فإنه قلت: لأن تلكَ مسائل علمية عليها أدلة قطعية.
قلت: وليس كُلُّ علمٍ تحصيلُه أسهلُ من تحصيل الظَّنِّ، فإن كلامَنا في السُّهولة والصعوبة؛ ولعله لا يَخفي عليك أن تحصيل أدلة التأْمين، ووضع اليمنى على اليُسرى أسهل من معرفة أدلة العلم الكلامي على الوجهِ الصحيح من غيرِ تقليد ألبتة، ولو كان الظن أعسَر مِن العلم مطلقًا؛ كان ظنُّ إصابة جهةِ القبلة أعسرَ مِن العلم بدليل الأكوان، بل أعسرَ مِن علم المنطق والكلام، وهذا ما لا يليق التطويلُ فيه.
التنبيه الخامس عشر: القول بسهولة الاجتهاد قد قال به كثير من المتقدمين والمتأخرين من أهل المذهب، وغيرهم من أهل العصر، ومن تَقَدَّمهم.
حدثني حي الفقيه العلامة علي بن عبد الله بن أبي الخير (١) أن الشيخ أبا الحسين لم يكن يشترط في الاجتهاد إلا أُصولَ الفقه -يعني بعدَ معرفةِ الكتاب والسُّنة-، قال: ولم يُرِدْ إن العربيةَ ليست بشرطٍ، وإنما أراد أن المحتاج إليه منها قد صار في أُصول الفقه، وبقيتُها إنما يتعلَّق بإعراب الألفاظ.
وهذا القولُ لستُ أقولُ به، ولا أرتضيه، وإنما القصدُ الحكايةُ عن العارف الثقة.
وقد تكلَّم الفقيهُ عبد الله بن زيد (٢) في الاجتهاد، ورخَّص فيه،
_________________
(١) من مؤلفاته " الدرة الفاخرة في كشف أسرار الخلاصة الزاهرة " والفوائد الجامعة في الخلاصة النافعة " و" واسطة النظام في التقليد والاستفتاء والنقل والالتزام " انظر فهرس مخطوطات المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء " ص ١٦٠ و١٩٧ و٣١٨.
(٢) له في المكتبة الغربية بالجامع الكبير " شمس المشرقين والمغربين في دليل الجمع بين الصلاتين " ضمن مجموع (١٢٠).
[ ١ / ٢٧٢ ]
وكذلك القاضي العلامة عبد الله بن حسن الدَّواري (١) -﵀- كان يُقَرِّبُهُ كثيرًا. وكذلك حي الفقيه العلامة علي بن عبد الله -﵀- قال لي: إن الاجتهاد عنده أسهلُ مِن معرفة الفروعِ. والسَّيِّد -أيده الله- قد حكى ذلك عن الغزالي (٢) وغيره. قال السَّيِّد -أيده الله-، في رسالته: إن الغزالي وغيرَه ذكروا أنه يكفي المجتهدَ أن يَعْرِفَ في كلِّ فَنٍّ مختصرًا، ولا يلزمُه حِفظُه عن ظهر قلبه، بل يكفيه معرفتُه نظرًا. هذا لفظ السَّيِّد -أيده الله-، لكنه تأوَّل كلامَ الغزالي وغيرِه بما لا يُوجبُ التأويل، كما سيأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
وكذلك تاجُ الدِّين السُّبكي قد وسَّطَ الأمرَ فيه ونصَّ: على أنه لا يجبُ عليه حفظُ المتون، ذكره في كتابه " جمع الجوامع " (٣). ولم يذكر فيه خلافًا مع توسُّعِهِ في النقل.
وأنا -بحمد الله- لم أَقلْ كما قالوا، وأعوذ بالله من أن أعتقِدَ أنه يكفي في كل فَنٍّ مختصرُه -هكذا على الإطلاق-، هذا قولٌ نازلٌ جدًّا وسيأتي الكلامُ على فساده لا على تأويله -إن شاء الله تعالى-، وإنما القصدُ بيانُ أن تسهيلَ الاجتهاد قولُ لم يزل في الناس مَنْ يقولُه في قديم الزمان وحديثه، ولم يُعلم أن أَحدًا ترسَّلَ على أحد في ذلك. وقد أشار
_________________
(١) ترجمه الشوكاني في " البدر الطالع " ١/ ٣٨١، فقال: عبد الله بن الحسن اليماني الصعدي الزيدي الملقب بالدواري باسم أحد أجداده وهو دوار بن أحمد، والمعروف بسلطان العلماء، ولد سنة ٧١٥ هـ، وقرأ على علماء عصره، وتبحر في غالب العلوم، وصنف التصانيف الحافلة في الأصول والفروع، وكان الطلبة للفنون العلمية يرحلون إليه، ويتنافسون في الأخذ عنه، وليس لأحد من علماء عصره ما له من تلامدة، وقبول الكلمة، وارتفاع الذكر، وعظم الجاه. توفي سنة ٨٠٠ هـ.
(٢) انظر كلام الغزالي في " المستصفي " ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١.
(٣) انظر ص ٤٢٢ - ٤٢٤ من الجزء الثاني من شرح الجلال المحلى على جمع الجوامع، وحاشية العطار عليه.
[ ١ / ٢٧٣ ]