واعلم أن مِن لطائف الأنظار لذوي الأذهان، أنَّ الله سبحانه لما وضع الميزانَ، وهو ميزانُ المقادير على الصحيح، لا ميزانُ البُرهان، حرَّم الإخسارَ فيه والطُّغيان، فقال سبحانه في سورة الرحمن: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرَّحمن: ٧ - ٩]. وإذا كان هذا في ميزانِ الدِّرهم والدِّينار، اللذيْنِ هما من جنس الأحجار، وكانِزُهما المانِعُ حقوقَهما متوعَّدٌ بالنار، فما ظنَّك بالإخسار والطُّغيان في ميزان البُرهان، الذي يُعْرَفُ به الدَّيَّان، وتُحفظ به الأديان.
والصَّلاة والسَّلام الأتَمَّانِ الأكملانِ على نبيِّهِ ورسوله وحبيبِه وخليلِه، الذي مدحه الله العظيمُ، ووصفه في الذكر الحكيم بالخُلُق العظيم، وأنَّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، المخصوصِ مِن بين الأنبياء بالخمسِ الفضائل (١)، المسموحِ له -يومَ قابَ قوسين أو أدنى- ما زاد على الخمس الفواضِلِ: سَيِّدِ ولدِ آدمَ يوم القيامة في المقامِ المحمود، وحاملِ لواء الحمد في اليوم الموعود، صاحِبِ السَّبع المثاني والكوثرِ (٢)، والشفاعةِ
_________________
(١) روى البخاري (٣٣٥) فىِ التيمم، ومسلم (٥٢١) في أول المساجد من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا: " أُعطيت خمسًا لم يُعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ".
(٢) مقتبس من قوله ﷾: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] وقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، وقد فسر النبيُّ - ﷺ - الكوثرَ بأنه نهر في الجنة، حافتاه: الذهب، ومجراه: الدر والياقوت ..، رواه عن أنسٍ البخاريُّ (٦٥٨١) وأحمد ٣/ ١٠٣ و١١٥، والترمذي (٣٣٥٧)، وعن ابن عمر أحمدُ ٢/ ١١٢، والدارمي ٢/ ٣٣٧، والترمذي (٣٣٥٨) وابن ماجه (٤٣٣٤) وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٧٤ ]
العُظمى يومَ المحشر، المبعوثِ بالحنيفية السَّمحة (١) إلى الأسودِ والأحمرِ (٢)، المنعوتِ بأنَّه خيرُ الناس نِصابًا، الموعودِ -مَنْ أعْرَضَ عن سنته- بالصَّغار عقابًا (٣)، الذي لا يُفتح لأحدٍ قبلَه أبوابُ الجنان، ولا ينامُ قلبُه وإن نامت منه العينانِ (٤)، الذي وجبت له النبوةُ وآدمُ بين الجسدِ
_________________
(١) أخرج أحمد بسند قوى ٦/ ١١٦ و٢٣٣ من حديث عائشة مرفوعًا: " أني أرسلت بحنيفية سمحة" وله شاهد من حديث ابن عباس عند أحمد ١/ ٢٣٦ بلفظ: قيل لرسول الله - ﷺ -: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: " الحنيفية السمحة " ورجاله ثقات، وعلقه البخاري في " صحيحه " ١/ ٩٣ في الإيمان، باب الدين يسر، ووصله في " الأدب المفرد " (٢٨٧) وحَسَّن إسناده الحافظ في " الفتح "، وآخر عن أبي أمامة عند أحمد ٥/ ٢٢٦ والطبراني (٧٨٦٨) ولا بأس بإسناده في الشواهد، وثالث عن جابر عند الخطيب في " تاريخه " ٧/ ٢٠٩ وابن النجار في " ذيل تاريخ بغداد " ٣/ ٥ من المطبوع وسنده ضعيف، ورابع عن حبيب بن أبي ثابت مرسلًا عند ابن سعد في. الطبقات " ١/ ٢٩٢، فالحديث صحيح بها، ولقد ضعفه الشيخ الألباني في " غاية المرام " (٢٠ و٢١ و٢٢) فأخطأ.
(٢) بهامش (أ) ما نصه: رواه البخاري في ترجمة باب من حديث ابن عمر، وذكره ابن الأثير في الفضائل من حرف الفاء، ويشهد له من كتاب الله تعالى: ﴿سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا﴾ وقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ تمت من خط المصنف رحمه الله تعالى. وقوله: رواه البخاري في ترجمة باب من حديث ابن عمر. لم نقف عليه في صحيحه، ويغلب على الظن أنه وهم، نعم أورده ابن الأثير في جامع الأصول ٨/ ٥٢٨ - ٥٢٩ الطبعة الشامية من حديث جابر بن عبد الله، ونسبه إلى البخارى والنسائي ومسلم، وهو عند مسلم (٥٢١) في المساجد فقط باللفظ الذي ذكره المصنف، ولفظ البخاري (٣٣٥) والنسائي ١/ ٢١٠: وكان كل يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة. ولفظ مسلم أخرجه أحمد ١/ ٢٥٠ و٣٠١ من حديث ابن عباس، وأخرجه الدارمي ٢/ ٢٢٤، وأحمد ٥/ ١٤٥ و١٤٨ و١٦١ من حديث أبي ذر، وهو في " المسند " ٤/ ٤١٦ أيضًا من حديث أبي موسى الأشعري.
(٣) اقتباس من قوله - ﷺ -: " بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد اللهُ وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذلةُ والصِّغَار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم " رواه أحمد ٢/ ٥٠ و٩٢، وسنده حسن، وجّوَّد إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في " الاقتضاء " (ص ٣٩)، وصححه الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " وحسنه الحافظ في " الفتح " ١٠/ ٣٢.
(٤) في البخاري (١١٤٧) ومسلم (٧٣٨) و" الموطأ " ١/ ١٢٠، و" المسند " =
[ ١ / ١٧٥ ]
والرُّوح (١)، ووعده ربُّه سبحانه أن يُرضِيَه في أمَّته حين فاض لِرحمتهم دَمْعُهُ المسفوح، الذي استخرح لنا شفيعٌ ﴿وأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ من كنوز فضائله، ونفيسِ خصائصه: قولَه ﵊ من حديث ابن عباس: " أنَا حبيبُ اللهِ ولا فخر، وأنا حامِلُ لِوَاءِ الحمدِ يَوْمَ القِيَامَةِ ولا فخر، وأنا أول شَافِع وأوَّل مُشفَّع يومَ القيامة ولا فخر، وأنا أوَّل مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الجنةِ، فيفتح الله لي فيُدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر" (٢). وحديث. " ولكنَّ صاحبَكم خليلُ الله " (٣). وفي حديثِ الخُدْرِي: " أنَا سيِّد وَلَدِ آدمَ وَلا فخر، وبيدي لِواءُ الحمدِ ولا فخر، وما مِن نبيٍّ -آدمَ فمن سِواه- إلا تحتَ لوائي، وأنا أوَّلُ من تنشق عنه الأرضُ ولا فخر " (٤). وفي حديث أنس: "أنَا أوَّلُ النَّاسِ خروجًا إذا بُعِثُوا، وأنَا
_________________
(١) = ٦/ ٣٦ و٧٣ و١٠٤، وسنن أبي داود (١٣٤١)، والترمذي (٤٣٩) والنسائي ٣/ ٢٣٤، عن عائشة ﵂ مرفوعًا: " إن عينيَّ تنام ولا ينام قلبي "، وفي الباب عن ابن عباس عند أحمد ١/ ٢٢٠، وعن أبي هريرة ٢/ ٢٥١ و٤٣٨، وعن أبي بكرة ٥/ ٤٠ و٥٠.
(٢) أخرج أحمد ٥/ ٥٩ وأبو نعيم في " الحلية " ٩/ ٥٣ وابن الأثير في "أسد الغابة" ٥/ ٢٨٥ من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن منصور بن سعد عن بُديل عن عبد الله بن شقيق عن ميسرة الفجر، قال: قلت: يا رسول الله، متى كتبت نبيًا؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد " وهذا إسناد صحيح، ورواه ابن سعد في " الطبقات " ٧/ ٦٠ من طريق معاذ بن هانىء عن إبراهيم بن طهمان عن بُديل به، وله شاهد عن ابن عباس عند الطبراني (١٢٥٧١) و(١٢٦٤٦) والبزار (٢٣٦٤) (زوائده) وانظر " المجمع " ٨/ ٢٢٣.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٦١٦) والدارمي ١/ ٢٦ في المقدمة، وفي سنده زمعة بن صالح الجندي، وهو ضعيف، وباقي رجاله ثقات، ولِعُظْمِهِ شواهد ستأتي عند المصنف.
(٤) هو قطعة من حديث عند مسلم (٢٣٨٣) والترمذي (٣٦٥٥) وابن ماجه (٩٣) وأحمد ١/ ٣٧٧ و٣٨٩ و٤٠٩ و٤٣٣ والبغوى في " شرح السنة " (٣٨٦٧) كلهم من طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود.
(٥) أخرجه أحمد ٣/ ٢ والترمذي (٣٦١٨) وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد، وهو في " المسند " ١/ ٢٨١ و٢٨٢ و٢٩٥ و٢٩٦ من حديث ابن عباس، وفي سندهما علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، لكنْ له شاهد صحيح يتقوى به من حديث =
[ ١ / ١٧٦ ]