٧٢. قلنا: حدث حديثين امرأة، فإن أبت فأربعة، يا عقول النسوان ألم أعهد إليكم ألا ترووا أحاديث البهتان، وقدمنا لكم على صحة خروج عائشة البرهان٢٧٣،، فلم تقولون ما لا تعلمون؟ وتكررون ما وقع الانفصال عنه كأنكم لا تفهمون؟ ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ .
وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب، فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حوب٢٧٤، ما كان قط شيء مما ذكرتم، ولا قال٢٧٥ النبي صلى الله
_________________
(١) ٢٧٢ في مسند أحمد: ٤٤٦:٢ الطبعة الأولى من حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لما حج بنسائه قال: "إنما هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر"، وفيه ٢١٨:٥ الطبعة الأولى من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أنه ﵌ قال لنسائه في حجته: "هذه ثم ظهور الحصر". وحديث أبي واقد في باب فرض الحج من كتاب المناسك بسنن أبي داود: ك١١ب١. والحصر جمع حصير، أي لزوم المنزل. ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٢١٥:٥ على أنه إشارة نبوية إلى أنه ﵌، ينعى لهن نفسه، وأن هذه آخر حجة له ﵌، وليس فيه أمر منه بأن لا يزايلن الحصر إلى حج أو مصلحة أو إصلاح بين الناس، فاستشهاد أعداء الصحابة بهذا الحديث على المنوع مطلقًا عده القاضي ابن العربي من البهتان؛ لأنه استشهاد به لغير ما أراده النبي ﵌. "خ". ٢ روى الإمام ابن حزم في بحث "وجوه الفضل والمفاضلة" من كتاب "الإمامة والمفاضلة" المدرج في الجزء الرابع من الفصل صـ ١٣٤ عن شيخه أحمد بن محمد الخوزي عن أحمد بن الفضل الدينوري عن محمد بن جرير الطبري أن علي بن أبي طالب بعث عمار بن ياسر والحسن بن علي إلى الكوفة، إذ خرجت أم المؤمنين إلى البصرة، فلما أتياها اجتمع إليهما الناس في المسجد، فخطبهم عمار، وذكر لهم خروج عائشة أم المؤمنين إلى البصرة ثم قال لهم: "إني أقول لكم، ووالله إني لأعلم أنها زوجة رسول الله ﵌ في الجنة كما هي زوجته في الدنيا، ولكن الله ابتلاكم بها لتطيعوها أو لتطيعوه" فقال مسروق أو أبو الأسود: يا أبا اليقظان، فنحن مع من شهدت له بالجنة دون من لم تشهد له، فسكت عمار."خ". ٢٧٤. الحوب: الإثم."خ". ٢٧٥ بل هو حديث صحيح، أخرجه أحمد ٥٢/٦ و٩٧ وغيره من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عن عائشة، وهذا إسناد صحيح =
[ ١٦٢ ]