وبهذا يظهر أن الاجتهاد أمرٌ خفي، غيرُ ضروري ولا قطعيٌّ، وأنَّ كُلٍّ مجتهدٍ في تفسيره واعتبارِ شروطه مصيب لِعدم النص الجليِّ المتواتر في تفسيره ولله الحمد.
وقد ذكر العلماءُ قديمًا وحديثًا حُكْمَ القاضي والمجتهد إِذا خالفا النَّص، ثم وجداه، وهذه مسألة مشهورة.
وقد رَجَع كثيرُ من العلماء عن أقوالهم، ورجع عليٌّ -﵇- عن قولِه في أمِّ الولد، وكان يقول: إنَّ بيعها حرام، ورَجَعَ إلى القول بجواز بيعها، وقال لَهُ عَبيدَة السَّلماني: رأيُك مع الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك وحدَك (١).
وقد يكونُ رجوعُ العالِم للوقوفِ على النص، ولغير ذلك من انكشاف ضعف دليله المتقدم.
وقد رجع عُمَرُ بنُ الخطاب -﵁- عن رأيه في دِيَةِ الأصابِعِ، وعن المنعِ من توريث المرأةِ مِن دِيَةِ زوجها (٢). واحتجَّ بذلِكَ الإمامُ المنصورُ بالله -﵇- في " الصفوة " فقال -ما لفظه-: وما كان يذهبُ إليه من التفضيل في دية الأصابع فإنه كان يجعل في الإِبهام خَمْسَ عشرةَ، وفي البِنصِر تسعًا، وفي الخِنْصَر ستًا، وفي الباقيتين في كُلِّ
_________________
(١) في " المصنف " (١٣٢٢٤) عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: سمعت عليًا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، قال: ثم رأيت أن يبعن. قال عَبيدة، فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إلي من رأيك وحدك في الفرقة، أو قال: في الفتنة - قال: فضحك علي. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه البيهقي ١٠/ ٣٤٨ من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين به.
(٢) سيأتي تخريجه قريبًا.
[ ١ / ٢٩٢ ]
واحدةٍ عشرًا، فرجع عن ذلك لكتاب عمرو بن حزم (١).
وكان لا يُورِّثُ المرأةَ مِن دِية زوجِها، فورَّثها لرواية الضَّحّاكِ بنِ سفيان عنِ النبي - ﷺ - توريثَهَا (٢).
_________________
(١) أخرج عبد الرزاق في " المصنف " (١٧٦٩٨) من طريق الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أن عمر جعل في الإبهام خمس عشرة، وفي السبابة عشرًا، وفي الوسطى عشرًا، وفي البنصر تسعًا وفي الخنصر ستًا حتى وجدنا كتابًا عند آل حزم عن رسول الله - ﷺ - أن الأصابع كلها سواء، فأخذ به. رجاله ثقات، وأخرجه البيهقي ٨/ ٩٣ من طريق جعفر ابن عون، عن يحيى بن سعيد به. وَجَعْلُ دية الأصابع سواء، وأنها عشر من الإبل لكل إصبع ثابتٌ عنه - ﷺ - من حديث ابن عباس عند البخاري (٦٨٩٥) في الديات، وأبي داود (٤٥٥٩) و(٤٥٦١) و(١٣٩١) وابن حبان (١٥٢٨) ومن حديث أبي موسى الأشعري عند أبي داود (٤٥٥٧) والنسائي ٨/ ٥٦، وابن ماجه (٢٦٥٤) والدارقطني ٣/ ٢١١، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود (٤٥٦٢) و(٤٥٦٣) و(٤٥٦٦) وأما كتاب عمرو بن حزم، فأخرجه مالك في " الموطأ " ٢/ ٨٤٩ في أول كتاب العقول عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه .. مرسلًا، ووصله النسائي ٨/ ٥٧، ٥٨ في القسامة، والدارقطني ٣٧٦، وابن حبان (٧٩٣) والبيهقي ٤/ ٨٩، والحاكم ١/ ٣٩٧ من طريق الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، قال: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده .. وقد غلط الحكم بن موسى على يحيى بن حمزة في قوله: سليمان بن داود، والصواب قول محمد بن بكار عنه: سليمان بن أرقم كما رواه النسائي وهو في أصل يحيى كذلك، نبَّه عليه غير واحد من الحذاق. وسليمان بن أرقم متروك الحديث فسند الموصول لا يصح وانظر التفصيل في " الجوهر النقي " ٤/ ٨٦ - ٨٩.
(٢) أخرجه الشافعي ٢/ ٢٢٩، وأحمد ٣/ ٤٥٢، وأبو داود (٢٩٢٧) والترمذي (٢١١١)، وابن ماجة (٢٦٤٢) وعبد الرزاق (١٧٧٦٤)، والطبراني (٨١٣٩) و(٨١٤٠) و(٨١٤١) و(٨١٤٢) من طرق عن الزهري، عن سعيد بن المسيِّب أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي - ﷺ - كتب إليه أن يورِّث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر. وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن في سماع سعيد بن المسيب من عمر خلافًا، وله شاهد يتقوى به من حديث المغيرة بن شعبة عند الدارقطني ص ٤٥٧، وفي سنده زفر بن وثيمة البصري وهو مجهول الحال، وأخرج الدارقطني من حديث ابن المبارك عن مالك، عن الزهري، عن أنس ابن مالك أن قتل أسلم كان خطأ، ورواه الطبراني (٨١٤٣) من طريق عبد الله بن أحمد، حدثني عبد الله بن عمر بن أبان، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن مالك به وهو في " الموطأ " =
[ ١ / ٢٩٣ ]
وكاد يُهْدِرُ الجنينَ لولا خبرُ حمَلِ بني مالكٍ أن رسولَ الله - ﷺ - أوجبَ فيه الغُرَّة عبدًا أو أمة (١).
وقال -﵇- قبلَ هذا -ما لفظُه-: وطلب أبو بكر حُكْمَ الجَدَّةِ وكان يرى فيه برأيه حتى أخبره المُغيرةُ ومحمدُ بنُ مسلمة أن رسولَ اللهِ - ﷺ - فَرَضَ لها السُّدُسَ (٢).
_________________
(١) = ٢/ ٨٦٧ عن الزهري بغير ذكر أنس، قال الدارقطني في " غرائب مالك " فيما نقله عنه الحافظ في " الإصابة " في ترجمة الضحاك: وهو المحفوظ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (١٨٣٤٣) ومن طريقه الحاكم ٣/ ٥٧٥، والطبراني (٣٤٨٢) عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: قام عمر على المنبر، فقال: اذكِّرُ الله امرءًا سمع رسول الله - ﷺ - قضى في الجنين، فقام حمل بن مالك بن النابغة الهذلي، فقال: يا أمير المؤمنين كنت بين جاريتين -يعني ضرتين- فجرحت أو ضربت إحداهما الأخرى بالمسطح بعمود ظلتها، فقتلتها وقتلت ما في بطنها، فقضى النبي - ﷺ - بغُرَّةٍ: عبدٍ أو أمة. فقال عمر: الله أكبر لو لم نسمع بهذا ما قضينا بغيره. وهذا إسناد صحيح، وأخرجه أبو داود (٤٥٧٣) من طريق عبد الله بن محمد الزهري عن سفيان بن عيينة به، وأخرجه أبو داود (٤٥٧٢)، وأحمد ٤/ ٧٩، وابن ماجه (٢٦٤١) من طرق عن ابن جريج، حدثني عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس. وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد ٢/ ٢٣٦ و٢٧٤ و٤٣٨ و٤٩٨ و٥٣٥ و٥٣٩ والبخاري (٦٩٠٤) و(٦٩٠٩) و(٦٩١٠) ومسلم (١٦٨١) وأبو داود (٤٥٧٦) والنسائي ٨/ ٤٧ و٤٨، والترمذي (١٤١٠) والدارمي ٢/ ١٩٧، والطيالسي، (٢٣٠١) و(٢٣٤٦) ومالك ٢/ ٨٥٤، وابن الجارود في المنتقى (٧٧٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٢٠٥، والبيهقي ٨/ ٧٠ و١٠٥ و١١٢. وعن المغيرة بن شعبة عند أحمد ٤/ ٢٤٥ و٢٤٦ و٢٤٩، والبخاري (٦٩٠٥) و(٦٩٠٨) ومسلم (١٦٨٢) والترمذي (١٤١١) وأبي داود (٤٥٦٨) و(٤٥٦٩) و(٤٥٧١) والدارمي ٢/ ١٩٦، والطحاوي ٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦، وابن الجارود (٧٧٨) والطيالسي (٦٩٦) والنسائي ٨/ ٤٩ والبيهقي ٨/ ١٠٦ و١٠٩ و١١٤.
(٣) أخرجه مالك في " الموطأ " ٢/ ٥١٣، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٢٨٩٤) والترمذي (٢١٠٢) وابن الجارود (٩٥٩) والدارقطني ص ٤٦٥، والبيهقي ٦/ ٢٣٤، وابن حبان (١٢٢٤) والحاكم ٤/ ٣٣٨ عن ابن شهاب الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله - ﷺ - شيئًا، فارجعي حتى =
[ ١ / ٢٩٤ ]
ورجع عن قضيته بخبر رواه له بلال (١) انتهي كلامُهُ ﵇.
وروى أبو داود في السنن عن ابنِ مسعودٍ أنه أفتى في مسألة بالرأي، ثم وَجَدَ النَّصَّ (٢).
وأفتى ابنُ عباس أنه لا رِبا إلاَّ في النَّسِيئَة، ثم وجَدَ النَّصَّ، كما ذلك مشهورٌ عنه (٣).
_________________
(١) = أسال الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله - ﷺ - فأعطاها السدس فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصديق وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم وقال الحافظ ابن حجر في " التلخيص " ٣/ ٨٢: إسناده صحيح لثقة رجاله إلا أن صورته مرسل، فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق ولا يمكن شهوده للقصة.
(٢) وثمت أشياء لم يكن يعلمها ﵁، فأخبره غير واحد من الصحابة بما سمعه من رسول الله - ﷺ - فيها، فيرجع إليها، ويأخذ بها انظر مسألة " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهي موجودة في الجزء العشرين من " مجموع الفتاوى " ص ٢٣٤ - ٢٣٨.
(٣) أخرجه أبو داود (٢١١٤) و(٢١١٥) و(٢١١٦) وأحمد ١/ ٤٣١ و٤٤٧ و٤/ ٢٨٩ و٢٨٠، والنسائي ٦/ ١٢١، ١٢٣، والترمذي (١١٤٥)، والدارمي ٢/ ١٥٥، وابن الجارود (٧١٨) وابن ماجه (١٨٩١) والبيهقي ٧/ ٢٤٥ عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فإن يك صوابًا، فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، فقام معقِل بن سنان الأشجعي، فقال: قضى رسول الله - ﷺ - في بَرْوَع بنت واشق -امرأة منا- مثل ما قضيته، ففرح ابن مسعود فرحًا شديدًا حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله - ﷺ - وصححه الترمذي، وابن حبان (١٢٦٣) و(١٢٦٤)، والحاكم ٢/ ١٨٠، ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا.
(٤) في صحيح مسلم (١٢١٨) عن عطاء بن أبي رباح أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس، فقال له: أرأيت قولك في الصرف، أشيئًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، أم شيئًا وجدته في كتاب الله ﷿؟ فقال ابن عباس: كلا، لا أقول، أما رسول الله - ﷺ - فأنتم أعلم به، وأما كتاب الله فلا أعلمه، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله - ﷺ - قال: " ألا إنما الربا في النسيئة " وانظر لزامًا الأحاديث من رقم (٤٢٨) إلى (٤٥٩) في " المعجم الكبير " للطبراني.
[ ١ / ٢٩٥ ]